الاتحاد

دنيا

الثقافة على الرصيف من الأعمال الفلسفية


دمشق ــ فاطمة شعبان
لا تشكل مكتبات الرصيف ظاهرة عابرة غزت أرصفة مدن العالم وانتهت، بل على العكس استقرت هذه الظاهرة حتى في المدن الكبيرة مثل باريس، لندن، بغداد، القاهرة، دمشق، وغيرها· وقد أصبحت جزءاً من مكونات الحياة الثقافية والفكرية فيها·
دفعت أسعار الكتب المتزايدة باستمرار، والظروف الاقتصادية السيئة والخانقة التي تعاني منها شريحة كبيرة من المثقفين والمتعلمين، الكثير منهم للتوجه إلى مكتبات الرصيف لإشباع حاجاتهم للثقافة، بأسعار معقولة· تحوي هذه المكتبات مختلف مجالات المعرفة من الكتب السياسية والدينية والفلسفية والأدبية والتعليمية والفنية والتاريخية والتراثية والطبية العربية والأجنبية، إلى جانب عدد كبير من الكتب التي تتنوع موضوعاتها وعناوينها بين الأعشاب والأبراج والشعوذات، وعدد كبير من الدوريات الفكرية والعلمية التي انقطع بعضها عن الصدور، وبعضها الآخر مازال يصدر، والمجلات التي تتنوع بين السياسية والاجتماعية وصولاً إلى المجلات والكتب الخلاعية، وتجذب يومياً طيفاً واسعاً من المثقفين والكتاب والباحثين والطلاب للبحث بين أكوام الكتب والمجلات القديمة كلّ حسب اهتماماته الثقافية واتجاهاته الفكرية والعلمية·
تضم مدينة دمشق عدداً كبيراً من هذه المكتبات المحمولة والمتنقلة، يتوافد أصحابها مع ساعات الصباح الأولى إلى محيط جامعة دمشق، يفترشون بحمولتهم الثقافية أرصفة شارع البارودي وأسوار التكية السليمانية وأسوار مباني الجامعة· وأصبح هذا المكان الاستراتيجي في قلب العاصمة سوقاً للكتب المستعملة لا تتم فيه عمليات بيع وشراء الكتب القديمة والمستعملة فحسب، بل أصبحت حركة البيع والشراء فيه مقياساً للحركة الثقافية، حسب قول السيد جمال العلي 'أبو عماد، 48 سنة' أحد العاملين في مهنة بيع الكتب المستعملة·
وعن مهنة بيع الكتب المستعملة وأسرارها كان معه الحوار التالي:
من الأدب الفرنسي إلى الرصيف
؟ ماذا كنت تعمل قبل امتهان بيع الكتب؟
؟؟ عندما تعرفت على مكتبات الأرصفة كنت ما أزال طالباً أدرس الأدب الفرنسي في كلية الآداب، وكنت يومياً أتجول في هذه المكتبات باحثاً عن كتب لها علاقة بموضوع دراستي، أو باحثاً عن كتب ذات مواضيع متنوعة لإثراء ثقافتي الذاتية· وبالرغم من تركي لمقاعد الدراسة قبل تخرجي من الجامعة تحت وطأة الظروف الاقتصادية السيئة التي مرت بها عائلتي، واتجاهي للعمل في مهن مختلفة لتأمين دخل مادي، إلا أنني لم استطع الابتعاد عن الكتب والثقافة، ظل يلح علي إحساس بأن هناك شيئا ما ينقصني· كلما استطعت توفير القليل من المال أقصد هذه المكتبات لشراء كتاب أو كتابين مستعملين· من خلال ترددي المتواصل على هذه المكتبات والحديث مع أصحابها أحببت هذه المهنة، واستطعت قدر الإمكان التعرف عن كثب على أصولها ومعرفة بعض الأمور والتفاصيل الخاصة بها ·
؟ كيف بدأت العمل في هذه المهنة؟
؟؟ كانت بدايتي الفعلية عام ،1991 وبدأت بعرض مكتبتي الخاصة التي جمعتها على مدى سنوات، وكانت تضم عدداً كبيراً من الكتب العربية والأجنبية المتعددة المواضيع· ومن خلال مهنتي استطعت بعد سنوات أن أستعيد مكتبتي الخاصة التي بدأت بها وأضفت إليها الكثير من الكتب القيمة·
مهنة جيدة
؟ هل يمكن اعتبار مهنة بيع الكتب المستعملة مهنة جيدة ومربحة مادياً؟ وهل تشكل حرجاً لك؟
؟؟ الدخل المادي الذي توفره هذه المهنة ليس بالكثير لدرجة اعتبارها تجارة رابحة جداً أو جيدة جداً، ولكنني شخصياً اعتبرها مهنة جيدة، وأنا مرتاح نفسياً لأنني أعمل بها، فهي تلبي حاجاتي من الثقافة والعلم، وتعوض لي ما فقدته اثر تركي للجامعة· كما أنها لا تشكل أي حرج لي، فهي مهنة مثل أي مهنة أخرى لها أصولها ومساوئها ومحاسنها·
؟ بماذا تفسر إذن رفض معظم العاملين في هذه المهنة إجراء حوار مع وسائل الإعلام؟
