الاتحاد

رمضان

يوسف والي يبطل مفعول مبيدات السرطان


القاهرة - 'الاتحاد':
لا يكاد أحد يميز صوت الدكتور يوسف والي نائب رئيس الوزراء وزير الزراعة السابق·· وعلى حد علمنا لم يدل الرجل بأية احاديث اذاعية أو تليفزيونية طوال فترة تألقه في السلطة على مدى ما يقرب من ربع قرن·· وربما لم تكن للرجل احاديث صحفية خاصة سوى تصريحاته التي كان يدلي بها في اجتماعات عامة وتنقلها الصحف عنه·
وهذا السلوك من الدكتور يوسف والي يثير الدهشة والعجب والاعجاب ايضا·· فالرجل لم يكن مجرد وزير للزراعة، خبز وعجن الوزارة حتى صار فيلسوف الزراعة في مصر·· بل كان في ذات الوقت آمينا عاما للحزب الوطني الحاكم·· أي انه كان يشغل منصبا سياسيا مرموقا يقتضي منه الحديث ليل نهار في 'الفاضي والمليان' وكان والي يخوض انتخابات البرلمان في الفيوم مرشحا عن الحزب الوطني ويفوز فيها باكتساح·· اي انه لم يهبط على مناصبه الرفيعة بالمظلة أو بالتعيين ولكن بارادة الجماهير·· ولم يسجل اي منصف أو خصم للدكتور والي انه مارس البلطجة والتزوير والعنف في دائرته الانتخابية بالفيوم مثل غيره من مئات المرشحين في دوائر أخرى ومحافظات مختلفة·
وهناك مئات المناسبات والأحداث والمصائب التي كانت تقتضي من الدكتور والي بل تجبره وتفرض عليه أن يتكلم·· بل يوقف خصومه بحكم موقعه على القمة·· ولكن الرجل لم ينطق·· ولو تعرض آخرون في موقع المسؤولية لعُشر ما تعرض له والي لذبحوا خصومهم·
لقد قالوا إن والي هو المتعهد الوحيد الذي يوزع على المصريين مجانا السرطان وأمراض الكبد والفشل الكلوي·· وان المصريين اصبحوا ضحايا لأخطر الأمراض بفضل الدكتور والي ومبيداته المحظورة دوليا والتي يأكلها الناس مع الخيار والقمح والبطيخ وكل ما تنبته أرض الكنانة·· وقالوا إن والي ملأ الدنيا بالكنتالوب والتفاح والفراولة المشبعة بالمبيدات المسرطنة والإشعاعات النووية على حساب القمح والذرة والأرز وهي المحاصيل التي تمثل أكل عيش الفقراء·
وقالوا إن الدكتور والي ملك التطبيع مع إسرائيل·· وهو الذي فتح كل الأبواب على مصاريعها للإسرائيليين كي يدخلوا ويملأوا أرض الكنانة سموما واشعاعات وسرطانات كجزء من مخطط لإبادة الشعب المصري·· وقالوا إن والي جمع كل لصوص الأرض وقطاع طرقها وسلمهم مفاتيح وزارة الزراعة ليعيثوا فسادا ويهلكوا الحرث والنسل·
وكل من كان يبحث عن البطولة والشهرة والذيوع لم يجد أمامه سوى تصويب السهام والخناجر والسيوف نحو قلب الدكتور يوسف والي حتى صار أشهر متهم بلا جريرة ولا جريمة في تاريخ المحروسة··
ومن حق كل ذي عين وبصيرة بعد هذا كله أن يعجب ويضرب كفا بكف ويتساءل بدهشة: كيف استطاع والي أن يتمسك بفضيلة الصبر والصمت في مواجهة هذه الأمواج العاتية من الهجوم·· والتي طعنته في وطنيته ودينه وأخلاقه وقيمه؟
آفات
لم يفعل والي شيئا سوى إنه، وهو المتألق فوق القمة، لجأ الى القضاء ضد بعض وليس كل من تجاوزوا معه الخطوط الحمراء وبعد أن فاض به الكيل وحصل على أحكام ضدهم أدت الى سجن بعضهم وتغريم آخرين·· ورفع خصوم والي أعلام النصر والزهو عندما تم تقديم أقرب مساعديه وهو يوسف عبدالرحمن ومعه راندا الشامي وآخرين الى المحاكمة في تهم تتعلق بالتربح والكسب غير المشروع وقبول الرشاوى والسماح باستيراد مبيدات مسببة للسرطان·· وصدرت أحكام بالإدانة في كل التهم ما عدا التهمة الأخيرة المتعلقة بالمبيدات المسرطنة·· لكن محكمة النقض أصدرت مؤخرا حكمها القاطع بإعادة محاكمة كل هؤلاء المدانين استنادا الى أن الأحكام صدرت ضدهم دون استكمال اجراءات التحقيق·· وهذا يدل على أن أحكام الإدانة هذه صدرت بناء على رأي مسبق لم ينتظر استكمال التحقيقات·· أي ان هذه الأحكام جاءت تحت ضغط الرأي العام والصحافة وكل هؤلاء كانوا معبأين ضد والي وأعوانه مسبقا·
ونكس خصوم والي أعلامهم مرة أخرى بعد حكم النقض العادل والعاقل واستعدوا لجولة جديدة ضد والي الذي خرج من منصبه لكن احدا لم يرحمه·· وتلك آفة أخرى أصبنا بها جميعا وهي آفة التمثيل بالجثث بعد موتها·· كما إن هناك آفة أخرى أيضا ربما أصبنا بها بسبب طول بقاء المسؤولين في مواقعهم حتى الملل 'والزهق' وهي إننا ننادي ونصرخ ونولول مطالبين بالتغيير وعندما يحدث هذا التغيير الذي طالبنا به نقول إنه تم لأن هؤلاء المسؤولين الذين اطيح بهم تركوا مواقعهم لأنهم فاسدون·· ولا يوجد من يقول إن التغيير سُنة الحياة ولا يعني إن الذاهب من موقعه فاسد والقادم الجديد صالح وخير من سلفه·
وهذه الآفة التي اقنعتنا بأن الراحل فاسد والقادم صالح ومصلح زكاها ورسخها المسؤولون الجدد الذين يخلفون من تركوا مواقعهم·· فكل مسؤول سواء كان وزيرا أو خفيرا يبدأ مهمته بصب اللعنات المباشرة وغير المباشرة على سلفه ويؤكد انه جاء للتطوير والتطهير وتحقيق الانضباط المفقود وإعادة الأمور الى نصابها وطرد اللصوص وقطاع الطرق من المواقع·
وبكل أسف كان المهندس أحمد الليثي وزير الزراعة الحالي من اكثر الوزراء الجدد هجوما على سلفه بقصد أو بغير قصد وبشكل مباشر أو غير مباشر·· فلم يحصل الليثي على فترة راحة من الكلام يستثمرها في المراجعة والقراءة وتلمس مواطن الضعف والقوة ودراسة الخطط والمشروعات·· بل جاء الرجل مثل 'عنتر شايل سيفه' وفتح أبواب وشبابيك وصنابير الكلام من أول لحظة·
ومنصب الوزير في كل دول العالم منصب سياسي يفترض فيمن يتولاه أن يكون حصيفا ويجيد إقامة التوازنات والمواءمات في تصريحاته ويخوض في الأمور بحذر شديد حتى لا يعميها وهو يريد أن يكحلها·
تصريحات مرعبة
لكن المنصب في مصر يتولاه التكنوقراط أي أصحاب الخبرة العلمية في مجالهم والذين لا علاقة لهم بالمواءمات السياسية·· لذلك فإن تصريحات الوزراء اللا محسوبة كثيرا ما تؤدي الى أزمات·· كما يؤدي تراجعهم عنها الى أزمات أشد·
وقد ساهم الليثي في أكثر من مناسبة في إثارة البلبلة والرعب لدى الرأي العام وكان مشغولا بنفسه وانجازاته وتسفيه انجازات سلفه الدكتور والي أكثر من انشغاله بأثر كلامه على الرأي العام·· وقد حدث هذا في أزمة غزو الجراد عندما تحدث الليثي عن أكثر من لون له·· فمرة هو الجراد الأصفر ومرة هو الأخضر ومرة الأحمر·· واستقر الكلام عند اللون الأخير·· ثم هل هو جراد ناضج أم غير ناضج واعداده ومدى انتشاره والأضرار الناجمة عنه·· وهل اتى من الجنوب أم من الغرب·
ولم يفوت الليثي الفرصة بالتلميح الى انه اعاد تشكيل لجنة مكافحة الجراد وجعلها تابعة له شخصيا بعد أن كانت في عهد سلفه لجنة بلا عمل ولا تجتمع ولا تضم خبراء·· ثم صار الأمر مضحكا أكثر عندما صدرت الفتاوى بأكل الجراد مساهمة في مكافحته·
