الاتحاد

دنيا

غرائب عالم الرقص والطقس


دبي ـ محمد الحلواجي:
لم تخل حضارة من الحضارات التي تعاقبت عليها البشرية من العقائد والعلوم والفنون على أنواعها·· وإذا كانت حضارة ما قد شملت أحد هذه العناصر وعدمت غيره، إلا أن الأمر المؤكد هو أنها لم تكن لتخلو من الرقص الذي ترافق وتلازم معها في العديد من أوجه الحياة في الطقوس الدينية لفك السحر والشعوذة وطرد الأرواح الشريرة وطقوس الصيد في البر والبحر وطقوس العبادة وجميع الاحتفالات والمناسبات الاجتماعية والوطنية·
الرقص إرث كبير وجدت آثاره في معاقل انسان الكهوف ومسارح اليونانيين القدماء وأوليمبيادات الرومانيين·· كما رصدت حركاته واضحة متناغمة على جدران المعابد والأهرامات الفرعونية وامتدت آثاره في أوابد الهنود والصينيين والفرس والهنود الحمر وتماثيل الأفارقة· فقد رقص الانسان طوال التاريخ في كل القارات·· بمن فيه انسان القطب المتجمد الذي كان يرقص للأرواح في السماء والأرض·· وأصبحنا اليوم نرزح تحت وطأة إرث زاخر ومعقد في هذا الحقل·· عجت به كل الثقافات ونضحت به كل الفنون·· ليطل علينا من الكتب والمخطوطات والسينما والتلفزيون وليرافقنا في الاحتفالات كبيرها وصغيرها·· كحفلات الزواج وأسمار المطاعم وفنادق ومقاهي وأرصفة الليل·
الرقص بين اليوم والأمس
لقد تغلغل فن الرقص في أعماق وجذور بيئة الانسان وانتقل من شعب إلى شعب جيلا بعد جيل·· لينقل الانفعالات واللوحات التي تصور العادات والتقاليد والمواقف والحوادث والقصص والحكايات·· فقد كان الناس حتى الماضي القريب يعبرون عن تصوراتهم الفكرية والاجتماعية بالكلمة والنغم والإيقاع والموسيقى والحركة الإيقاعية·· مصورين بها جوانب من ذكرياتهم، ومعبرين بها في الوقت ذاته عن مشاعرهم وحالاتهم النفسية والعاطفية المختلفة· ولا مجال هنا للاستفاضة حول تاريخ أو نشأة الرقص وأشكاله بصورة منهجية·· غير أن صورة الرقص اليوم تكاد تنقسم إلى قسمين، الأول يتعلق بالذاكرة الجماعية في كل قطر أو منطقة أو بيئة أو ثقافة بعينها، حيث يحمل ذاكرة الآباء المتعلقة بالحرب أو فنون القتال أو استدعاء الحماسة أو ينقل إشارات الماضي في المناسبات التقليدية ليصور الحياة القديمة بكل أوجه أنشطتها وقيمها الروحية· أما القسم الثاني فقد انزاح بسبب طبيعة عصر اليوم إما لزاوية الفن الخالص مما سمح بظهور الرقص التعبيري والرقص التجريدي الجمالي البحت الذي يقوم باستنطاق جماليات ومرونة حركات الجسد الإنساني· وإما ينزاح وبقوة لزاوية الترفيه الصرف دون شرط أو قيد والأمثلة كثيرة من حولنا في أكداس الأفلام السينمائية والأغنيات المصورة تلفزيونيا أو ما بات يعرف بالفيديو كليب·
ظاهرة الخصور العربية
عندما يتعلق الأمر بنا نحن العرب سنجد فائضا من الرقص في وسائل الإعلام المرئية كالفضائيات العربية·· إلى جانب محترفات الترفيه السياحي كالكازينوهات والملاهي والمراقص الليلية المنتشرة بشكل غريب لم يسبق له مثيل في معظم الأقطار العربية سيما المنفتحة منها· لتعكس مشهدا غريبا ومتناميا لمعت فيه أسماء بين ليلة وضحاها وسطعت فيه نجوم لم يكن يعرفها أحد وتضخمت فيه جيوب وحسابات مصرفية لفئات معينة تتكسب عن طريق الاتجار بجسد المرأة· وكل ذلك حدث في بادىء الأمر تحت غطاء واحد هو (الرقص الشرقي) حيث أصبحن الراقصات يزاحمن الممثلين والممثلات سواء على شاشة السينما أو التلفزيون أو خشبة المسرح·· حتى وصلت المنافسة إلى قطاع الإنتاج الفني الخاص وسواه من المناشط الاقتصادية السياحية والتجارية·
