الاتحاد

دنيا

خطوات بسيطة لجعل عام 2012 أفضل صحياً

جني ثمار التمارين الرياضية يتطلب نفَساً طويلاً

جني ثمار التمارين الرياضية يتطلب نفَساً طويلاً

إذا كنت تأمل أن يكون عام 2012 يحمل جديداً جيداً لصحتك، فيكفي أن تتحلى بقدر من الواقعية وتُباشر التغييرات التي يمكنك القيام بها على مستوى نظامك الغذائي ونشاطك البدني. ولا بأس من البدء بخطوات بسيطة بالمعنى الحرفي للكلمة ثم التدرج إلى خطوات أكبر وأسرع يخفق لها القلب وينشط وتبهج بها النفس وتفرح، ولا تنس أن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة.

كل واحد فينا استقبل العام الجديد بأمنيات وطموحات وآمال وأهداف، وكل شخص منا تحدوه الرغبة في أن يكون هذا العام أفضل من العام الماضي، بل ومن جميع الأعوام التي سبقته. ومن الآمال التي لا ينبغي أن تضيع وسط الأمنيات العريضة المادية والمعنوية للإنسان تلك التي لها علاقة ببدنه وصحته. فنحن نُردد جميعاً ما مفاده «اللهم ارزقنا الصحة والسلامة»، لكن السؤال المطروح هو هل نعي فعلاً دلالة هذه الجملة؟ أم أننا نلوكها بشكل أجوف يفرغها من جوهرها؟ لسان حالنا يقول للأسف إننا نكرر قولها دون أن نُتبعها بأفعال يومية ملموسة تُصدقها، ونتجاهل بذلك سنة الكون التي أوجزها شاعر في البيت «وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلاباً». فلنبدأ بالأشياء الصغيرة البسيطة، ونبتعد عن تحقير أي جهد بسيط. ولا أعتقد أنك تعجز عن وقف ملء رفوف ثلاجتك ومطبخك بصنوف البسكويت المحلى والمعلب وأكياس رقائق البطاطس المملحة، ولا أنك ستفشل في ممارسة الرياضة بشكل يومي في البيت أو في صالة رياضية.
استراتيجية ناجحة
يبدأ معظم الناس عامهم الجديد بالعزم على القيام بتغييرات كبيرة وتحقيق طموحات واعدة، لكن غالبيتهم يفشل في ذلك بعد أن يرى أحلامه تتبخر مع مرور كل يوم من أيام السنة الجديدة، ويدفعه تأجيله المتكرر إلى الإيقان بأنه لن يحقق ما خططه من آمال وأحلام، لكنه لا يخصص وقتاً كافياً لمعرفة سبب ذلك. فلعله وضع آمالاً عريضةً تفوق قدراته، ولعله تقاعس واعتمد مبدأ التسويف المستمر ولم يغتنم فراغه قبل شغله. وبالمقابل، ينجح آخرون في تحقيق معظم أو بعض أحلامهم. ومنهم من يبدأ بالأهداف البسيطة القابلة للتحقيق ويتدرج من هدف صغير إلى هدف أكبر منه، فتزداد معه ثقته في نفسه ويجد نفسه قد حقق ما كان يشك في بلوغه سابقاً. وهذه استراتيجية من شأنها أن تقود متبعها إلى تحسين نمط عيشه وصحته بشكل مستدام مع الوقت ويغدو أكثر رضاً عن حياته.
ليس من العيب ولا الخطأ أن ترغب في المشاركة بالجري في مارثون أو إنقاص 22 كيلوجراماً، لكن يجب أن تعلم أن ذلك لا يمكن أن يحدث بعد شهر واحد، وهذا هو مكمن الخطأ الذي يقع فيه معظم الناس، فكل شخص يتعجل في جني الثمار، وتجده يتوقع الحصول على بطن مستوية كسبورة بعد قضائه شهراً فقط في التدريب بصالة رياضية، أو جسم كأجسام نجوم الرياضة والأزياء والسينما بعد ثلاثة أو ستة شهور! ولذلك يُصاب بالإحباط حين يُلفي نفسه بعيداً بأشواط عما منى نفسه به، وهو ما يقوده إلى الاستسلام وهدم كل ما بناه، بل والعودة إلى حال أسوأ مما كان عليه اعتقاداً منه أنْ لا رجاء من تحقيق التقدم المنشود. وفي هذا الصدد، تقول جيسيكا ماثيوس، طبيبة رياضية ومتحدثة باسم المجلس الأميركي للأنشطة البدنية الموجود مقره في سان دييجو، «نتحمل المسؤولية بكاملها عن عدم إحرازنا التقدم المأمول، فكل واحد لا يرى إلا أبيض أو أسود ولا يؤمن حقيقةً بوجود منطقة رمادية، ولذلك نرغب في تحقيق كل شيء أو لا شيء، وهذا لا ينطبق على الرياضة فحسب، بل في جميع مناحي الحياة». وتضيف ماثيوس «إذا كنت تعتزم زيادة نشاطك البدني لكن تشعر أن قواك تخونك، فيُفضل أن تبدأ بممارسة تمارين بسيطة خفيفة قدر استطاعتك، ولا تبخسن منها شيئاً، فحتى تعمدك ركن سيارتك على غير مقربة من مكان عملك أو بيتك أو أي وجهة أخرى قصد مشي خطوات إضافية يُعد جهداً محموداً ينعكس إيجاباً على لياقتك». وتقول فيليسيا ستولر، أخصائية تغذية وطبيبة رياضية ومؤلفة كتاب «الطريق السليم لإنقاص الوزن والشعور بالرضا»: «تعويد الشخص نفسه على المشي في أثناء دوامه يومياً وبشكل منتظم حتى عندما يكون عمله مكتبياً أمر في بالغ الأهمية، فلو تمكن كل واحد من مشي خمس دقائق كل ساعة من ساعات الدوام الثماني التي عملها، فإن رصيده اليومي من النشاط البدني سيكون 40 دقيقة، وهذا بحد ذاته إنجاز رائع».
الطبخ المنزلي
يقول مانويل فيلاكورتا، المتحدث الرسمي باسم أكاديمية التغذية والحمية الموجود مقرها في سان فرانسيسكو، «إن الخطوات الأولى التي يتبعها الشخص على مستوى حميته الغذائية مهمة جداً على الرغم من كونه قد يراها ضعيفة الجدوى». فالشخص الذي لا يكثر من تناول الخضراوات أو الفواكه يمكنه إضافة وجبة خضراوات أو فواكه ولو مرةً في الأسبوع، وأولئك الذين لا يطبخون أبداً وإنما يعتمدون على ما تقدمه المطاعم من وجبات سريعة وخفيفة يمكنهم محاولة طبخ وجبة صحية بسيطة من مكونات بسيطة كالفاصولياء والأرز والدجاج. ويضيف مانويل ناصحاً «ابدأ بالأشياء القابلة للقياس من حيث كميتها وتكرار تناوُلها. وعندما تشعر أنك قمت بذلك، يمكنك الانتقال إلى المستوى التالي».
قد يتساءل أحد عن حقيقة تثمين الخطوات الصغيرة، أو يعتبرها نوعاً من التشجيع المجاني الذي يتبعه أخصائيو الرياضة والحمية الغذائية فقط، لكن يكفي لهؤلاء معاينة أصحاب اللياقة العالية والعضلات القوية كيف يتدربون في أية صالة رياضية أو قناة متخصصة، ليجدوا أن هؤلاء يستعملون في التسخينات أوزاناً خفيفةً قد تدعو غير المطلعين على الاستخفاف بالمفعول الذي يمكن أن تؤديه مثل هذه الأوزان الخفيفة أو الحركات البسيطة، وليعلم المبتدئون أن الخبراء والأخصائيين يُجمعون على أن إرهاق العضلات بأوزان ثقيلة أو حركات قوية منذ البداية له من الأضرار ما يفوق الأفضال بكثير، ولعل أبرز ضرر هو إصابته بتمزقات وتشنجات عضلية قد تُقيد خياراته الرياضية مدى الحياة.
وتقول ماريون جيكوبز، عالمة نفسانية متخصصة في الممارسات الخاصة، وأستاذة علم نفس بجامعة كاليفورنيا، «قبل أن تُباشر القيام بأي نشاط بدني مهما صغُر، عليك أن تضع خطةً قابلةً للتطبيق لمعرفة أين ستوصلك تلك التمارين بالضبط. واعلم أن التغيير هو مسار متواصل، فلا تتوقع أن تتمكن منذ البداية بارتداء قمصان ضيقة تظهر جاذبية جسمك المنحوت أو قوة عضلاتك، لكن قُم بوضع خطة لكل خطوة ومرحلة، وكُن بصيراً بالعوائق التي يمكن أن تُواجهك في كل خطوة ومرحلة وأوجد الحلول مسبقاً للتغلب عليها. وأهم شيء هو التفكير المتبوع بالتخطيط الواقعي المحكم». ومن جهتها، تقول ماثيوس «تُريد أن تبدأ في الجري؟ ألق نظرةً على ملابس نومك الفضفاضة واعقد العزم على أنها لن تكون من مقاس جسمك بعد فترة. تُريد أن تأكل وجبات مطهوة في البيت والتقليل من أكل المطاعم؟ سجلْ قائمة بمحتويات الوجبات التي ترغب في تناولها وتوجه إلى أقرب مركز تجاري أو بقالة. والأهم في كل خاطرة وفكرة أن تتحول إلى إرادة حقيقية وأن تكون براجماتيةً وقابلةً للتحقق. فإذا كنت مثلاً كائناً غير صباحي، فلا تعمل ضد ساعتك البيولوجية وتُبرمج ممارسة الرياضة في السادسة صباحاً، وإنْ تحديت نفسك وفعلت، فإنك على الأرجح ستفشل».
مراقبة الذات
القيام بتغييرات بسيطة يمكن أن يكون سهلاً ومُجزياً أكثر إذا كان التقدم المُحرز موثقاً، سواءً في النظام الغذائي أو الرياضي، وسواءً كان ذلك باستخدام مذكرة إلكترونية أو هاتفاً ذكياً أو أحد البرمجيات التي تقيس وتتعقب عدد السعرات الحرارية المحروقة والمكتسبة كل يوم من خلال الأكل والرياضة. ويقول فيلاكورتا «من بين أفضل الأفعال التي يمكن للناس القيام بها هي مراقبة أنفسهم خلال الأكل وممارسة الرياضة. فذلك يُتيح لهم معاينة التقدم الذي يحصلونه أولاً بأول، وذلك يكون أكبر دافع يُحفزهم على الاستمرار والاستمتاع بمسار التغيير الذي يسلكونه».
وتقول جيكوبز إن مسألة اتباع نظام غذائي أو رياضي بمعية شخص آخر -صديق أو زوج- يُعد أمراً بالغ الأهمية، لكن شرط أن يكون من ذوي العزائم الصلبة الذي تُعول عليه ليشجعك لا ليُثبطك. فإذا كان زوجك يُعاني مثلاً من زيادة الوزن ولا يرغب في إنقاص وزنه، فهذا لا يجعله رفيقاً مثالياً يمكن أن تعولي عليه، بل العكس هو الصحيح». وإذا حدث أن فترت عزيمتك أو أصبت بوعكة في منتصف الطريق، فلا تعتبر ذلك فألاً سيئاً فشلاً أو مبرراً كافياً لرفع الراية البيضاء، أو تُمعن في جلد ذاتك وندب حظك، بل تذكر أن القوي هو الذي يستطيع الوقوف بعد السقوط. ولا تسمح لليأس بأن يتملكك، بل أُنظر إلى خطتك للتغيير باعتبارها مساراً متواصلاً يستحق منك المتابعة أسبوعاً بأسبوع، مع تقييم التقدم الحاصل بتريث وهدوء. فخرقك لنظامك الغذائي مرةً واحدةً لا يعني أن ذلك نسف الجهود التي قمت بها طوال الأسبوع أو أنه دمر خطتك جملةً وتفصيلاً، بل يكفيك الاستئناف بشكل عادي.
وقد ينتابك شعور بالرغبة في انتظار أن يأتي الوقت الملائم للبدء بالتغيير إيماناً منك بأن كل شيء بأوانه، لكن جيكوبز تقول إن الانتظار بدعوى الشعور بالجاهزية هو خرافة ليس لها أي سند علمي ولا توجد إلا في أذهان المتواكلين والمسوفين. وتضيف «لا يبدو أنك ستكون أبداً مستعداً لفعل شيء إنْ كنت تؤمن بمبدأ الانتظار إلى حين الشعور بالجاهزية، فالمنطق يقول «كل من يريد فعل شيء يستطيع فعله». فالرغبة والاستطاعة مفهومان متلازمان في أعماق لاشعور كل إنسان. وإذا بدأت في مرحلة معينة وأوهمت نفسك أنك فعلت ذلك من منطلق جاهزيتك، فاعلم أنه كان بإمكانك البدء في وقت أبكر، وإذا انتظرت إلى أن تشعر بالدافعية والحافزية، فاعلم أن انتظارك هذا قد يطول للأبد. ولذلك فإن الحكيم هو من يبدأ بتطبيق خطة فكرته الإيجابية فور أن تخطر على باله».
من جهة أخرى، تدعو جيكوبز إلى تجاهل آراء الأشخاص السلبيين الذين قد يخبرونك بأن جسمك لا يمكن أن يتغير، فأحسن طريقة للرد عليهم هو بالعمل لا بالقول، وعندما يبدأ الشخص بخطوات صغيرة، فإن الدماغ يبدأ بإعطاء إشارات إلى وظائف الجسم بالاستجابة السريعة وبإعطائها أوامر انطلاقاً من قناعة قدرة صاحبه على الوصول إلى ما يريده. وكما يُقال «نقطةً نقطةً، يمتلئ النهر»



حلول استباقية
يقول أخصائيو لياقة وتغذية إن مفتاح نجاح أية خطة تغيير نمط عيش أو إنقاص للوزن أو تقوية للعضلات يكمن في استباق إيجاد الحلول للصعوبات والعوائق التي يمكن أن تعترض طريق صاحب الخطة قبل حدوثها. فإذا تلقيت دعوة غذاء أو عشاء من أحد الأقرباء أو الأصدقاء وكنت تعلم أنه يغضب إذا امتنعت عن تناول بعض ما يوضع على المائدة من مختلف صنوف الطعام والشراب، فحاول تجنب الإحراج واشرح له مسبقاً أنك تتبع حميةً غذائيةً ولا تأكل إلا القليل. وتقول ماريون جيكوبز، عالمة نفسانية متخصصة في الممارسات الخاصة، وأستاذة علم نفس بجامعة كاليفورنيا «عندما لا يملك الشخص أية خطة، فقد يُقرر الذهاب إلى الصالة الرياضية كل يوم. لكن حين لا يحدث ذلك أو لا يرى أية ثمار قصيرة المدى، فإنه يستسلم مبكراً ويعود إلى نمط الخمول والركون إلى العادة المألوف ويكتفي بالتشدق «ليس لدي نفَس طويل، لدي شخصية تستثقل الالتزام بممارسة روتين التمارين الرياضية المملة. من لديهم شخصيات مغايرة يستطيعون ذلك، لكن شخصيتي لا تُعينني على ذلك». ومن المؤسف أن البعض يؤمن بأن حال جسمه وصحته قضاء وقدر لا يمكن أو من الصعب تغييره، وهذا اعتقاد خطير يُجهز على أي أمل في التغيير.


هشام أحناش
عن «لوس أنجلوس تايمز»

اقرأ أيضا