الاتحاد

امرأة من ذهب


دُهشت حين توقف عند بائع الزهور ·· وظننت في بادئ الأمر بأنه قد عاد ليراهق بروحانية اللون الأحمر وقبل أن أتوجه له بالسؤال ابتسم بمعنوية عالية ونظر إلى الوردة التي بيده ثم تنهد وقال:
اييه كان عليَ أن أقضي هذا المشوار منذ أكثر من خمس عشرة سنة أظن أني أهملت العقارب بعض الشيء لقد مضى على زواجي ما يزيد على العشرين عاما وبات لديّ أبناء وبل أحفاد ولم يسعفني الوقت لأنجز هذه المهمة حتى اليوم وأتصور بأنه قد حان الوقت لأقول بأني فخور بزوجتي وأم أولادي ربما كان ذلك شعوراً داخلياً يراودني كلما أنجزت عزيزتي عملاً وأبهجتني به ولكن كنت أكتفي بالرضا دون أن أنطق بكلمة الثناء على ما قدمته لأجلي لابد أنها انتظرت طويلاً وترقبت زمن رومانسيتي في كلمة الشكر ولكن أخذتني مشاغل الحياة وفي كل مرة أقول بلا شك أنها تدرك بأني سعيد وهذا يكفي وبصراحة أعترف بأن كلمة الاطراء في بعض الأحيان لها بهار خاص لقد كانت جدتي تقول بأن الزواج كالبطيخ إما أن يكون أحمر طعمه حلو أو أن يكون باهتا لا طعم له والحمد لله كنت الرجل الأوفر حظاً فالعالم باختياري··
أعتقد بأن حان الوقت لكلمة التقدير للمرأة الأكثر جدارة بكلمة الشكر تلك المرأة التي تعدت حدود معاني الحب بعفويتها وحنانها باخلاصها وتفانيها طيلة ذلك المشوار غير المتناهي تلك المرأة التي تزوجتها وهي لا تزال صغيره ورأيتها بعيني دوماً كبيرة سلبتها من وسط بيئتها وتأقلمت لأجلي في عالم آخر امرأة قوية صلبه في مواقفها لا أتذكر بأني رأيت دموعها قط إلا حين توفيت والدتي رحمها الله لقد وقفت إلى جانبها طيلة فترة مرضها فكسرت جدار الصدام كما تناقلته الأجيال بين زوجة الابن وحماتها ربما تكون زوجتي ذات ملامح غير مميزة عن باقي النساء ولكنها ذات خصال تنفرد بها عن كل بنات حواء تحمل قلبا كبيرا بسيطة لا تعرف الغرور مسامحة وفي الشدائد لها نفس صبور كريمة لا تبخل عن العطاء وكفيها عالية للسماء نعم هي لم تكمل دراستها وبالكاد حصلت على الشهادة الإعدادية، ولكن بشهادة حق أراها تحمل الدكتوراه في هذه الحياة فقد أثبتت بأن ليس كل متعلم مثقف بقدر ما كل مثقف هو متعلم فبرغم مسؤولياتها المبكرة عرفت كيف تسير مملكتها وتربي أبنائها ولم يعيق ذلك إرادتها في تثقيف نفسها والحرص على توسيع قاعدة معلوماتها بالمطالعة والاحتكاك بقضايا المجتمع بعقلها الواعي بل وجلست أمام نافذة العالم تكتب بأناملها آلاف الكلمات بمختلف المجالات وحين تنزوي في غرفة المكتب تطبع على الجهاز كان يذكرني ذلك الصوت بطقطقة زخات المطر على الزجاج الذي أراهن بأنها تفوقت به على سكرتيرة سعادة الوزير التي خاضت دورات وحصدت شهادات لتحصل على الخبرة أو حتى على كيفية التعامل مع جهاز الحاسب الآلي على عكس زوجتي التي تعلمت دون معلم ولم تكن بحاجة أن تجلس خلف المكتب لتشعر بكيانها وبأن لها قيمه في المجتمع ليحترم شخصها وقلمها فعلى قدر ما كنت أحميها في الوقت الذي كانت تقضيه علًى ذلك الجهاز على قدر ما كنت أدرك تماماً بأني أكثر سعادة وفخر حين أرى اسمها قد أدرج في صفحات الجرائد والمجلات وبرغم الخلافات التي كانت تدب بيننا من حين لآخر إلا أني حين كنت أخرج غاضباً من المنزل أكون على يقين بأني تركته (في وضع آمن) فهناك من يستطيع أن يضبط الأمور في غيابي وحين أعود وكأن شيئاً لم يكن، وأنا ألمح ابتسامتها التي تشع الكون وهي تسألني أن تضع عشائي لم أخش يوماً أن أدعوا أصدقائي للمنزل، رجل واحد أم كانوا عشرة فهي قادرة تدبير الأمور ولو ألزمت باطعام مدينة منكوبة بأكملها سيكون الأمر ميسراً عليها حتى في صباح العيد لم أكن مجبراً على الوقوف في طابور (المطبخ الشعبي) لأنها كانت تتكفل شخصاً بإعداد سفرة العيد بكل ما لذ وطاب·
امرأة لا أعرف كيف أصفها هل هي من الطراز القديم الحليم أم أنها من جيل المرأة المتحضرة المتفهمة ذات روح عملية واضحة! لقد وهبتني ووهبت أولادها الراحة والاطمئنان ولم نشكو بأساً بوجودها لا أعرف هل كنت سأكون سعيداً دونها!! إن المرء أحياناً لا يدرك كنزه إلا حين يفقده وأم أولادي هي كنز حياتي (أطال الله بعمرها)·
* أفلا تستحق زوجتي بعد كل ذلك هذه الوردة الحمراء·
أمل آل علي - الشارقة

اقرأ أيضا