وفي أزمة البطيخ المسموم والملوث بالمبيدات جاءت كل تصريحات الليثي مثيرة للبلبلة والذعر فقد فتح الرجل النار بلا هوادة على سلفه·· كما فتح النار على ضحايا البطيخ المسموم أنفسهم عندما اتهمهم بالشراهة وبأنهم لا يجيدون أكل البطيخ وكان ينبغي أن يغسلوه قبل أكله وألا يكونوا 'مفاجيع' ويأكلوه بقشره الملوث·
وزاد الذعر عندما أكد الليثي إنه الوحيد الذي أصدر قرارا بحظر 47 مبيدا زراعيا من المبيدات المحرمة دوليا بعد ان ظلت تستخدم سنوات طويلة قبل أن يجييء الليثي الى الوزارة·· وإن هذه المبيدات تسبب السرطان وأمراضا أخرى خطيرة·
والحقيقة إن الليثي لم يكن ينتظر مناسبات وأزمات للهجوم على سلفه الدكتور والي وربما يعد وزير الزراعة الحالي أكثر وزراء حكومة الدكتور أحمد نظيف كلاما وتصريحا بمناسبة وبلا مناسبة وهو لا يمل استخدام العبارات النارية حول أنه جاء من أجل تطهير وزارة الزراعة وإنه سيضرب بيد من حديد وسيلاحق الفساد في كل أركان الوزارة وسيسقط اللصوص من مناصبهم·
كل هذا والدكتور يوسف والي لا يتحدث ولا ينطق رغم إنه ضيف دائم على صفحات الصحف من خلال الهجوم عليه بلا هواده وكانت تصريحات وأحاديث الليثي هي أهم أسلحة الهجوم على والي لأن الصحافة المعارضة والمستقلة وجدت في الليثي فرصتها الذهبية للهجوم على والي واثبات مزاعمها ضده·
الخروج عن الصمت
وقد طال صبر الدكتور يوسف والي على ما تعرض له من هجوم لكنه في اللحظة المناسبة ولأنه رجل يفهم في السياسة كما يفهم في الزراعة خرج من شرنقة الصمت ليفجر قنابل اسكنت نيران كل من هاجموه·· وأبطلت مفعول مفرقعاتهم·
وقال الدكتور والي كلاما جميلا يبرر به خروجه من صمته·· ومن ذلك انه آثر الصبر والصمت على ما تعرض له حتى يقول القضاء كلمته وعندما صدر حكم النقض بإعادة محاكمة المتهمين في قضية وزارة الزراعة رأى انه آن الأوان لكي يتكلم ويدلي بدلوه·
وبعيدا عن الأرقام والحجج الدامغة في بيان الدكتور يوسف والي الذي أرسله الى الصحف فإن الأهم هو ما قاله في ختام هذا البيان·· فقد قال إن الهجوم الذي تعرض له طويلا لا يستقيم ولا يصمد أمام حقيقة دامغة هي تضاعف قيمة الصادرات الزراعية أكثر من عشر مرات حيث تبلغ قيمتها الآن 5500 مليون جنيه ولم تكن تتجاوز 500 مليون جنيه في العام 1982 عندما تولى الدكتور والي وزارة الزراعة·
وقال إن مخاطر الهجوم عليه وعلى عهده تتجاوز الأشخاص الذين يستهدفهم هذا الهجوم لتبلغ حد العبث باقتصادنا القومي في واحد من أهم مجالات انطلاقه·· وهذا هو الكلام السياسي الحصيف الذي نقصده عندما نتحدث عن بيان والي·· فهو يعني إن الهجوم الكاسح عليه والقول بأن الزراعة المصرية تعتمد على مبيدات مسرطنة سيضرب التصدير الزراعي في مقتل·· فلا يمكن ان تجرؤ دولة ما على استيراد سلع يقول منتجوها أنفسهم إنها تؤدي للاصابة بالسرطان·
وقال الدكتور والي إن تناول قضية المبيدات اختلطت فيه النوايا الحسنة بدوافع أخرى حسابها عند الله المطلع على السرائر وما تخفي الصدور·· مما أدى الى اغراق الرأي العام في متاهات الأكاذيب والزيف التي روجت للعلاقة بين المبيدات المستخدمة في مصر والإصابة بالسرطان·
وأكد إن الشهادات الموثقة من وكالة حماية البيئة الأميركية تفيد تسجيل جميع المبيدات المتداولة في قضية وزارة الزراعة في بلد المنشأ واستخدامها في الولايات المتحدة وهي أكثر بلدان العالم انضباطا في استخدام مثل هذه المركبات الى جانب استخدامها في أوروبا واليابان·
