الاتحاد

دنيا

نظرة عين تكشف الضغط العالي


صلاح الحفناوي:
عاجل جدا إلى أولياء الأمور·· نظرة متأملة متفحصة إلى عيني الوليد الجديد، قد تنقذه من مشاكل بصرية شديدة الخطورة، وتحميه من فقدان البصر· الأطباء يؤكدون أن أغلب المشاكل البصرية التي يولد بها الطفل يمكن علاجها، والسيطرة على مضاعفاتها، إذا شخصت مبكرا، وتلقت العلاج المناسب في الوقت المناسب، ولكن الكثير من الأطفال الذين يولدون بمثل هذه المشاكل لا يستفيدون من العلاج لأن أحدا لا ينتبه أو يهتم بأعينهم، ولأن الاعتقاد السائد بأن القدرات البصرية للطفل تظهر وتتضح بعد أسابيع من الولادة، يجعل أولياء الأمور يهتمون بكل شيء إلا أعين أطفالهم·· ولأن الطفل لا يستطيع التعبير عن مشاكله البصرية إلا بعد مرور سنوات على ولادته·
الأستاذ الدكتور حسن صبري استشاري ورئيس قسم عيون الأطفال في مركز المغربي بأبوظبي يستهل الجزء الثاني من المحاورة معه، حول متاعب عيون الأطفال حديثي الولادة، بنصيحة إلى كل من يستقبل طفلا جديدا·· يجب على الأبوين فحص عيني طفلهما جيداً، عند طبيب مختص، وخاصة إذا لاحظا أي ضعف في الإبصار عن المستوى الموافق لعمره، أو إذا لاحظا اختلافا في حجم العينين، أو تدفق الدموع بغزارة دون بكاء من إحدى العينين، أو تغير لون القرنية الشفافة أو انزعاج الطفل الشديد من التعرض إلى الضوء الساطع·· أو كبر حجم عيني الطفل بشكل واضح، مقارنة بمن هم في مثل سنه، أو أي شيء غير طبيعي آخر·· فقد تكون هذه الأعراض مؤشرا إلى إصابة الطفل بارتفاع ضغط العين الخلقي أو الجلوكوما الخلقية أو الكتاراكت الخلقية أو أي مشكلة أخرى في الجهاز البصري·
وعلى سبيل المثال في حال وجود عتامة في قرنية العين عند الرضيع يجب فحص الطفل جيداً ومعرفة سبب هذه العتامة، ومن ثم تحديد العلاج المناسب·· فأحياناً تكون العتامة ناتجة عن مشاكل في الولادة المتعسرة واستخدام آلات توليد قد تضغط على قرنية العين، وتؤدي إلى تشقق في أغشيتها ومن ثم إلى ظهور عتامة أمام الجزء المصاب·
كما يمكن أن تكون العتامة ناتجة عن متلازمة خلقية تؤدي إلى ظهور عتامة في كلتا العينين مع وجود التصاقات بين القرنية والقزحية، وارتفاع في ضغط العين ومياه بيضاء·· وهي ناتجة عن تشوهات خلقية أثناء مراحل تخليق العين· كما يمكن أن تظهر العتامة نتيجة خلل في التمثيل الغذائي لبعض المركبات السكرية أو الدهنية في جسم الطفل، مما يؤدي إلى ترسب هذه المركبات في أنسجة القرنية وعتامتها·· وقد تكون إصابة الحوامل بمرض الحصبة الألمانية سبباً في التهاب القرنية وعتامتها مع ارتفاع ضغط العين· وأحياناً تكون عتامة القرنية ناتجة عن خلل في خلايا القرنية الداخلية، مما يضعف وظيفتها في المحافظة على أنسجة القرنية شفافة، ويسمح بتخلل السائل المائي إلى داخل أنسجتها·
لذا يجب فحص جميع حالات عتامة القرنية ومعرفة سبب العتامة لكي يتم علاجها، علماً بأن ترك الحالة دون علاج قد يسبب ضعفا شديدا لقوة الإبصار في العين المصابة وكسلا وظيفيا·
