الاتحاد

دنيا

«فواصل» يستهدف تبصيراً حقيقياً للطلاب بمخاطر تعاطي وإدمان المخدرات

حملات مستمرة لتوعية الطلاب بتجنب خطر المخدرات

حملات مستمرة لتوعية الطلاب بتجنب خطر المخدرات

إذا كانت الاستراتيجية العالمية ـ الأكثر جدوى حتى الآن ـ فيما يتعلق بالتصدي لظاهرة تعاطي وإدمان المخدرات تتبنى ترجمة شعار «تقليل العرض، وخفض الطلب»، فهذا يعني أنها ليست مجرد كلمات فضفاضة، وإنما هي نظرة نابعة من فهم عميق، ودراسات ميدانية وعلمية مستفيضة عن ظاهرة الإدمان، ومخاطره، وآثاره المدمرة، ومن ثم تتأتى أهمية التوقف كثيراً عند تدشين برنامج «فواصل» الذي ينهض به مجلس أبوظبي للتعليم بالتعاون مع المركز الوطني للتأهيل في أبوظبي، مطلع العام الدراسي المقبل، والذي يستهدف تفعيل وتعزيز وقاية طلاب المدارس الإعدادية ما بين «12 إلى 14 عاماً»، إزاء خطورة تعاطي المخدرات، والتوعية بآثارها المدمرة. فتعاطي المُخدرات والإدمان عليها أصبحت ظاهرة عالمية خطيرة تهُدد سلامة المجتمعات وتماسكها واستقرارها، وتؤثر بشكل مباشر على الفرد والأسرة والمجتمع على كافة الصعد «الجسمية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية». لقد تيقن وأكد خبراء علاج وتأهيل مرضى الإدمان في العالم بأسره أن تركيز الجهود الوقائية والتوعوية التي تحصن الأفراد ضد تعاطي المخدرات، أكثر جدوى وفاعلية من أية جهود علاجية أو تأهيلية لاحقة للإدمان، وأن استبصار الفرد بمخاطر الإدمان المدمرة، كفيل بتحقيق حصانة ذاتية ناجحة تحول دون وقوعه في براثن الإدمان.

إذا كانت الحكمة القديمة تقول «الوقاية خير من العلاج»، أو «درهم وقاية خير من قنطار علاج»، فإن خبراء التربية والعلوم السلوكية يجمعون على أن أفضل سبل الحماية الأسرية للأبناء ووقايتهم من أي انحراف، تتمثل في تنشئة الأبناء بعيداً عن التفكك أوالتصدع الأسري، وحمايتهم من كل مظاهر الإيذاء النفسي أو الجسدي، وتحصينهم بسياج آمن من المبادىء والقيم الأخلاقية والسلوكية منذ نعومة أظافرهم، وتربيتهم على وازع ديني قوي، وفضائل أخلاقية وسلوكية تتمثل في قدوة والدية حسنة، وتجنيبهم ازدواجية المعايير والضوابط بما لا يشتتهم بين ما هو صحيح وما هو خطأ، وأن ينشأ الطفل في بيئة اجتماعية صحية، ويتعلم مبكراً- في البيت والمدرسة- «كيف.. ومتى يقول «لا»، وكيف لا تصبح شخصيته فريسة سهلة للانقياد والتبعية لرفاق السوء، وتعويده على الحوار والوضوح والصراحة والمناقشة بعيداً عن لغة التخويف والزجر والتهديد والتحقير التي تدمر ثقته بنفسه وكيانه.
ويجب أن يعي مبكراً «الخطوط الحمراء» التي يجب أن يقف عندها، مع أهمية عدم الإسراف في التدليل والحماية المبالغ فيها حتى لا يكتسب «الاعتمادية» ويألف تحمل المسؤولية وتشجيعه على السؤال والاستعانة بوالديه أو مدرسيه عند الحاجة، وأن يدرك أن قيم الأسرة والمدرسة- معاً - هي مرجعيته الأولى، إلى جانب تكامل وتناسق المتابعة والتعاون بين الأسرة والمدرسة، ومتابعة علاقته برفاقه، وملاحظة نشاطاته وهواياته واهتماماته عن كثب، وهذا لا يتأتى إلا بقرب والديه وأفراد أسرته منه، ووجود مناخ صحي للحوار والمكاشفة. وهذا يسهم في التعرف المبكر على تورط الطفل أو الصبي أو الفتى في أى ظاهرة سلوكية سلبية ربما لا يدرك أبعادها وخفاياها، وبالتالي يسهل التعامل معها وتجنبها.
أهل الخبرة
تؤكد الأخصائية الاجتماعية موزة المنصوري، أهمية الاستعانة بأهل الخبرة من المتخصصين في مجال التوعية ضد المخدرات والإدمان عليها، والاستفادة من خبرتهم الطويلة في توعية الأبناء في مدارسهم، ولاسيما في هذه الفترة العمرية الحرجة، وعلى كل الجهات المعنية التعاون والتنسيق لإنجاح أهداف مشروع أو حملة أو برنامج «فواصل» في مدارسنا، بحيث تفعل الأهداف المتوخاة، وتصبح عملية التوعية فاعلة، وملموسة، فتوجه المختصين إلى التوعية يثري الأمر، ويكسب الدعوة للتصدي للمخدرات مصداقية عند الأبناء في هذا السن، وإذا حدث- لا قدر الله-وواجه أي طفل أو صبي مشكلة ما، علينا أن نكرس ثقافة المصارحة والمكاشفة لديه، حتى يمكن التعامل مع الأمر منذ وقت مبكر، وقبل أن تستفحل آثاره المدمرة، وهنا يجب توعية الآباء والأمهات على كيفية التعامل مع الحالة على أنها ليست جريمة لا تغتفر، أو اعتبار الفتى مجرماً يستحق العقاب وأنه انتهى وأصبح في عداد المجرمين، بل يجب زرع الثقة لديهم بأن الأمر يمكن استيعابه، فالاستعانة بأهل التخصص والخبرة ضرورة ملحة، فالأمر لا يمكن التعامل معه بعشوائية أو إهمال، أو لامبالاة. وعلى أولياء الأمر والمعنيين بالعملية التعليمية أن يستوعبوا أهمية الابتعاد عن لغة النصح المباشر، أو المنفرة، لأن الصبي أو المراهق لا يحبذ هذا النوع من النصح ويعتبره نوعا من فرض الوصاية والمواجهة التي لا بد أن ينتصر فيها. بل ندعه يشعر أننا نقف معه ولسنا خصما له، وأن كل من يحبونه سيساعدونه على الخلاص من المشكلة التي تورط فيها».
التدخين والإدمان
يشير الدكتور هشام العربي، رئيس قسم التوعية الصحية والدراسات بالمركز الوطني للتأهيل إلى العلاقة الوطيدة بين تدخين الصغار، والتورط في تعاطي المخدرات أو ما يشابهها من منبهات أو مسكرات، ويقول: «إن الدراسات والأبحاث العلمية في مختلف بلدان العالم التي أجريت على مدمني المخدرات ومتعاطيها أكدت أن أكثر من 80% ممن أدمنوا المخدرات لم يكن لديهم تصور واضح وفهم دقيق لما يمكن أن تؤول إليه حالتهم الصحية والنفسية والاجتماعية والمادية وجميع أوجه حياتهم من تدهور وتردي وانحطاط بالشكل الذي هم عليه الآن قبل تعاطيهم المخدرات للمرة الأولى، وأنهم جميعاً نادمون على تجربتهم الأولى ندماً كلفهم حياتهم، وإذا ما عاد الزمان بهم إلى الوراء لامتنعوا عن تلك التجربة المريرة.
وتشير الدراسات إلى أن نسبة ما يزيد على 72% منهم في أكثر من دراسة تعاطوا المخدرات للمرة الأولى، ودخنوا السجائر من باب حب الاستطلاع وتقليد الكبار أو رغبة في الإحساس الزائف بالرجولة، أما الباحثون عن المتعة الزائفة فتمنوا جميعاً خلاصهم من هذا الداء المدمر وإن كانوا قد اعترفوا بأنه شبه مستحيل.
إن الحقيقة الأليمة التي لا يعرفها المراهقون والشباب أن مريض الإدمان أسير إدمانه طوال حياته ومعرضاً للانتكاسة المرضية والعودة إلى التعاطي في أي لحظة، وما الجهود التي تبذل في أي من مراكز علاج الإدمان في العالم ما هي إلا أساليب علاجية تستهدف مساعدة المريض على الإنقطاع أو التوقف عن التعاطي أطول فترة ممكنة.
فالاقتراب من هذا الطريق الوعر، وحب الاستطلاع والتقليد الأعمى فيه يؤدي حتماً إلى مصير مجهول لا يجد الشخص نفسه فيه إلا بقايا نفس وجسد وعواقب وخيمة، وما الشروخ التي يحدثها هذا الوباء المدمر في جوانب الشخصية لا تلتئم ولا تعود لسابق حالها بأي حال من الأحوال. ومن ثم تتضاعف الحاجة إلى برامج توعية ناجزة وناجحة، ومساعدة الجيل الجديد على الاستبصار الحقيقي بمخاطر تجربة التعاطي، أو حب الاستطلاع، وأدعو الآباء والأبناء إلى سرعة تدارك الأمر بالمصارحة والمكاشفة، وأن تعذر على الطرفين إيجاد الحلول العملية فعليهما سرعة الاستعانة بالمختصين، وليس هناك عيب أو حرج في ذلك، فقد يحتاج الأمر إلى تدخل علاجي سريع سواء على الصعيد النفسي أو الاجتماعي، فإن ما يدرك اليوم لن يدرك غداً، وإذا كان بعض الصبية أو المراهقين في مراحل «الغزل» مع أي من هذه الأوبئة فعليه أن يفيق إلى رشده قبل فوات الأوان».
المناخ السلبي
الأخصائية النفسية ريم الهاملي، توضح أن هناك دراسات مسحية عديدة تشير إلى تدني سن التدخين وتعاطي المخدرات بين الأطفال إلى 11 عاماً «للإناث»، و 9 أعوام، «للذكور»، وأن نسبة كبيرة منهم تدمن المخدرات في سن الــ15 عاماً، وأن الأسباب الرئيسية التي دفعت هؤلاء الصغار إلى الوقوع فى شباك الإدمان معاناتهم من خلل فى الأسرة وصراعات بين الأم والأب ويسود جو من عدم الشعور بالأمان والثقة داخل المنزل، والبنات على وجه التحديد لا يتحملن الخلافات والمشاكل لذلك يحاولن الهروب من هذا المناخ السلبى الأسري، وأصدقاء السوء، وعدم الوعي بخطورة المشكلة، أو التسيب في الإنفاق على هؤلاء الصغار وإعطاؤهم نقودا كثيرة دون تعليمهم تحمل المسؤولية.
كذلك مع عدم وجود نموذج أو قدوة فى العائلة يمكن أن يحتذى به الطفل، والتصدي لهذه الظاهرة يجب أن يبدأ بالتوعية المباشرة في المدارس، ولعل برنامج « فواصل» سيصبح جرس إنذار حقيقي، أو بداية جادة وعملية على صعيد التوعية والوقاية، فمن خلال الإطلاع على تجارب عديدة، يتبين جدوى الجهود الوقائية والاستباقية بقدر أوفر من الجهود العلاجية الصعبة والمكلفة، والتي يحيطها كثير من الصعاب».



«فواصل» خطوة في الاتجاه الصحيح
أبوظبي (الاتحاد)- الدكتور محسن خليل، أخصائي الطب النفسي بمستشفى الأمل بالدمام بالمملكة العربية السعودية، يقول: « إن الواقع الميداني والعملي يقول أن هناك نسبة كبيرة للغاية من متعاطي أو مدمني المخدرات يلجؤون في البداية إلى تناول العقاقير والمسكرات أو المخدرات بدافع حب الاستطلاع فقط، أو نتيجة كونهم يحملون أفكاراً سلبية مغلوطة في كون هذه المواد تخفف القلق أو التوتر أو الاكتئاب أو تساعدهم على الهروب من المشاكل، أو البحث عن إدراك الذات ومعنى الحياة، أو يربطون ربطاً «زائفا» بينها وبين الوجاهة والحيوية وتكامل الشخصية، أوحتى يربطونها بالجنس، أو بسبب التمرد على قيم المجتمع أو اليأس من هذه القيم، ورغبة الشخص في عدم تفويت خبرة ممتعة، والرغبة في مجاراة جماعة الرفاق، واللهو والتسلية والبحث عن الإثارة والفضول. وهناك نظريات عديدة تناولت الإدمان وسبل انتشاره وأساليب التعامل معه كظاهرة اجتماعية ونفسية مركبة ومعقدة، ولم تتفق فيما بينها على متغير واحد لكنها أشارت إلى تفاعل أكثر من سبب نفسي واجتماعي وثقافي، بل وجيني ووراثي، كمتغيرات مؤثرة تساعد على الاعتماد أو الإدمان. فالفرد نفسه وعمره وحالته النفسية وسماته الشخصية، وظروف وأساليب التنشئة الاجتماعية، والثقافة والقيم الدينية والأخلاقية السائدة، والمحيط الاجتماعي والبيئة دون أن نغفل إفرازات التحضر والعولمة والتمزق والتشتت الفكري أمام تيارات الثقافات الغريبة الوافدة، لكن الواقع يؤكد أن معظم مدمني المخدرات تقريباً لم يكن لديهم الوعي الكافي والاستبصار الحقيقي بما ستؤول عليه حالتهم بعد الإدمان، أو حقيقة إدراكهم لمخاطر حب الاستطلاع والميل إلى حب التجربة عندما تعاطى المخدر للمرة الأولى، ومن المؤكد أن هذه النماذج لم تكن محصنة نفسياً أو سلوكياً، وتلك مسؤولية الأسرة والمدرسة والمجتمع بأسره، ومن ثم تتأتى أهمية التوعية، وأهمية تحصين الفرد ذاتياً، ومثل هذا البرنامج «فواصل»، إنما يمثل خطوة عملية في الإتجاه الصحيح، ومن شأن مثل هذه الجهود أن تسهم في تحقيق الوقاية المطلوبة».

اقرأ أيضا