وقال إن الحد من استخدام الكيماويات ومنها المبيدات في الانتاج الزراعي هدف يسعى اليه جميع المشتغلين بالزراعة·· وتصدر منظمة الصحة العالمية قوائم بحظر المبيدات التي تثبت الدراسات خطورتها وتنشر هذه القوائم على شبكة الانترنت ويمكن متابعتها للتأكد من أن مصر لم تستخدم أي مبيد محظور في الفترة من عام 1982 الى عام 2004 كما أن منظمة الأغذية والزراعة تصدر نشرات دورية لتحذير الدول من بعض المبيدات وهوما اخذت به وزارة الزراعة عام 1997 بالغاء مبيدات الازدرين والنوفاكرون والثمارون ومازال الإلغاء ساريا·· وعندما اصدرت منظمة الفاو قرارا يحظر استخدام بعض المبيدات الكيماوية اكتشفت إن وزارة الزراعة المصرية حظرتها منذ 20 عاما·
واكد والي إن وزارة الزراعة لم تخل يوما منذ عام 1982 من هيئة للاشراف على نشاط استخدام المبيدات وضمت هذه الهيئات جميع مديري المراكز البحثية واساتذة المبيدات بالجامعات وكان الهدف دائما تنفيذ سياسة الوزارة بخفض استخدام المبيدات الى أقل حدود ممكنة وهو ما تحقق بشكل غير مسبوق·· كما ظلت الوزارة تزود كافة الجهات المتعاملة مع المبيدات بالإرشادات اللازمة لضمان حسن استخدامها ولم تحدث أي مظاهر للتسمم بالمبيدات على امتداد ثلاثة وعشرين عاما لأن سلامة الاستخدام عنصر لا ينفصل عن سلامة المبيد ذاته·
واكد انه تم ترشيد استخدام المبيدات وتخفيضها الى ادنى درجة ممكنة واتخذت الوزارة قرارا منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي بمنع الرش بالطائرات بما حقق آثارا ايجابية هائلة على صحة الانسان والبيئة والثروة الحيوانية·· كما تم استنباط اصناف نباتية مقاومة للآفات الزراعية مما يلغي الحاجة لاستخدام المبيدات ومنها القطن المقاوم للآفات وخاصة العفن الأسود والأرز المقاوم لمرض اللقحة والقمح المقاوم للصدأ الأصفر·· كما إن مصر هي الدولة الوحيدة في العالم التي نجح فيها استخدام البكتريا الآمنة لمكافحة دودة ورق القطن في 265 ألف فدان ومكافحة درنات البطاطس في الوف الافدنة واستخدام طفيل الترايكوجراما في مكافحة آفات قصب السكر وغطى هذا الاستخدام 190 ألف فدان ونفس الطفيل في مكافحة دودة القطن لأكثر من 350 ألف فدان·
وقال انه نتيجة لهذه الجهود انخفضت كميات المبيدات الكيماوية المستخدمة من 29 ألف طن عام 1982 الى اربعة آلاف طن عام 2003
وقال والي ان من بين السهام المصوبة للسياسة الزراعية في عهده اهمال زراعة القمح واغفال هدف زيادة نسبة الاكتفاء الذاتي منه مشيرا الى ان هذا الطرح المغالط اقنع كثيرين وليس هناك رد ابلغ من الارقام التي تؤكد ان نسبة الاكتفاء الذاتي خلال الفترة التي تتعرض للهجوم قد تضاعفت عدة مرات·· فقد تطورت المساحة المزروعة قمحا من 1,2 مليون فدان عام 82 الى 2,5 مليون عام 2003 وتطور حجم الانتاج من 2,06 مليون طن الى 6,8 مليون وزاد متوسط انتاج الفدان من 9 آرادب الى 18,5 آردب وارتفعت نسبة الاكتفاء الذاتي من 20 في المئة الى 55 في المئة رغم الزيادة السكانية خلال تلك الفترة والتي اقتربت من ثلاثين مليون نسمة مع ارتفاع كبير في متوسط استهلاك الفرد من القمح·
وهكذا تكلم والي فأوجز وانجز ولم يستخدم الرجل عبارات نارية بل استخدم سلاح الارقام والوثائق وهو سلاح قادر على اسكات نيران الخصوم وهزيمتهم بالضربة القاضية الفنية·· ووالي لم يسكت طوال هذه المدة خوفا ولا خجلا ولا اقرارا بذنب·· لكنه سكت صبرا وحقق نصرا·

اقرأ أيضا