ونعود إلى الجلوكوما الخلقية لنستعرض طرق الفحص التشخيصي لهذه الحالة، ومراحل، وبدائل العلاج· يقول الدكتور حسن صبري: يختلف فحص مريض الجلوكوما في سن الطفولة عن كبار السن، ففي الأطفال قد يستلزم الفحص تخدير الطفل للحصول على نتائج دقيقة، حيث يقوم الطبيب أثناء فترة التخدير بقياس أبعاد القرنية وقطرها، وقياس ضغط العين، وفحص القرنية، وفحص العدسة، وفحص زاوية العين، وفحص قاع العين والعصب البصري، وقياس الانكسار البصري للعين، وقد يحتاج الطبيب إلى عمل فحص بالموجات فوق الصوتية في حالة وجود عتامة شديدة بالقرنية، تعيق فحص داخل العين، وقد يحتاج الطبيب أيضا إلى عمل دراسة كهروفسيولوجية للعصب البصري، والشبكية في الحالات المتقدمة والمتأخرة، لمعرفة مدى تأثر وظيفة الشبكية، والعصب البصري·
وفي كبار السن تمثل متابعة قياس الضغط وتكهف العصب البصري ومجال الإبصار واستقرار هذه القياسات دلائل على ضبط ضغط العين، وعدم تدهور الحالة، أما في الأطفال فمن الصعوبة إجراء قياس لمجال الإبصار، وفي تلك الحالة تكون متابعة أبعاد القرنية وضغط العين وتكهف العصب البصري واستقرارها دلائل على ضبط الضغط ، وعدم تدهور الحالة·
* ذكرت أكثر من مرة تعبير 'تكهف العصب البصري'·· ماذا يعني ذلك؟
- يقول الدكتور حسن صبري: العصب البصري ما هو إلا مجموعة من الألياف العصبية الرفيعة جداً قد تصل إلى مليون ليفة بصرية، تكون الوصلة بين المستقبلات الحسية في شبكية العين، وبين مراكز الإبصار بالمخ· إن هذه الألياف الرفيعة تخرج من فتحة في مؤخرة العين لا يتعدى قطرها واحد ملليمتر، ويمثل هذا المخرج ما يطلق عليه البقعة العمياء في مجال الإبصار· وعند فحص قاع العين يمكن رؤية بداية العصب البصري وهي ممتلئة بالألياف العصبية· أما في مريض الجلوكوما فإن ارتفاع الضغط يؤثر على هذه الألياف، ويؤدي إلى موتها، وضمورها مما يترك فراغاً في مكانها داخل العصب البصري، يظهر على شكل تكهف أو تقعر في بداية العصب البصري، وتكون صفراء باهتة اللون بالمقارنة بالعصب البصري السليم الذي يبدو وردي اللون·· ويمثل وجود تكهف في العصب البصري عند الأطفال، أحد الدلائل المهمة على ارتفاع ضغط العين، حيث إنه عادة لا يوجد تكهف في العصب البصري عند حديثي الولادة، إلا في حالات قليلة جداً ولا تتعدى نسبة التكهف فيها إلى حجم قرص العصب البصري (0,3) ولذلك فإن وجود تكهف في العصب البصري عند حديثي الولادة، يثير الشكوك أثناء الفحص في ارتفاع ضغط العين، ويكون دليلاً قاطعاً إذا كانت نسبته أكثر من (0,3)·· وتكهف العصب البصري في حديثي الولادة لا يعني فقط ضمور الألياف العصبية بل قد يصاحبه اتساع في مخرج العصب البصري من جدار العين الخارجي (في الصلبة) ولهذا فإنه عند ضبط الضغط قد يتحسن تكهف العصب البصري، نتيجة عودة مخرج العصب البصري في الصلبة إلى وضعه الطبيعي·
