الاتحاد

ثقافة

تأمل الوردة

عادل خزام

عادل خزام

كثيرون لا يدركون متعة التواصل مع الأشياء من حولهم والعيش معها ومنحها المساحة المطلوبة في وجودنا. ولا يعرف البعض روعة وفن بناء العلاقات ليس مع الأشخاص فقط وإنما مع الموجودات الصغيرة التي قد لا نلتفت إليها على الرغم من أهميتها الجمالية الكبيرة. ومن بين هذه الموجودات الوردة التي يهملها الأكثرية ولا يصلون إلى سبر جمالها الحقيقي العالي. وهؤلاء قد تجدهم يوماً يحملون باقة من الورد ولكن بشكل رمزي جاف وفي مناسبات معينة مثل زيارة مريض في المستشفى وغير ذلك.
لبناء علاقة حقيقية مع الورد نحتاج إلى تطوير مهاراتنا في الفهم والحس العالي. فالوردة كائن حي ينبض ويشع بالجمال، والنظر إليها والتعمق في تأملها لمدة دقيقة واحدة على الأقل في اليوم هو غوص في عمق المعاني الرائعة وهو فتح (مقصود) لبوابة استقبال الأشياء الجميلة. وهناك بشر اعتادوا على تأمل الوردة كل صباح ليكملوا بعدها رحلة النجاح والإبداع. وأتذكر أن الكاتب العالمي غابريل غارسيا ماركيز كان لا يستطيع الكتابة إلا إذا وضعت له زوجته على الطاولة زهوراً صفراء كل صباح. وفي إحدى المرات جلس ماركيز كالعادة على طاولة الكتابة لكن ذهنه ظل مشتتا وبدأ يكتب عبارات ركيكة واضطر أن يمزق الورق عدة مرات. وحين فتش عن السبب اكتشف أن زوجته نسيت في ذلك اليوم أن تضع له الزهور كالمعتاد. الشعراء أكثر من تحدثوا عن الوردة وغنوا لها. وهناك من ذهب إلى اجتراح معانٍ رائعة عن الورد. الشاعر أمل دنقل كتب على فراش الموت واحدة من أروع قصائده عن الورود التي يهدونها له في المستشفى حيث وصفها وهي تتحدث له (بعد رحيل الزوار) عن قصة موتها وقطفها من الخميلة. وللشاعر بول شاؤول مقطع عن الوردة يقول فيه (أخلصت يداه للوردة فرمتاه). وأتذكر مقطعاً قرأته منذ زمن وهزّتني فكرته الفلسفية يقول (بين الوردة تقطف، والوردة تمنح، عدم لا يدركه التعبير). ونستطيع من خلال جمع هذه المقاطع للشعراء عن الورد أن نكوّن منظومة جمالية تزيد من علاقتنا بهذه الكائنات الحميمة جداً. وتجعلنا قادرين على التواصل معها من وجوه عدة. أحد أساتذة التأمل علمني يوماً درساً في فن (تأمل الوردة)، حيث كان يجلس مغمض العينين لمدة دقائق وهو يتخيل أمامه برعم وردة يانعة متفتحة وبراقة يمتد جذرها عميقاً في الأرض وبرعمها طالع باتجاه السماء، وأثناء التأمل يتخيل ويراقب لونها وتفتحها ونوعها، ثم يقف فيتخيل نفسه هذه الوردة حيث رجلاه تمتدان عميقاً في الأرض بينما يصير رأسه هو الوردة. ويظل واقفاً لعدة دقائق وهو يشعر أنه الوردة. وقال لي إن هذا التمرين يعد من أقوى الممارسات في تأمل الطبيعة وله نتائج إيجابية رائعة. الورود تحيط بنا هذه الأيام في كل مكان. في الطريق ومكاتب العمل والبيت والمطعم وحتى في الصحف والمجلات. والتوقف عندها للحظات قد يجلب الكثير من التفاؤل الذي نحتاجه لتغيير علاقتنا ونظرتنا للحياة. إنها الوردة تتفتح في حب الحياة قل لقلبك أن يقلدها أن يشع بألوان المسرّة وأن يزدهي بالطيبة أنت برعم الجمال يمشي في دروب الأمل وعلى رأسك تاج الطبيعة كلها.
akhozam@yahoo.com

اقرأ أيضا

معادلة سرية عالمية للحضارات