أحمد عثمان

بين عامي 1910 و1922، عكف فرانتس كافكا على كتابة يومياته: 12 كراسة، حيث أخذ يدون كل ما يطرأ على ذهنه من دون ترتيب: ملاحظات على قراءاته، تأملات حول عمله، حياته العائلية، والحياة الثقافية في براغ، هذه الكراسات صدرت مؤخراً كاملة، تحت عنوان «يوميات» لأول مرة إلى الفرنسية، بترجمة روبير كان، عن مطبوعات «نو».
في يومياته التي كتبها على مدى سنوات، يشهد كافكا على انشغاله المُلح بالكتابة، وسط كل التزاماته الأخرى، على الرغم من أن البعض يرى أنها غير منذورة للنشر، بما أنها تعتبر من قبيل الشذرات- الوثائق الخام، التدوينات البسيطة غير الكاملة اللغزوية.
مع وفاة كافكا في 1924، سعى صديقه ماكس برود إلى إنفاد كل مخطوطاته المتناثرة التي طلب منه «تدميرها»، وأخذ يعمل على نشرها، وهذه «اليوميات» من ضمن هذه الأعمال الناجية.
اهتم كثير من المترجمين الفرنسيين، ومن ضمنهم بيير كلوفسكي ومارت روبير، بهذه اليوميات، وترجموها، ولذا نتساءل: هل من اللازم وجود ترجمة جديدة؟ نعم، كما قال روبير كان في مقدمته البليغة، لأن النص الذي اشتغل مارت عليه عانى مقاطع كثيرة أدرجها ماكس برود عليه، بدافع الحياء أو الكتمان، والترجمة الجديدة ترجع إلى «الطبعة النقدية لليوميات» الألمانية (فيشر ‏1990)، التي تستند إلى مخطوطات الاثنتي عشرة كراسة، المودعة في «مكتبة أوكسفورد»، المكتملة والمرتبة بدقة كبيرة، ترجمة روبير كانت قريبة من نص كافكا، في لغته الجافة، ألفته، وغياب غنائيته، ملاحظاته إخبارية من دون أن تكون مزعجة، ومن ناحية أخرى، يقول المترجم: «الكتب الكبرى يجب أن تترجم مع كل جيل جديد، لأن منظور العالم واللغة يتغير».
من الممكن أن نعنون «يومياته» مثل كتابه الأول «وصف معركة»: «معركة لا ترضى بالنصر ولا بالهزيمة، ومع ذلك لا يمكن أن تخمد أو تنتهي»، حسبما موريس بلانشو، معركة للدفاع عن الكتابة ضد الالتزامات العائلية، العمل، الحياة الاجتماعية، الحب، الجسد المعلول، وبالأخص ضد الكاتب نفسه، فالحفاظ على وقت الكتابة والقوة الضرورية همّ دائم، في الصباح يعمل في شركة تأمين، وبعد الظهيرة يعاون والده في مصنعه الذي يعاني من مشاكل عديدة، وحتى هذه المساندة لا تساهم في إصلاح علاقته بوالده.
من ناحية أخرى، تروي يومياته الحياة الثقافية في براغ، خلال سنوات «غليانها» الفني.
هامش:
(*) الكتاب:
Franz Kafka, «Journaux». Première traduction intégrale par Robert Kahn. NOUS, 840 p.