الاتحاد

دنيا

لصوص الهدوء

من علامات نضج البطيخ: جفاف الخيط الذي كان يغذي الثمرة، وأن يتغير لون بذورها إلى البني الغامق والأسود، وأن يتحول سطحها الملامس للأرض من اللون الأبيض إلى الأصفر الفاتح، وكذلك صعوبة خدش قشرة البطيخة بظفر الإصبع، ولكن تبقى الموسيقى أكبر برهان على نضج البطيخ!
غالبية الناس لا يلتفتون لعلامات النضج المتداولة في الإرشاد الزراعي، بل إنهم وبطريقة لا إرادية يلجأون إلى عملية التطبيل على البطيخة، من أجل سماع صوت مكتوم رنان، هذا الصوت يدلهم بشكل قاطع على حلاوتها واحمرارها، وهذه الطريقة الحاذقة لا يضطلع بها إلا كل صاحب أذن موسيقية مدربة! أما الوسواسون من الناس، فلا يقبلون الشراء إلا على المضمون، ولهذا نجد بعضاً من أصحاب معرشات البطيخ الواثقين من بضاعتهم وجودتها يبيعون (ع السكين)، أي أن البائع يختبر البطيخة بأن يحدث فيها قطعاً مربعاً برأس السكين، ثم يذيقها للشاري، فإن أعجبته، دفع ثمنها ومضى! أحد أصحاب معرشات الطرقات غالبه النوم بين كومة البطيخ؛ ولأنه أصلع، فقد ضاع رأسه بين البطيخات، وصادف أنَّ لصاً تسلل إلى الكومة، وبدل أن يخطف بطيخة ويمضي، راح ينتقي واحدة على (كيف مخه)، فقاده حظه العاثر إلى أن يتناول رأس البائع النائم، ويطبل عليه تطبيلات خفيفة ليحدد نضجها وحلاوتها! يصحو الرجل من نومه مفزوعاً، ويستغرب من وجود رأسه بين يدي اللص فينهره: ولك شو بتساوي يا مبهدل؟! فيرد اللص بوقاحة عابرة للمعرشات: أُريد بطيخة حمرا زي الدم، فيضحك البائع: يا أزعر بكفيش إنك حرامي، وبدك إياها عالسكين كمان!! لم يلفتني كثيراً أن ديوان المحاسبة قد رصد ما يقرب خمسين قضية اختلاس للمال العام، بل يقتلني أن لصوصنا ألوان: لص صغير يلطش ما يقع تحت يده ويمضي، ربما ليطفئ جوعه وجوع أولاده، ولكننا نقيم الحد عليه، ونشرشحه إذا ما ضبطناه، وهناك لص حاذق لا يقبل إلا عالسكين، وكلما كبرت هامته وكبر مقامه، وكان له ظهر يحميه، كانت لصوصيته ناضجة حمراء وحلوة، ولن يتوانى عن اختبار كل الكومة دون خوف أو خجل أو وجل، ولن تجد أحداً ينهره أو يسأله: يااااااااه كم أخاف من لصوص الهدوء!
رمزي الغزوي

اقرأ أيضا