الجوهرة والفراعنة
لقد تزايد الاهتمام الغربي بما يعرف عن الرقص الشرقي إلى درجة دفعت بعض العاملين في هذا المجال إلى إصدار مجلة خاصة باللغة الانجليزية تحت اسم 'جوهرة النيل' هدفها التعريف بهذا (الفن) ونشر مواضيع ودراسات عن تاريخه ونجومه، بالاضافة إلى إعلانات عن المعلمات ومصممي فساتين الرقص· وقد حددت المجلة في عددها الأول أسعار الإعلانات بـ 1500 دولار على الغلاف الأول و750 دولارا للغلاف الداخلي وألف دولار للغلاف الأخير و700 دولار للغلاف قبل الأخير و500 دولار للمقال المحرر في صفحة داخلية و400 دولار لنصف الصفحة· وتضمن العدد الأول من المجلة عدة مواضيع كان أبرزها قصة الغلاف عن فيفي عبده التي وصفتها بأنها 'سلطانة الرقص الشرقي' وموضوع عن نعيمة عاكف التي رقصت على مسرح البولشوي الروسي وقصص من شارع محمد علي في القاهرة الذي كان لسنوات طويلة شارعا لنجوم الرقص الشرقي في مصر· وقد كشفت المجلة عن وجود مؤسسة غير معلنة للرقص الشرقي في مصر، عبرت عن نفسها من خلال الإعلانات التي نشرت في المجلة بحثا عن الزبائن لتعليمهن أصول هذا (الفن)· كما كشفت المجلة أيضا عن وجود تجارة أخرى موازية لمدارس التعليم·· وهي تجارة شرائط الرقص على غرار أشرطة فيديو 'الأيروبكس' التي توزع في دول غربية كثيرة وقد أطلقت إحداهن على شريطها اسم' الفن الفرعوني من مصر' وقالت أن شريطها متاح في أمريكا وأوروبا من خلال محلات بيع في ألمانيا وسانت لويس وغيرهما·
رابطة الراقصات
في أواخر التسعينات ثارت ضجة كبيرة حين رفضت نقابة المهن التمثيلية طلابات تقدمت بها مجموعة منه الراقصات لتجديد تصريح النقابة لهن بالاضافة إلى قيام نقابة العاملين بالاعلام والصحافة بإلغاء عضوية الراقصات بعد أن كانت قد وافقت في فترة سابقة على انضمامهن مقابل 1000 جنيه كرسم عضوية وخصم 3 % من أجورهن وذلك بعد رفض باقي الأعضاء استمرار الراقصات معهن في النقابة· وكان سبب رفض نقابة المهن التمثيلية لعضويتهن ينطلق من أنهن لا تنطبق عليهن شروط النقابة التي نص عليها القانون بضرورة حصول الأعضاء على مؤهل عال، وكل الراقصات لا تنطبق عليهن تلك الشروط ومنهن لوسي وفيفي عبده ومنى السعيد· وكانت الرقابة تقدم لهن تصاريح مؤقتة لكل فيلم على حدة مقابل تحصيل 20% من قيمة العقد·· وكذا حسب عقود الملاهي التي يعملن بها·
وبعد رفض النقابة تجديد التصاريح لهن حينها، اجتمعت أكثر من راقصة وتوجهن إلى نقابة الموسيقيين للانضمام إليها من خلال شعبة جديدة تنشأ للرقص الشرقي، لكن نقيب الموسيقيين رفض ذلك خوفا من تأثير الأمر على شعبيته وسط المطربين والعازفين إلى جانب رفض عدد كبير من أعضاء النقابة لانضمام الراقصات· وعليه عقدت راقصات مصر الكبيرات نجوى فؤاد ودينا وهندية ومنى خالد وميرفت بدر اجتماعا لإنشاء نقابة خاصة بالراقصات بدلا من الجري وراء النقابات الأخرى ولكن الراقصات انقسمن حول رئاسة النقابة! فهناك من رشحن فيفي عبده ولكن هندية ولوسي اعترضتا عليها بسبب آرائها في أسلوب رقصها ومعاركها وأسلوب الضرب تحت الحزام!!
دفاعا عن الرقص
وبعد هذه الواقعة الساخنة انبرت راقصات عديدات للدفاع عن مهنة و(فن) الرقص الشرقي·· ففيفي عبده قالت: إن 'شرط المؤهل الجامعي الذي اشترطته نقابة الممثلين غير عملي·· فهؤلاء يتناسون شيئا اسمه الخبرة والنجومية، فهذه الأشياء لم تأت (بالسهل) ·· بل هي عصارة سنوات من الجهد والتعب (نحتنا في الصخر حتى عملنا اسما) وبعد ذلك يقولون أن المؤهل أهم·· هل هذا شيء منطقي؟ إن النقابات تضع شروطا تعسفية لانضمامنا مما جعلنا عرضة لمطاردات النقابات الفنية والرقابة والمصنفات التي اشترطت انتسابنا إلى إحدى النقابات من أجل إعطائنا تصاريح العمل في الملاهي الليلية والفنادق·· في ذات الوقت الذي نشاهد فيه الراقصات الأجنبيات في فنادق القاهرة والملاهي دون أي مشاكل'!!
أما الراقصة دينا التي أجمع من يعرفون بـ (نقاد المجلات الفنية) على أنها تشكل ظاهرة فريدة من نوعها فهي ترقص وتدرس الفلسفة·· فهي الأولى في هذا الوسط التي حصلت على مؤهل جامعي في الفلسفة ولم تتوقف·· تقول دينا :' الانسان العادي قد لا يقدر جمال الطبيعة أو يفهمه جيدا·· لا يعرف ماذا قال الفلاسفة وخاصة الأوائل·· الفلسفة تفتح عين من يقرأ للفلاسفة·· فالجمال قد يراه انسان ما في الآثار، بينما يراه آخر في الشمس ويراه ثالث في الهدوء·· كل منهم (يفلسف) حياته وفقا لمفاهيمه بخلاف الانسان العادي'· وحول ما إذا كانت لها فلسفة معينة في الرقص تقول:' لدي لوني وشكلي وطبيعتي وأدائي المميز وهو الأمر الذي حفر لي مكانة عند الجمهور·· بالخبرة والتجربة الطويلة والأداء الجيد الذي يعتز به هذا الجمهور·· فرقصي ليس فيه ابتذال أو(بربشة) عينين'! بل إن دينا ترى أن الراقصة انسانة طبيعية: ' ليس شرطا أن تضع الراقصة حسنة على وجهها أو تمضغ اللبان 24 ساعة، هذا مفهوم خاطىء فالراقصة سيدة طبيعية وممكن جدا أن تكون أخلاقها (كوّيسة) ولوسائل الاعلام دور كبير في امكانية تغيير هذه الصورة بالقائها الضوء على الجانب الحسن منه·· فليس معنى أن (أعري) أجزاء من جسدي أنني أعرضه للبيع لمن يدفع·· فالرقص الشرقي فن جميل لمن ينظر له ويتأمله ويرتقي بتفكيره فيه·· لا لمن يدخل (للفرجة) على القدمين والجسد'! أما عن نقابة الراقصات فترى دينا : 'هذه النقابة أمر ضروري لحماية مهنة الرقص الشرقي من الدخيلات عليها أولا ثم حماية الراقصات من صعوبة الحصول على مورد رزق في حالة التقاعد والاعتزال عن طريق تأمين مستقبلهن بمعاش شهري ثابت·

اقرأ أيضا