ويعتبر التدخل الجراحي، الخيار الأساسي في علاج الجلوكوما الخلقية، ويجب أن تجرى الجراحة بواسطة طبيب متخصص، وعلى درجة عالية جدا من الخبرة والمهارة، لأنها جراحة دقيقة ونادرة·· ومن المهم أن يتم التدخل الجراحي في أسرع وقت ممكن، وبالطريقة المناسبة·
ففي حالة إمكانية رؤية زاوية العين أثناء الفحص تحت المخدر الكلي باستخدام عدسات مخصوصة، يمكن للجراح شق الغشاء الخلقي الذي يعيق تصريف ومرور السائل المائي إلى قناة شلم، باستخدام سكين جراحية خاصة، وعدسة مكبرة، وقد يحتاج الطبيب إلى إجراء هذا التدخل أكثر من مرة حتى يستقر الضغط·
أما في حالة صعوبة رؤية زاوية تصريف السائل المائي نظراً لعتامة القرنية، فإن الجراح قد يلجأ إلى فتح قناة شلم، ومن ثم زاوية تصريف العين عن طريق فتحة صغيرة تجرى تحت طبقة من الصلبة في جدار قناة شلم ومن ثم يدخل الجراح بآلة مخصوصة داخل هذه القناة ليتمكن من فتحها، وفتح زاوية العين في نطاق مائة وثمانين درجة، وفي بعض الحالات يقوم الجراح بعمل فتحة في زاوية تصريف العين تصل بين الخزانة الأمامية للعين، والفراغ الموجود تحت الملتحمة تكون مغطاة بطبقة من الصلبة·
وفي الحالات المستعصية التي تفشل فيها الجراحات السابقة، وتكرار انسداد القنوات المؤدية إلى تخفيض ضغط العين، يلجأ الجراح إلى وضع أنبوب مزود بصمام خاص، يصل بين الخزانة الأمامية وقرص تصريف يدفن تحت الملتحمة خلف العين·
* ولكن لماذا لا يعالج مرض الجلوكوما الخلقية بالأدوية أو القطرات التي تخفض ضغط العين بدلا من التدخل الجراحي؟·
ـ هناك العديد من الأدوية الجديدة التي تخفض ضغط العين بكفاءة عالية في حالات الجلوكوما عند كبار السن·· ويمكن استخدام بعض هذه الأدوية لصغار السن·· ليس كعلاج نهائي، ولكن كعلاج مؤقت يهدف إلى ضبط ضغط العين قبل إجراء التدخل الجراحي، أو أحياناً بعد إجراء التدخل الجراحي، حيث قد يوصي الطبيب باستخدام القطرة المخفضة للضغط للوصول إلى المستوى المطلوب من ضغط العين·
وتعتبر المتابعة المستمرة لمريض الجلوكوما سواء في الأطفال أم الكبار جزءاً أساسياً من العلاج·· وقد يحتاج الطبيب إلى فحص الطفل تحت مخدر كلي لقياس ضغط العين وأبعاد القرنية وفحص العصب البصري والانكسار البصري والتأكد من ثبات هذه المقاييس بعد إجراء التدخل الجراحي·· كما يتم إجراء فحص ضغط العين ومجال الإبصار بصورة دورية في كبار السن، للتأكد من كفاءة العلاج سواء الدوائي أو الجراحي·· وللتأكد من عدم تدهور مجال الإبصار فإنه يتم الفحص بصورة دورية في الأطفال، لقياس أبعاد القرنية، وقياس الضغط، حيث إن ازدياد أبعاد القرنية في الطفل يماثل تدهور مجال الإبصار في كبار السن في حالات الجلوكوما مع استمرار ارتفاع ضغط العين عن معدله المناسب·
ويمكن استخدام أشعة الليزر أو التبريد لتخفيض الضغط في الحالات المستعصية، أو التي يعاني أصحابها من ضعف نظر شديد والتي فشلت فيها الجراحات المتكررة في المحافظة على الإبصار، أو التي تأخر فيها المريض في استشارة الطبيب، مما أدى إلى تدهور القدرات البصرية·· وهنا يتم تدمير الجسم الهدبي الذي يفرز السائل المائي لكي ينخفض الضغط·

اقرأ أيضا