؟؟ أسباب كثيرة تقف وراء هذا الرفض· وحسب معرفتي بزملاء المهنة أعتقد أن السبب الرئيسي يكمن في خلفياتهم الثقافية، أو ما كانوا عليه قبل أن يمتهنوا بيع الكتب المستعملة· فأغلبهم من الفئات المثقفة، وكان بعضهم في فترة من فترات حياتهم من العاملين في الوسط الإعلامي والثقافي، ومنهم كتاب وشعراء وروائيون وقصصيون، وعدد منهم له كتب وقصص ودواوين شعرية مطبوعة· ولكن الظروف الاقتصادية السيئة، وأزمة الثقافة والكتاب كانت وراء اتجاههم لهذه المهنة، حسب قولهم، ربما يرفضون أن تكون مهنتهم هذه مادة إعلامية بدلاً من أن يكونوا هم وكتبهم موضوع المادة الإعلامية·
؟ من أين تحصلون على هذه الكتب وما مصادرها الرئيسية؟
؟؟ نحصل عليها من مصادر متعددة، حسب نوعها، مثلاً الكتب الجامعية نشتريها من طلاب الجامعة أنفسهم بعد انتهاء حاجتهم منها، ونبيعها لطلاب جدد لا يملكون القدرة الشرائية على شراء كتب جديدة· بعض الكتب نحصل عليها من المكتبات ودور النشر، وغالباً ما تكون مطبوعات قديمة منسية في مستودعاتهم· أما الكتب الأخرى الأدبية والعلمية وغيرها، المصدر الرئيسي لها المكتبات المنزلية الشخصية، وغالباً ما يكون أصحابها من الكتاب والمثقفين والشعراء اضطرتهم ظروفهم المادية لعرضها للبيع، وأحياناً تغير اهتماماتهم وتوجهاتهم الفكرية يدفعهم إلى بيع المكتبة واستبدالها بمكتبة تتلاءم مع أفكارهم وقناعاتهم الجديدة· أو يعرضها علينا ورثة صاحب المكتبة بعد وفاته للاستفادة من قيمتها المادية·
من أجل كتاب
؟ ولكن البعض يتهمكم باستغلال ظروف صاحب المكتبة أو خداع الورثة بتقليل أهمية المكتبة وعدم تقييمها بالقيمة الفعلية لها، ما مدى صحة هذه الاتهامات؟
؟؟ نعم كثيراً ما نتهم بهذه التهمة، ولكننا في الحقيقة نحن نضطر لشراء مكتبة تحوي على سبيل المثال خمسين كتابا على أقل تقدير، من أجل أربعة أو خمسة كتب، يمكن اعتبارها كتبا قيمة ليس بسبب موضوعاتها أو أسماء كتابها، وإنما حسب الطلب عليها في السوق· إذا كان البائع هو صاحب المكتبة فهو يعرف قيمة كل كتاب فيها، وأحياناً هو نفسه لا يعرف أهمية ما تحويه مكتبته· أما بالنسبة للورثة فنحن غير مضطرين لإخبارهم بأهمية ما تحويه هذه المكتبة إذا كانوا هم لا يعرفون قيمتها، ويتعاملون معها على أساس إنها 'كركبة' لا لزوم لها في المنزل أو نفايات يريدون التخلص منها بأسرع وقت· وهناك أمر مهم يجب توضيحه وهو أن ما يعتقده البعض مهماً وقيماً، يختلف عما نعرفه بحسب خبرتنا في السوق، نحن الذين نقف هنا على الرصيف ونتعامل يومياً مع العشرات والمئات من الزبائن من مختلف الشرائح، نعرف أن الكتاب القيم والمهم هو الكتاب الذي يسأل ويبحث عنه هؤلاء، وهذا هو الكتاب الذي يمكن أن نشتري مكتبة كاملة من أجله·
؟ كيف ينظر أصحاب المكتبات إلى عملكم؟ هل يتعارض مع عملهم؟
؟؟ عملنا لا يتعارض مع عملهم، هم لهم زبائنهم ونحن لنا زبائننا، على العكس هم يستفيدون منا أكثر مما نستفيد نحن منهم· نشتري منهم الكتب القديمة الموجودة على رفوفهم وفي مستودعاتهم منذ زمن والتي لم تعد مطلوبة إلا عندنا على الرصيف·
؟ أية كتب؟
؟؟ طبعات قديمة، كتاب طبع منذ سنوات لكاتب كان مغموراً ولم يكن وقتها قد سمع به أحد، فجأة يصبح مشهوراً وتصبح كل كتبه مطلوبة بما فيها تلك التي نشرها قديماً، في هذه الحالة لا يذهب الزبون إلى المكتبات للسؤال عن الطبعات الأولى أو الإصدارات والكتب القديمة بل يأتي إلينا للبحث عنها، ونحن بذلك نقدم لهم خدمة فهم لا يعرفون مثلنا أن هذا الكتاب القديم أو ذاك أصبح عليه طلب في السوق·
؟ علاقتكم بدور النشر كيف هي؟
؟؟ علاقتنا جيدة، ولا أخفيك سراً أن بعض أصحاب دور النشر يأتون إلينا ليستشيرونا حول بعض الكتب المعروضة عليهم لنشرها· فنحن بحكم مهنتنا ووجودنا هنا في الشارع أصبحت لدينا خبرة في سوق الكتاب والعرض والطلب، وأصبحنا نعرف الأسماء والعناوين التي عليها طلب· لذلك يأتي إلينا صاحب دار النشر ويطلب رأينا بكتاب لكاتب ما، وأحياناً الكاتب نفسه يقصدنا لنفس السبب بدون ذكر الأسماء، ويطرحون علينا أسئلة من قبيل: هل يصلح هذا الكتاب للنشر؟ هل هناك إمكانية لتسويقه؟ هل هناك طلب على هذا الموضوع؟ ونسأل أحياناً عن رأينا بعنوان الكتاب، هل يجذب القراء؟ لأن عنوان الكتاب مهم وضروري لجذب القراء، حتى الغلاف كل ما يتعلق بشكله الفني وألوانه يستشيروننا به·

اقرأ أيضا