الاتحاد

عربي ودولي

آفة العرب الكبرى سواد ثقافة الانتحار


غسان مكحل :
المشاهد الدامية المؤلمة، التي بثتها شبكات التلفزة من كل من شرم الشيخ ولندن، في خلال الايام القليلة الماضية، لا بد وان تدفعنا الى التفكير في الاسباب وراء هذه الموجة العارمة من العنف التي تجتاح العالم منذ سنوات، والتي ينصب الاتهام فيها على العرب والمسلمين·
هل يكفي ان نقول ان السياسات الغربية، واحيانا سياسات عدد من الدول الاسلامية، هي المحرض على هذا العنف؟ وهل يكفي ان نبرر هذا العنف الاعمى بالاحتلال الصهيوني لفلسطين؟· وهل يبدو مناسبا ان نبقى غير مبالين بما يجري، وغير آبهين بانعكاسات ما يجري على العرب والمسلمين وعلى شعوب العالم عموما؟ وهل يكفي ايضا ان نبرر هذا العنف المجنون بالتمييز تجاه العرب والمسلمين وتجاه قضاياهم، في السياسات الغربية؟
هذه الاسئلة تنتهي بنا الى سؤال أشد خطورة: هل قربنا العنف الاعمى من نيل حقوقنا ومن حل قضايانا ام انه أورثنا عنفا يطال مجتمعاتنا، ويلغي السياسة لمصلحة العنف والتكفير والتخوين وإلغاء ثقافة الحوار، التي طالما تباهينا بها وعلى مدى قرون طويلة؟
عودة أعمال السبعينات
ولا بد هنا من الانتباه الى ان استخدام العنف الاعمى، كأداة سياسية او استنادا الى مبررات سياسية، ليس جديدا علينا· ولا بد من تذكر ما حصل في اوائل السبعينات عندما لجأت مجموعات من المناضلين الفلسطينيين والعرب الى عمليات خطف الدبلوماسيين واختطاف الطائرات ومهاجمة الاهداف الاوروبية الامنية وحتى المدنية· وأدت تلك الممارسات الى تغيير انماط العيش في انحاء العالم، وباتت القيود اكثر شدة في المطارات ونقاط العبور في انحاء العالم، وبالاخص ضد العرب والمسلمين·
ومع ان تلك الاعمال لفتت الانتباه، حسب ما يقول مؤيدوها، الى القضية الفلسطينية، على مستوى العالم، الا انها، وبسبب استخدام العنف من دون تمييز، جعلت العرب والمسلمين في انحاء العالم عرضة للشبهة الدائمة· والاخطر من ذلك وسمت العرب والمسلمين بسمة العنف· وبات الحديث طبيعيا في انحاء العالم بان العنف احد ابرز سمات الثقافة في عالمنا العربي والاسلامي·
ولا بد من الاشارة هنا الى ان اسرائيل والقوى الغربية المؤيدة لها، استغلت هذا السلوك العنفي من اجل وسم الفلسطينيين والعرب عموما بسمة العنف والارهاب· وهذا ما ساعد الاسرائيليين على تبرير غزوهم للبنان، من اجل القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية في العام ·1982 حيث تحول لبنان تحت سيطرة منظمة التحرير في تلك الفترة الى قاعدة للمجموعات المتطرفة العنيفة من انحاء العالم·
وفي السياق نفسه لا بد من الانتباه الى تغيير المواقف الدولية من قضايا الشعب الفلسطيني، في الفترة ما بين الانتفاضة الاولى والانتفاضة الثانية· فخلال الانتفاضة الاولى التي ركز فيها الفلسطينيون على مواجهة جيش الاحتلال، واحيانا كثيرة بالحجارة والصدور العارية، حصلوا على تعاطف دولي لا سابقة له، من مختلف انحاء العالم، حتى من داخل المجتمع الاسرائيلي· وهو تعاطف ما لبث ان خوى وتراجع في اعقاب استخدام سلاح الهجمات الاستشهادية من دون تمييز، ومن دون انتباه لعاملي التوقيت والمكان·
أنظمة ·· وإرهابيون
الاستخدام العشوائي لذلك السلاح الخطير، افقد ذلك السلاح اهميته الحقيقية، وحول التعاطف الدولي الذي جرى اكتسابه في الانتفاضة الاولى الى ادانة في كثير من الاحيان·· وهذا بالطبع ما سهل على الادارات الاميركية، الاقتراب في مواقفها من النظرة الاسرائيلية للنضال الفلسطيني ومن وضع العديد من المنظمات الفلسطينية المناضلة على لائحة الارهاب· ومع اهمية النظرة الخارجية الينا والى قضايانا، الا ان ذلك العنف، انعكس بصورة بالغة الخطورة على بنيتنا الثقافية والفكرية وعلى الاجيال الشابة· وساهم هذا التبني للعنف الاعمى في تغييب الحياة السياسية، وفي الغاء السياسة· وبعد ان كانت الصراعات والمواجهات بين موالين ومعارضين، باتت المعركة بين انظمة و'ارهابيين'· اي ان هذه العمليات التي يستخدم فيها العنف المبالغ فيه ضد المدنيين، لم تعط فقط اسرائيل والولايات المتحدة المبرر لتعزيز استخدامها العنف المبالغ فيه، بل ادت تلك الاعمال الى الغاء الحياة السياسية، وتحييد العقلاء والعقلانيين المعارضين والموالين· ووضعت القرار في ايدي القوى العنيفة من مختلف الجهات·
ويفترض هنا الانتباه الى تجربة العنف السياسي الداخلي في مصر والتي بدأت من اوائل الثمانينات، وايضا الى تجربة العنف في الجزائر وتجربة العنف في السعودية ودول عربية اخرى، والى ما ادت اليه تلك التجارب· اي الى ما نجم عنها· وبالتالي لا بد من الاعتراف بان تجارب العنف لم تؤد على الصعيد العملي سوى الى سقوط الالاف واحيانا مئات الالاف من الابرياء· وهي لم تحقق اي اهداف سياسية من تلك التي طالب بها المنفذون او المخططون او المؤيدون لتلك الاعمال·
هلاك البشر ·· والثقافة
وفوق ألوف الضحايا والخراب الذي يصعب تقديره وتصوره، فإن هذا العنف الاعمى الذي لا يفرق، والذي يستهدف المدنيين عادة، فإنه اصاب عقلية المجتمع العربي بعاهة، نتمنى الا تكون مستديمة· عاهة في تقدير التوجهات الصحيحة وتقدير الاولويات· عاهة جعلت من عقلية الانتحار الاعلى صوتا في مجتمعاتنا·· لقد هزم الجميع في هذه الحرب المتواصلة منذ اعوام عديدة، وفاز طرفان السياسة الغربية غير العادلة تجاه قضايانا، وعقلية الانتحار كأسلوب سياسي في مجتمعاتنا·
وخطورة انتصار سياسة الانتحار، تعني فقدان سياسة الصبر والتحمل وسياسات الخطوة خطوة، لمصلحة فورات عصبية مدمرة، وتعني ايضا فقدان عملية التسامح والتحمل التي طالما تباهينا بها كمسلمين، وذلك لمصلحة عقلية الشعور الدائم بالاضطهاد والظلم ، الى حد تبني السياسة الشمشونية المشهورة 'علي وعلى اعدائي'··
أصعب ما فقدناه في خلال العقود المنصرمة من العنف الاعمى هو السياسة الطبيعية الحقيقية التي تقيم مصالح البشر بالعقل ، وتتحمل الخسارة، وتتمتع بالتفاؤل والامل· واخطر ما حصلنا عليه هو عقلية الانتحار، التي يمكن ان يؤدي الاستمرار في تبنيها وحتى الاعجاب بها الى وضع مصيرنا في ايدي انتحاريين، يلقوننا في التهلكة، ويحولوننا الى آفة يرغب العالم في تجنبها· وفي هذا هلاك لثقافتنا وحضارتنا وهويتنا ومستقبلنا··

اقرأ أيضا

الحريري يتفق مع شركائه في الحكومة على حزمة إصلاحات