الاتحاد

دنيا

الجمهور والمنتجون أهدروا دم السينما


القاهرة ـ جميل حسن:
الحديث عن أزمة السينما المصرية ليس جديدا، فقد ظلت الازمة دائما ترتبط بظهور جيل جديد من النجوم يفرض نفسه على الساحة وتحقق أفلامه رواجا جماهيريا، اي ان الأزمة لم ترتبط بظهورموجة أفلام الكوميديا للنجوم الجدد محمد هنيدي ورفاقه، لكن هناك تباينا واضحا في وجهات النظر حول أسباب الأزمة قديما وحديثا، ففي الماضي، كان النقاد وصناع السينما والجمهور يلقون بالكرة في ملعب المؤلف أو النجم أو المخرج والمنتج، وحاليا تجتمع آراء النقاد وكثير من صناع السينما على أن الجمهورهو المسؤول عن الأزمة السينمائية التي لا مخرج منها إلا بتعديل مسارالذوق العام·
وفي ندوة 'الاصلاح والنهضة الفنية في السينما'على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب، حملت عبارات الفنان نور الشريف والمؤلف وحيد حامد والناقد علي أبوشادي ادانة للجمهوروللمنتجين وللدولة·
وقال علي ابوشادي ان الاصلاح في السينما يتحقق من خلال اصلاح كل ما يتعلق بالدولة، والبحث في اسباب اقبال الجمهور على السينما الحالية رغم انها عرجاء·
وقال وحيد حامد ان الأفلام الحالية مجرد أفلام كارتونية مشوهة يقدم فيها البطل دور الشخصية الكارتونية، ويساهم الجمهور في الترويج لهذه النوعية من الأفلام طوال السنوات الست الماضية·
وأضاف: نشأت في حضن أفلام جادة لا مثيل لها حاليا ورغم ذلك كنا نشكو من أزمة السينما ونطالب بسينما أفضل وهذا كان طموحا، لكن الانقلاب الذي حدث مؤخرا في السينما المصرية لم يحدث من قبل، فأصبحنا نرى أفلاما يقبل عليها الجمهور ويهاجمها النقاد ومتذوقو السينما، ولكن هذه هي الأفلام الرائجة حاليا والجمهورهو الذي أوقفهاعلى قدميها رغم انه يخرج بعد مشاهدتها وينتقدها وعندما تسأله لماذا يقول: لانها تعجب الأطفال· وهذا شيء يدعو للعجب لأننا نعرف ان متعة الأطفال تتحقق من خلال مشاهدتهم لأفلام الكرتون·
وأكد أن آفة السينما المصرية أيضا في المسلسلات التليفزيونية الرديئة التي خلقت جمهورا يقبل على المنتج الضعيف بعد ان اتلفت ذوقه، اما المنتج الحالي فيدفع الفلوس ليكسب أكثر غير مهتم بالقيمة التي يحملها العمل الفني، ونسى الجميع ان السينما لابد لها من عنصرين هما المتعة والكلمة التي ترتقي بذوق المشاهد وتناقش مشاكله، فالفن مرتبط بالجمال والموضوعية وأفضل الأفلام هي التي تناقش مشاكل الناس حتى من خلال أفلام الكوميديا، لكن أغلب المنتجين الحاليين تعاملوا مع السينما على انها سلعة يشاهدها الجمهور حتى يضحك فقط والجمهور لم يجبرعلى مشاهدتها ولو سألته لماذا تشاهدها يقول: حتى أضحك أنا وأطفالي·
وقال ان الأفلام الجادة التي قدمت في السنوات الخمس الماضية تعد على أصابع اليد الواحدة، مثل 'بحب السيما' و'سهر الليالي' والفيلم الأول قُتل عن عمد مثلما قتل فيلم 'باب الشمس' للمخرج يسري نصر الله لأنه يناقش القضية الفلسطينية والجمهورلا يحب هذه النوعية من الأفلام، وحتى ترتقي بالسينما وتتجاوز أزمتها لابد من ثورة جماهيرية حتى يتحرك الفنانون الجالسون على دكة الاحتياط لان الملعب ليس ملعبهم·
