الاتحاد

تقارير

انتخابات إندونيسيا... تجديد للثقة في «يوديونو»

يبدو أن الناخبين في إندونيسيا منحوا الرئيس الحالي «سوسيلو بامبانج يوديونو» فترة رئاسية ثانية، معبرين بذلك عن أملهم في استمرار السياسة الاقتصادية السابقة، رغم أدائها المتواضع، والسيطرة على التوترات الإثنية والدينية التي تهدد البلاد. فقد أظهرت عينات من النتائج التي أعلنتها مراكز خاصة لاستطلاع الرأي، انتصاراً ساحقاً للرئيس «يوديونو» في الانتخابات التي جرت يوم الأربعاء الماضي متقدماً بحوالي 30 نقطة على الرئيسة السابقة «ميجاواتي سوكارنوبوتري» وعلى المرشح الثالث ونائب الرئيس «يوسف كالا» الذي احتل مرتبة متأخرة، حسب استطلاعات الرأي. لكن لا يتوقع أن يعترف أي من المرشحين بالنتائج في المرحلة الراهنة طالما أن النتائج لن يعلن عنها رسمياً إلا بعد ثلاثة أسابيع تقريباً. وبالنسبة للعديد من المراقبين، يظل السؤال الأهم هو ذلك الذي يتعلق بهامش الانتصار الذي سيحققه «يوديونو»، فإذا حصل الفائز على نسبة أصوات أقل من 50% فإنه سيتعين عليه خوض دورة انتخابية ثانية، في شهر سبتمبر المقبل، يواجه فيها صاحب المرتبة الثانية، وهو ما يبدو حتى اليوم مستبعداً في ظل الأرقام غير الرسمية التي تمنح «يوديونو» بين 85 و61% من الأصوات فيما تمنح «سوكارنوبوتري» بين 26 و28%. ولحسم الموضوع، نشر حلفاء «يوديونو» مواد إعلانية في الجرائد تطلب من الناخبين المشاركة بكثافة في الانتخابات حتى توفر البلاد 400 مليون دولار ستكلفها الانتخابات في حال المرور إلى الدور الثاني. لكن المرشح «كالا» انتقد هذه الإعلانات، معتبراً أن الديمقراطية لا ثمن لها.
وقد أظهرت استطلاعات الرأي أن «يوديونو» حافظ على تقدمه طيلة أشهر الحملة الانتخابية التي تخللتها ثلاث مناظرات تلفزيونية بين المرشحين، وهو ما يعبر عنه «جيفري وينترز»، أستاذ العلوم السياسية بجامعة «نورثويسترن» الأميركية والموجود حالياً بإندونيسيا، قائلاً إن «أياً من المرشحين لم يتمكن من اللحاق بيوديونو». والرئيس الحالي هو جنرال متقاعد في الجيش، سبق أن تولى مسؤولية الأمن في عهد الرئيس «سوكارنوبوتري» قبل أن يفوز بأول انتخابات تعددية تشهدها إندونيسيا في عام 2004، ويعرف عنه طابعه الحذر وتردده في انتهاج سياسية إصلاحية جريئة، مفضلاً الاستقرار والاعتدال على التغييرات الجذرية. وعلى مدى الحملة الانتخابية، انصب التركيز على الاقتصاد ووعود الحفاظ على النمو وتعميم فوائده على الشعب بكامل فئاته، والذي يصل تعداده إلى 235 مليون نسمة يعيشون موزعين على آلاف الجزر. وفي هذا السياق ألقى «يوديونو» الضوء على قيادته الاقتصادية المتوازنة، وعلى برامجه الاجتماعية التي ضخت المال والأرز المدعم في أيدي الشرائح الفقيرة، فضلاً عن الصلابة التي أبداها الاقتصاد في وجه تراجع الطلب العالمي وعدم تعرضه للصعوبات التي طالت بقية الدول المجاورة. وقد لعب الإسلام باعتباره دين أغلبية السكان في إندونيسيا، دوراً رمزياً خلال الحملة الانتخابية، حيث ظهرت زوجات المرشح «كالا يوسف» وهن يرتدين الحجاب، في حين ظهرت زوجات بقية المرشحين حاسرات، لكن يبدو أن ذلك لم يؤثر كثيراً على قرارات الناخبين الذين صوتوا بكثافة لصالح «يوديونو». وباستكماله فترته الأولى، يكون «يوديونو» قد شغل ثالث أطول مدة في الحكم بعد «سوكارنو» الرئيس الأول لإندونيسيا بعد الاستقلال، وبعد الجنرال «سوهارتو» الذي حكم البلاد بقبضة من حديد طيلة 32 عاماً قضاها في السلطة. ورغم الفوضى والصراع العرقي اللذين صاحبا إقرار الديمقراطية منذ عام 1998، وما أثاراه ذلك من مخاوف تفكك البلاد، إلا أن إندونيسيا تمكنت مع ذلك من اجتياز تلك الفترة العصيبة واستطاعت استرجاع توازنها. وقد حظي «يوديونو» بتقدير الولايات المتحدة وبقية الحلفاء لاحتوائه العناصر الإسلامية المتطرفة التي خططت لهجمات «بالي» في عام 2002، لكنه في الوقت نفسه كان أقل حماساً في مواجهة القراءات المتشددة للدين، لاسيما أن ائتلافه البرلماني يعتمد على بعض الأحزاب الإسلامية. ويبقى السؤال الأهم في إندونيسيا اليوم هو: ما مدى قدرة «يوديونو» على جذب الاستثمارات الأجنبية لاقتصاد غني بالموارد الطبيعية لكنه يعاني من آفة الفساد والبنية التحتية المتهالكة، وسوء الإدارة. وباختياره وزير المالية «بويدينو»، وهو شخصية إصلاحية غير متحزبة، كنائب له، يكون الرئيس قد أعلن تأييده لمطالب إصلاح القضاء وبقية المؤسسات، وإن كانت التطلعات الإصلاحية تبقى دونها العديد من العقبات مثل البرلمان المنقسم على نفسه ومراكز القوى التي تسعى إلى حماية مصالحها وتعطيل جهود الإصلاح. وعن صعوبة التطلعات الإصلاحية، يقول «كيفين أورورك»، محلل سياسي مستقل في جاكارتا: «لا أعتقد أن المجال يسمح بإدخال إصلاحات جوهرية، أو تحسين الأوضاع؛ لأنه سيكون على الرئيس التكيف مع العديد من المصالح المتضاربة». ومع أن «يوديونو» يتمتع بسمعة جيدة في الداخل باعتباره شخصاً نظيفاً لم يتورط في الفساد، يرى المنتقدون أن نزاهته لم تمتد إلى تكتله السياسي المتمثل في الحزب الديمقراطي، أكبر الكتل البرلمانية، بعدما اقترح مؤخراً تشريعاً يروم تعطيل إنشاء وكالة لمكافحة الفساد كانت ستتولى مراقبة المسؤولين الحكوميين وملاحقتهم قضائياً إذا ثبت تورطهم في أعمال منافية للقانون.
سيمون مونتلايك - تايلاند
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا