الاتحاد

تقارير

جرائم الحرب السورية... شهادات مسجلة

كارول موريلو
أنطاكيا، تركيا

أخرج الشاب الجالس أمام المحامي «موسى أمهان» دفتراً أحمر صغيراً مليئاً بأسماء جمعها لجيران كان يتجسسون على السكان ويبلِّغون المخابرات السورية بأعمال مشبوهة: الميكانيكي الذي يقوم بتصليح الدراجات جاء إلى الحي على متن دبابة عندما أتت قوات الأمن من أجل توقيف المحتجين، وبائع البيض أقام نقطة لتفتيش السيارات بحثاً عن أسلحة محتملة، وأحد السكان المتنمرين قام بابتزاز المال عبر التهديد بالتبليغ عن جيرانه باعتبارهم ثواراً معارضين للحكومة. بل إن عمه بلَّغ عنه قوات الأمن التي استجوبته وعذبته، يقول الشاب.
عبر سوريا وفي تركيا المجاورة، تعكف مجموعة صغيرة من المحامين على جمع شهادات سوريين ضحايا الشبكة الواسعة من أجهزة المخابرات التي تستعملها الحكومة ضد الثوار، حيث يقومون بنقل الاتهامات إلى محاكم أنشأها الثوار في ثلاث محافظات سورية، محاكم أصدرت أكثر من 140 مذكرة توقيف حتى الآن، ومعظمها على خلفية جرائم تتعلق بالحرب. ويأمل المحامون أن تُستعمل الاتهامات المكتوبة في النهاية ضد مسؤولين حكوميين رفيعين في محكمة دولية، ويقولون إن من بين المذكرات المعلقة واحدة صدرت في حق الرئيس الأسد. لكنهم يتوقعون أن يحاكَم معظم المتهمين في محاكم سورية.
والواقع أنه من غير الواضح ما إن كانت المذكرات، ناهيك عن المحاكم، لديها أي سلطة في بلد مازال يُحكم رسمياً من قبل الأسد، وحيث من المحتمل أن يخضع النظام القضائي برمته لتغيير في حال سقوط النظام. لكن المحامين يقولون إن الانتظار إلى حين تشكيل حكومة انتقالية يمثل دعوة إلى ارتكاب مزيد من الجرائم. وفي هذا السياق، يقول علي العزير، وهو واحد من نحو 300 محام يشكلون «لجنة المحامين السوريين الأحرار»، إن هدفهم هو «تجنب أعمال قتل انتقامية»، مضيفاً: «إن الطريقة الأفضل للقيام بذلك هي توقيف الأشخاص المسؤولين، ووضعهم في السجن، وإخضاعهم للقانون».
وحسب اللجنة، فإن المجالس العسكرية الثورية في المحافظات الثلاث وافقت على توجيه الأمر لجنودها بالامتثال للمذكرات وحجز الأشخاص الذين يتم إيقافهم في نقاط التفتيش إلى أن تتم محاكمتهم. غير أنه من الصعب معرفة إلى أي مدى يحدث ذلك وسط فوضى حرب وحشية راكم فيها السوريون على كلا الجانبين حسابات للتصفية. فعلاوة على العنف المرتبط بالحكومة، تزعم عدد من مقاطع الفيديو المنشورة على موقع «يوتيوب» أنها تُظهر قتل أشخاص يلقى عليهم القبض من قبل الجنود الثوار.
وفي مقطع فيديو حديث، مثلا، قام الثوار بإعدام رجل عرِّف على أنه رقيب في الجيش السوري، رغم أنه كان يرتدي بذلة رياضية وليس زياً عسكرياً. وفي الفيديو، يدعي الثوار أن الرجل قتل رجلا آخر وطفلا، ويتجادلون لوقت قصير في ما بينهم حول ما إن كان ينبغي قتل أسيرهم غير المسلح. ثم ينتهي الفيديو بالمشتبه فيه وهو يتوسل معتقليه للحفاظ على حياته، قبل أن يسقط أرضاً وسط وابل من الرصاص.
والواقع أنه من غير المرجح أن يلجأ أنصار النظام إلى محكمة أنشأها الثوار، لكن تصريحات المحامين تخلق، في الوقت الراهن، فرصة للسوريين الذين يقولون إنهم تعرضوا للاعتقال والتعذيب على يد الحكومة بسبب انشقاقهم ولم تتح لهم أبداً فرصة للرد. ويقول «أمهان» في هذا الصدد: «لماذا لا ينبغي أن نحاكم هؤلاء المجرمين؟»، مضيفاً: «أن تفعل شيئاً غير قانوني لأنك خشيت الانتقام من عائلتك ليس عذراً، وفق القانون السوري. كان يتعين على أولئك الأشخاص أن يرفضوا تلك الأوامر».
ومن جانبه، يقول أحمد حسون، رئيس لجنة لمحامين، إن اللجنة طلبت من «حكومة» المعارضة في المنفى منح العفو لمن حُكم عليهم بأنهم كانوا جزءاً من الجهاز الأمني الحكومي ولكنهم لم يقتلوا أي أحد.
لجنة المحامين شُكلت بعد وقت قصير على بداية الانتفاضة. وبالنسبة لمحامين سمعوا عن المظالم لسنوات وكانوا يشعرون بالعجز، فإن القضية اتخذت طابعاً ملحاً وعاجلا في وقت أخذ فيه زملاء لهم يختفون. وفي هذا السياق، يقول العزير، الذي تخصص في القانون التجاري الدولي: «إن العديد من المحامين اعتُقلوا منذ بداية الانتفاضة»، مضيفاً: «الأمر منوط بنا لتوثيق ما حدث».
المحامون يقومون بجمع الشهادات في مخيمات اللاجئين، ومنها مخيم في تركيا يحتضن ضباطاً عسكريين انشقوا عن الجيش. وقد جاءوا إلى هنا للبحث عن أسماء الطيارين الذين ألقوا قنابل على أهداف مدنية، والمسؤولين الذين أمروا بمذابح، والمسؤولين الذين أشرفوا على الاستنطاقات باستعمال التعذيب، إضافة إلى أدلة على الرشوة والفساد والاغتصاب. لكنهم يعتمدون على القانون السوري الحالي؛ حيث يشرح مدير مكتب المحامين، بعد أن فتح كتاب القانون الجنائي بشكل عشوائي، أن عقوبة الرشوة هي خمس سنوات من الأشغال الشاقة إضافة إلى غرامة تعادل ضعف الرشوة المأخوذة ثلاث مرات.
غير أن إيجاد قانون حالي يجرم سلوكاً تم القيام به بإيعاز من الحكومة الحالية ليس مسألة صريحة وواضحة. وفي هذا السياق، يقول العزير: «إذا كان شخص ما جاسوساً يعمل مع المخابرات كمخبر، فليس لدينا عقوبة واضحة… لكن إذا أدى التعاون إلى تعذيب، فإننا نستطيع إقامة دعوى».
ويقوم نحو 40 محامياً سورياً بأخذ إفادات الشهود في تركيا، كما تعتزم اللجنة فتح مكاتب لها في لبنان والأردن، اللتين يعيش فيهما عدد كبير من اللاجئين أيضاً، والباقي في سوريا.
وفي مدينة أنطاكيا التركية الواقعة في الجنوب، يوجد مكتبهم في بناية عادية ولا توجد على بابه إشارة تشير إلى أن قصصاً مروعة تروى في الداخل. والشاب الذي أتى إلى المكتب مؤخراً قال إن اسمه سلام، وقد وافق على السماح لصحفية بالحضور وسماع شهادته شريطة عدم نشر اسمه خوفاً على سلامة عائلته في سوريا.
سلام، 27 عاماً، قال إنه درس علوم الأغذية بجامعة حلب وكان يأمل أن يجد عملا في مصنع أغذية بعد التخرج. وعندما بدأت الانتفاضة قبل نحو عامين، انضم إلى صفوف الثوار. وقال إنه أوقف العام الماضي بخمس تهم هي: التظاهر بدون ترخيص، وتشويه سمعة الدولة، وإضعاف الوحدة الوطنية السورية، والانتماء إلى منظمة محظورة، ونشر الأكاذيب. وقد اعتقل مدة شهر. وخلال الاستنطاق، يروي سلام أن نقيباً قام بضرب ساقيه بواسطة خرطوم مياه بلاستيكي وصعق ذراعيه بالكهرباء، كما ركله ولكمه في محاولة لينتزع منه معلومات حول محتجين آخرين. وقال سلام إنه سُئل حول حوادث كان قد أخبر بها عمه فقط. ولاحقاً اتصل أحد أفراد العائلة بوالد سلام وحصل منه على وعد بعدم قتل العم الذي بلَّغ عنه الشرطة على ما يبدو. ويقول سلام عن عمه: «لا أستطيع قتله بيدي. ولكن إذا قام أحد آخر بذلك، فإنني سأكون سعيداً».
وقال سلام إنه أدين وعوقب من قبل قاض متعاطف بشهر واحد، وهي المدة التي كان قد قضاها في السجن. وفي الأخير عاد إلى الكلية ونجح في الامتحان، وفي اليوم التالي توجه إلى تركيا. ثم طلب أمهان من سلام توقيع ورقة عليها ادعاءاته، وقال إنه سيطلب من المحامين إصدار مذكرة توقيف في حق النقيب. وقال أمهان معلقاً: «إذا حالفنا الحظ في القبض عليه، فأنا واثق أننا سنوقفه». ثم سكت أمهان قليلا قبل أن يتابع، ليس كمحام ملتزم بمنع أعمال القتل الانتقامية، ولكن كرجل سمع عشرات القصص المروعة المماثلة، ويكنُّ رغبة في الانتقام: «جزء مني يأمل أن يقوم الجيش السوري الحر بإعدامه على الفور»، مضيفاً: «لأن الأشخاص مثله يستحقون الموت 100 مرة!».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا