السبت 24 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

مساندة أوكرانيا.. وبلاغة تيلرسون!

18 ابريل 2017 23:57
«لماذا ينبغي لدافعي الضرائب الأميركيين الاهتمام بأوكرانيا؟»، كان هذا هو السؤال الذي سُمع من وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون خلال اجتماع لوزراء خارجية «مجموعة السبعة»، التي تمثل أقرب حلفاء أميركا، قبل يوم من زيارته موسكو الأسبوع الماضي. ولكننا لا نعرف ما الذي قصده بذلك السؤال، أو السياق الذي طرحه فيه. وعندما استُفسرت بشأن ذلك، أجابت وزارة الخارجية أن الاستفهام كان «بلاغياً»، ولم تسع للدفاع عنه ولا إلى التراجع عنه. والواقع أنه لو كان تيلرسون شخصاً مختلفاً، وكانت هذه لحظة تاريخية مختلفة أيضاً، لنسينا أمر هذا التصريح الغريب الذي صدر عنه. ولكن لدى تيلرسون خلفية غير عادية بالنسبة لوزير خارجية أميركي، إذ خلافاً لكل من شغل هذا المنصب خلال فترة نصف القرن الماضية على الأقل، فإنه لا يملك أي تجربة في الدبلوماسية أو السياسة أو الجيش، وإنما قضى معظم حياته في استخراج النفط وبيعه من أجل الربح، وهو ما أجاده وبرع فيه. ولا أحد يعرف ما إن كان يستطيع تغيير منظومة قيمه للتركيز بدلاً من ذلك على مهمة مختلفة تماماً، مهمة بيع شيء غير ملموس -القيم الأميركية- بغية زيادة وتكثير شيء غير ملموس أيضاً: النفوذ الأميركي. والواقع أن التغيير أصعب مما يبدو عليه الأمر: ذلك أن القيم والنفوذ لا يمكن قياسهما مثل المال. كما أنه لا يمكن أيضاً تحقيقهما عبر خفض التكلفة أو الفعالية، ولا عبر الترويج لهما باستخدام تكتيكات وأساليب أقسام «العلاقات العامة» في الشركات. ولكن بغض النظر عما إنْ كان الاستفهام بلاغياً أم لا، فإن سؤال تيلرسون يستحق جواباً. والجواب هو نعم: إن دافعي الضرائب الأميركيين ينبغي أن يهتموا بأوكرانيا، ولكن ليس بالضرورة للأسباب التي قد تبدو عقلانية ومنطقية لمدير شركة نفطية! لماذا؟ الواقع أن تفسير ذلك لا يمكن اختزاله في بضعة رؤوس أقلام، أو جدول، أو حتى أن يُعكس في أرقام. لا بل إنني لست واثقة من أنه يمكن القيام بذلك في بضع فقرات، ولكني سأحاول على أي حال. لقد شكّل غزو روسيا لأوكرانيا وضمُّها لشبه جزيرة القرم في 2014 هجوماً مفتوحاً على مبدأ أمن الحدود في أوروبا. ومبدأ أمن الحدود، بدوره، هو ما حوّل أوروبا، القارة التي دُمرت تدميراً في الحروب الدموية التي شهدتها في الماضي، إلى تحالف اقتصادي ينعم بالأمن والسلام خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وقد كان لقرار أوروبا الجماعي التخلي عن القومية الشرسة، وفتح حدودها الداخلية، والتخلي عن طموحاتها الترابية، الفضل في جعلها غنية وتنعم بالسلام. كما جعل الولايات المتحدة غنية وقوية أيضاً، حيث تقوم الشركات الأميركية بمليارات الدولارات من المعاملات والصفقات في أوروبا، واستطاع الزعماء الأميركيون لفترة طويلة الاعتماد على الدعم الأوروبي عبر العالم، سواء في ما يتعلق بالأمور الاقتصادية أو السياسية أو العلمية أو غيرها. صحيح أنه ليس تحالفاً مثالياً خالياً من العيوب، ولكنه تحالف غير عادي توحّده القيمُ المشتركة إضافة إلى المصالح المشتركة. ولو كانت أوكرانيا، البلد الذي يبلغ عدد سكانه 43 مليون نسمة، تابعا لأوروبا بشكل دائم، فلربما أصبحت هي أيضاً جزءاً من هذه المنطقة التي تنعم بالرخاء والسلام. والحال أنه منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، باتت روسيا، التي أصبحت شرسة وجريئة، تهدِّد الأمن والازدهار الأوروبيين بشكل متزايد، إلى جانب تحالف أوروبا مع الولايات المتحدة، حيث تدعم روسيا المرشحين السياسيين المناوئين للولايات المتحدة والمناوئين لـ«الناتو» والمناوئين للديمقراطية عبر القارة، كما تبحث عن حلفاء سياسيين وتجاريين يساعدون على دعم شركاتها وغض الطرف عن ممارساتها الفاسدة. ولكن على المدى الطويل، تمثّل هذه السياسات تهديداً للمصالح التجارية الأميركية والمصالح السياسية الأميركية عبر كل القارة وعبر العالم. ولكن عليّ أن أعترف أيضاً بأنه لا توجد حسابات ولا ميزانية يمكن أن تُثبت أياً من هذه الأمور. كما أنه لا يوجد كذلك شيء قد يروق لمدير تنفيذي أو حملة الأسهم في شركة! وأياً تكن الأشياء التي «استثمرناها» في أوكرانيا -قروض عبر صندوق النقد الدولي أو مساعدات- فإنها لن تعود علينا بأرباح فورية. ولرؤية قيمة أوكرانيا آمنة وموالية للغرب، عليك أن ترى قيمة تحالف عمره سبعون عاماً. وللحفاظ على هذا التحالف، عليك أن تدافع عنه، وتشتغل عليه، وتستثمر فيه الوقت، وربما المال أيضاً. إن رئيس تيلرسون لن يكون من المدافعين عن تحالفات أميركا. أم تراه سيكون؟ الواقع أنه سيكون من المفيد لو استطاع البدء عبر إدراك أن استقرارها، وليس جدواها المادية، هو أهم مقياس للنجاح في منصبه. * محللة سياسية أميركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©