الاتحاد

الاقتصادي

140 مليار دولار خسائر أفريقيا في 50 عاماً بسبب فساد الحكومات


إعداد - نادية حمزة:
قابلت الدول الأفريقية الأكثر فقرا قرار الغاء ديونها الخارجية من قبل الثماني الكبار بالكثير من الترحاب ومن القلق في ذات الوقت، فقد تخلصت من ثقل طالما كبل خطواتها، لكنها تبدو أشد قلقا من ذي قبل من تدخلات في شؤونها الداخلية تبدو حتمية من جانب الدائنين الجدد، وهم في معظمهم الدائنون القدامى أنفسهم، لكن بوجه آخر ويد أخرى، ففي الوجه عبوس من ماضي عدم السداد والفساد، وفي اليد عصا توجه باعتدال المسير ان حاد عن جادة الصواب، وهذا ما قد يعكر صفو الابتهاج بقرار الالغاء· فقد اشترطت الدول الغنية في المقابل أن تقوم الدول الفقيرة بمكافحة الفساد الذي ذكر تقرير للاتحاد الأفريقي أنه يستنزف القارة حوالي 150 مليار دولار سنويا!
وقبل توصل وزراء مالية الدول الثماني الصناعية الكبرى في اجتماعهم يوم السبت الحادي عشر من يونيو 2005 الى قرار الغاء ديون 18 دولة فقيرة بينها 14 دولة أفريقية والبالغة 40 مليار دولار، عكف رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ووزير ماليته جوردون براون الطامح الى خلافته في 10 داوننج ستريت وفي زعامة حزب العمال الذي فاز بولاية ثالثة في عهد بلير على اطلاق مبادرة من أجل افريقيا ،لاسيما وانها القارة التي نكبت بالاستعمار البريطاني أكثر من غيرها من القارات وما زالت تئن من وطأته حتى اليوم، حروب أهلية وتخلف ونزاعات حدودية وأمراض آخرها وباء نقص المناعة المكتسبة ( الايدز ) الذي يختطف كل يوم الالاف من زهرة شبابها، ويتساءل بعض المراقبين عما اذا كانت المبادرة البريطانية تكفيرا عن الأخطاء والخطايا الماضية أم طمع جديد في موارد القارة الفتية التي يعتبرها الأميركيون قارة الرخاء الموعود بعدما تدفق الذهب الأسود في غير ما مكان في أفريقيا خلال السنوات العشر الأخيرة بدءا من السودان شرقا وتشاد وسطا وساوتومي وبرنسيب غربا، وأصبحت الناقلات الأميركية تقطع المحيط الأطلسي فقط من دون الاضطرار الى عبور المضايق المحفوفة بأخطار شتى، في رحلة آمنة لاينشرون فيها طائرات وسفنا حربية في مسافات تبعد عشرارت الآلاف من الكيلومترات !
هذا الاهتمام المفاجئ بديون ومشاكل القارة السمراء من جانب بريطانيا وبعض دول مجموعة الثماني، يرى فيه مراقبون خطوة قد تأخرت كثيرا بعدما طفح الكيل من فساد الأنظمة والادارات السياسية في أفريقيا واستيلائها بغير وجه حق على القليل مما كانت تجود به المؤسسات المالية الدولية من منح وقروض وحتى مساعدات انسانية كانت ترسلها الجمعيات والهيئات الخيرية الى المعوزين والمحتاجين، وما أكثرهم، في القارة السمراء، وعلاوة على ذلك فان جيوش الهجرة غير المشروعة قد شرعت منذ مدة طويلة في غزو أوروبا، بعضها وصل وشكل أحزمة فقر وجريمة حول المدن، وكثير منها ابتلعته أمواج البحر المتوسط والمحيط الأطلسي في مشهد يشبه الى حد كبير مأساة تجارة الرقيق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حيث استنزفت القارة السوداء ملايين الشباب هم جل قوتها العاملة وسيقت قطعان البشر في مراكب وسفن مهترئة الى المزارع والمناجم وبيوت السخرة في الأميركتين والى المستعمرات البريطانية والفرنسية والبرتغالية والاسبانية والهولندية والبلجيكية في أنحاء عديدة من العالم ·
ومن المؤشرات المهمة على الاهتمام الغربي والأميركي بالقارة السمراء هو اختيار الرئيس الجديد للبنك الدولي النائب السابق لوزير الدفاع الأميركي بول وولفويتز للقارة في أول جولة خارجية منذ تعيينه في هذا المنصب، حيث زار على التوالي كلا من نيجيريا وبوركينا فاسو ورواندا وجنوب أفريقيا، هذا الاختيار يحمل في طياته دلالات عدة، فنيجيريا هي الدولة الأفريقية الأكبر من حيث تعداد السكان والقوة العسكرية والاقتصادية والنفوذ السياسي في غرب القارة خاصة وفي عمومها أيضا، وهي الدولة الكبيرة التي خرجت منذ بضع سنوات من دائرة الانقلابات العسكرية والحكام الفاسدين لكنها ما زالت الدولة الأكثر فسادا ماليا واداريا حسب تصنيف مؤسسة الشفافية الدولية، كما أنها ترزح تحت وطأة ديون خارجية تبلغ أكثر من 35 مليار دولار ذهب معظمها خلال مراحل الحكم العسكري ومازالت تلاحق المصارف السويسرية وغيرها لاسترداد ما نهبه العسكريون·
وقال الرئيس النيجيري أولوسيجون أوباسانجو مستقبلا وولفويتز ( أشكرك والبنك الدولي لما قمتم به أخيرا في موضوع الغاء ديون الدول الأفريقية الأكثر فقرا ، ان الغاء الديون يتيح لغالبية هذه الدول ان تخرج من المأزق الذي كانت فيه ) وتابع الرئيس النيجيري الذي ترأس بلاده الدورة الحالية للاتحاد الأفريقي ( نوافق على شطب الديون لكن غالبية الدول لا تزال في حاجة الى مساعدة ، قد يكون الوضع في نيجيريا مختلفا لكننا نحتاج جميعا الى بلوغ الأسواق والى استثمارات واسعة ونعتقد أيضا بوجوب حصول مزيد من التبادل التجاري بين الدول الأفريقية ) ، ومن جانبه أعرب ولفويتز عن أمله في انضمام نيجيريا الى قائمة الدول التي ستحصل على تخفيف لديونها الخارجية· ويعتبر الرئيس النيجيري أولسيجون أوباسانجو من أشد المنادين باستعادة الأموال التي استولى عليها الحكام الأفارقة وحاشياتهم وأودعوها في مصارف غربية، ففي يونيو عام 2002 وأمام منتدى لمنظمات المجتمع المدني الأفريقية عقد في العاصمة الاثيوبية أديس أبابا قال أوباسانجو ان أفريقيا خسرت 140 مليار دولار بسبب فساد حكامها في العقود التي تلت الاستقلال وها هو السبب الرئيسي لحالة الفقر المتدنية التي تعيشها القارة حاليا مؤكدا أن الوقت قد حان لتدوين القواعد الضرورية لاستعادة الأموال المسروقة، مشيرا الى أنه يجري العمل على اعداد ميثاق دولي تعاد بموجبه الأموال التي يسرقها الزعماء الأفارقة الفاسدون ليودعوها في الخارج وقال انه في الوقت الذي يعتبر فيه الأشخاص الذين يسرقون هذه الأموال هم المجرمون الحقيقيون فان على البلدان الغربية التي تأوي مثل هذه الأموال أن تتحمل بعض المسؤولية وأضاف أنه لا يكفي أن تتهم البلدان النامية بالفساد، بل على العالم الغربي أن يبرهن على أنه ملتزم عمليا بمساعدتنا على استعادة الأموال المسروقة من خزائننا ومؤسساتنا·
وعانت نيجيريا أكثر من غيرها من البلدان الأفريقية من نزعة حكامها في التعامل مع الاقتصاد الوطني بهدف الاستفادة الشخصية، فقد اتهم معظم قادتها بعد الاستقلال بدرجات متفاوتة من الفساد ، وكان آخر حاكم عسكري لها وهو الجنرال الراحل ساني أباتشا أكثرهم وضوحا، حيث تمكن مع أفراد من عائلته من تهريب مليارات الدولارات خارج البلاد وايداعها في بنوك أجنبية، وتقول هيئة الاذاعة البريطانية في تقرير لها بهذا الشأن إنه قد أعيد منها حوالي مليار دولار وكان معظمها مودعا في بنوك سويسرية، ولا يعرف أين ذهب الكثير من الأموال الضائعة لكن هناك قسما منها مجمد في البنوك البريطانية بانتظار البت في مصيره قضائيا، وقال أوباسانجو ان اتفاق اعادة الأموال قد خلف حوالي 200 مليون دولار في أيدي عائلة أباتشا وهذه تسوية قبلت بصعوبة وأضاف أن مثل هذه الأموال كان يمكن أن تسترجع لو جرى التوصل الى ميثاق دولي بهذا الشأن· ولا تنفرد نيجيريا في المعاناة من فساد قادتها، ففي جمهورية الكونجو الديمقراطية ( زائير سابقا ) نهبت مليارات الدولارات أثناء حكم الديكتاتور الراحل موبوتو سيسيكو الذي بقي في الحكم ثلاثين عاما، ومازال الصراع على موارد الكونجو الديمقراطية محتدما· وفي أنجولا تقدر جماعات الضغط أن حوالي مليار دولار من ايرادات النفط تختفي سنويا، فيما تشير الحروب الأهلية وتمردات العسكر المستمرة في كل من ساحل العاج وسيراليون وليبيريا في غرب أفريقيا الى الصراع بين جماعات الفساد على تجارة الكاكاو والماس والمعادن الثمينة التي تذخر بها تلك البلاد ·
وفي موازاة الجهود الأفريقية لاستعادة الأموال المسروقة ومكافحة الفساد، يبذل المليادير العالمي جورج سوروس ومنظمة الشاهد العالمي ( جلوبال ويتنس ) مبادرة غير حكومية لاقناع شركات النفط والمعادن العالمية بنشر حساباتها كاملة حتى يعرف ما تدفعه من ضرائب ورسوم بهدف الكشف عن هذا النوع من السرقات·
ومن أبرز الخطوات التي اتخذت في الأونة الأخيرة لمكافحة الفساد في صفوف النخبة الحاكمة، هي ما أقدم عليه الرئيس الجنوب أفريقي ثابو مبيكي باقالة نائبه زوما من منصبه بسبب تورطه في فضيحة فساد، ولم يأبه مبيكي أبدا للتاريخ الناصع لنائبه اليساري طالما أنه متورط في الفساد فقام باقالته من على منبر البرلمان، أيضا في السودان فقد تقدم وزير الداخلية اللواء عبد الرحيم حسين باستقالته من منصبه في خطوة ذات صلة بانهيار مبنى حكومي قيد الانشاء تحوم حوله شبهات فساد مالي واداري·

اقرأ أيضا

«التواصل الاجتماعي» يساهم بتسريع معدلات نمو الشركات