ويرى وحيد حامد ان صناعة السينما تشهد غشا تجاريا، لان المنتجين هم أصحاب دور العرض ولو أن فيلما جيدا عُرض مع أفلام رديئة فسوف يتآمر عليه أصحاب دورالعرض، التي تكثر حاليا في المراكز التجارية ويكون هناك أكثر من شاشة تعرض أكثرمن فيلم وإذا ذهب شخص لمشاهدة الفيلم الجيد يفاجأ بموظف الشباك يؤكد له ان الفيلم سوف يتأخرعرضه ولان هذا الشخص ذهب إلى السينما مع اسرته يضطر لمشاهدة فيلم رديء حتى لا يعود بأسرته إلى منزله دون دخول السينما، وهذا غش تجاري وتآمر على أفلام جادة ترتقي بوجدان الناس·
معوقات حكومية
واشار الى ان الدولة أصبحت تكره السينما ولم تعد متعاطفة معها، وبعض كبار المسؤولين ينظرون إلى السينما على أنها ملاه، أما وزارة الثقافة فتتنصل من تبعية السينما لها وتؤكد انها تابعة لوزارة قطاع الأعمال، وبعض المسؤولين يقولون ان السينما حرام·
وأكد ان أغلب النجوم الجدد يرفضون القبلات في الأفلام، وفي المقابل نرى أحدهم يجسد شخصية المرأة ويعري جسده ليغري من أمامه وهذا منظر مقزز وقبيح، وهناك متاجرة بالدين على حساب السينما رغم ان الحرب أصبحت اعلامية وثقافية، وهناك ازدواجية في التفكير ولا بد من التفكير بوضوعية· قال: قدمت مع الفنان أحمد زكي فيلم 'اضحك الصورة تطلع حلوة' ولم يقبل عليه الجمهورعندما عُرض في السينما، ولم يعرف احد قيمته إلا بعد عرضه في التليفزيون، وقدمت ايضا فيلم 'معالي الوزير' ولم يحقق نجاحا جماهيريا، والأفلام الكوميدية التي يراها الجمهور حاليا لا تكتب لها سيناريوهات قبل التصوير، لكنهم يذهبون إلى الاستديو ومن يعرف شيئا يقوله أمام الكاميرا·
وقال الفنان نورالشريف ان هناك العديد من عوامل الضغط التي تعوق الانتاج السينمائي الجاد· فسعر التذكرة ارتفع ولا يقدر عليه سوى أبناء الطبقة الثرية، واضاف هناك ست دورعرض من الدرجتين الثانية والثالثة كانت تحيط بمنزلنا في حي السيدة زينب ولم يعد موجودا سوى سينمات الدرجة الأولى التي يدخلها الأثرياء فقط ليضحكوا· وبناء دور عرض جديدة من الدرجتين الثانية والثالثة جزء من اصلاح حال السينما المصرية لأن افتقادها ساهم في تطرف الشباب·
واوضح ان مسرح القطاع الخاص انهار مؤخرا ومسرح الدولة هو الذي شهد انتعاشة في السنوات الأخيرة وحقق ايرادات كبيرة وقدم عروضا هادفة أهمها 'الملك لير' و 'لن تسقط القدس' رغم الاعتراض على سعر التذكرة الذي وصل الى50 جنيها للصفوف الأولى·
وقال ان من أسباب أزمة السينما أيضا غياب التفكير العلمي، فنحن نترك كل شيء للصدفة، وفيلم واحد خلق هذه الموضة السينمائية عندما عرض أيضا بالصدفة وهو فيلم 'اسماعيلية رايح جاي' الذي حقق نجاحا بالصدفة فسادت موجة الأفلام الهابطة ويرى نور ان المخرجين حسين كمال وكمال الشيخ ماتا قهرا لانهما جلسا في منزليهما تسع سنوات بلا عمل، وهذا دليل على العشوائية التي سادت السينما والشركات التي لم تهتم الا بتقديم طبق درامي واحد هو الكوميديا وليته جيد· وطالب نور بالاقتداء بأميركا إذ كانت النموذج الجيد في السنوات الأخيرة، فأميركا فيها منتجون يقدمون فيلما جادا كل عام وهم بذلك يحترمون أنفسهم وبلدهم ويتمتعون بوعي كبير، والدليل على ذلك ان احدى الشركات الأميركية ساهمت في افتتاح دار الأوبرا المصرية الجديدة بعرض تكلف الكثير حتى تروج لاسم أميركا ودفعت بعناصر أميركية في هذا العرض حتى تستفيد منهم بعد ذلك·
واكد ان الأفلام الجيدة لم يعد لها مكان في الساحة الفنية، بدليل انه قدم فيلم 'آخرالرجال المحترمين' من انتاجه وتأليف وحيد حامد وكتب في الدعاية الخاصة به·· فيلم لا تخجل الأسرة من مشاهدته وليتني ما كتبت هذه الجملة لان الجمهورأعرض عن مشاهدة الفيلم، واتحدى من يقول ان أكثر من 80 فيلما من أفضل أفلام السينما االمصرية نجحت جماهيريا، فهذه الأفلام رغم جودتها لم يقبل عليها الجمهور الذي اعتاد مشاهدة الرديء·
وطالب بالاقتداء بالتجربة الفرنسية، فالحكومة تدعم السينما ليس الفرنسية فقط ولكن سينما الدول الافريقية لانها تدرك أهمية الدعم امام الغزو السينمائي الأميركي المخيف، وهناك حاجة للارتفاع بذوق الجمهور من خلال التليفزيون الذي يروج أكثر للأفلام الأميركية على حساب الأفلام العربية والأوروبية رغم ان الأخيرة حظيت باقبال جماهيري عندما نظمت لها المنتجة ماريان خوري مهرجانا استمر أسبوعين ووقتها قال الجميع ان الأفلام الأوروبية أفضل من الأفلام الأميركية·
وقال ان منتجي السينما الحقيقيين انسحبوا من الساحة ودخل منتجون جدد منذ عشرسنوات وسيطروا عليها، حتى الشركات الكبيرة توقفت وباعت ما لديها من أفلام للقنوات الفضائية· وطالب وزارة الخارجية المصرية بالتحرك لفتح أسواق عربية أمام السينما، لان هذه الأسواق أغلقت عقب توقيع الرئيس السادات لاتفاقية كامب ديفيد·
وأضاف نور: من خلال عملي كنائب لرئيس غرفة صناعة السينما أطالب بوضع تشريعات تحمي الفيلم المصري، وأطالب التليفزيون أيضا بشراء الأفلام بأسعار مناسبة، ففيلم 'حبيبي دائما' انتهى حق عرضه في التليفزيون وفوجئت بالمسؤولين يعرضون عليّ أربعة آلاف جنيه مقابل حق عرضه خمس سنوات في كل القنوات المصرية، وهذا لا يعقل في ظل الأسعار المرتفعة التي تعرضها القنوات الأخرى مقابل شراء حق عرض الأفلام، ولا أطالب التليفزيون المصري بان يدفع مثلما يدفع الآخرون ولكن عليه ان يزيد أسعاره بعض الشيء·واكد علي أبوشادي انه وهو المسؤول عن المركز القومي للسينما عاجز عن حماية الفيلم المصري الذي يعاني القرصنة في الداخل والخارج·
وقال: هناك من يهدرون دم السينما المصرية وهم تجار الدين، لكن الجمهور هو أساس الأزمة السينمائية الحالية ولا اصلاح في السينما الا إذا عزف الجمهور عن مشاهدة الافلام الرديئة وتعامل المنتجون مع السينما على انها قيمة لا سلعة يتربحون منها·

اقرأ أيضا