الاتحاد

الاقتصادي

صناعة السياحة تترنح تحت ضربات الإرهاب


إعداد - عدنان عضيمة:
من جديد فتحت تفجيرات لندن وشرم السيخ ملف صناعة السياحة في العالم ·· النشاط الاقتصادي بالغ الحساسية والاكثر تأثرا بالعمليات الارهابية التي طالت العالم كله خلال السنوات الاخيرة ،وحتى الان لم تصدر منظمة السياحة العالمية تقديراتها بشأن الاثار الاقتصادية المتوقعة على السياحة في العالم بعد سلسلة التفجيرات الاخيرة وان كان خبراء ومحللون قد عبروا عن املهم في إمكانية محاصرة هذه الاثار من باب ان شيوع الغرم قد يؤدي الى الحد من آثاره خاصة ان الفترة الاخيرة شهدت ارتفاعا غير مسبوق في الدخل السياحي العالمي يعكس الزيادة الضخمة في الاقبال على الحركة والسفر التي أصبحت جزءا من ثقافة العولمة التي نعيش اجواءها الان · وكانت منظمة السياحة العالمية قد كشفت عن نمو حركة السفر والسياحة بنسبة 8 % خلال الثلث الاول من العام الحالي مواصلة بذلك الاتجاه الايجابي الذي عاشته السياحة العالمية خلال 2004 حيث حققت عوائد بلغت 500 مليار يورو بزيادة 36 % عن العام السابق ·
الأمن والنشاط السياحي
وكما هو معروف فإن السلام والشعور بالأمان والطمأنينة من المقومات الاساسية لنهضة السياحة في اي مكان · وقلما نسمع أن سائحاً فضل المغامرة والمقامرة بحياته حتى يستمتع بالمعالم السياحية لبلد تسوده الحروب أو تكثر فيه الأعمال الإرهابية· ويبدو هذا الواقع محزناً جداً من خلال الإشارة إلى أن صناعة السياحة أصبحت المورد الأساسي للدخل القومي في معظم دول العالم الفقيرة التي لم تتمكن من تسجيل مآثرها في عالم الصناعة· وتتفق معظم التقارير الصادرة عن مراكز التحليل الاقتصادي على أن صناعة السياحة العالمية أصبحت تلعب دوراً اقتصادياً مهماً في الدول النامية· وفي أواخر عقد الستينات وبداية عقد السبعينات من القرن الماضي، كانت صناعة السياحة في أغلب الأحوال هي الدواء الناجع لعلاج الخلل في موازين المدفوعات للعديد من دول العالم بالإضافة لكونها المصدر الأساسي للعملات الأجنبية· وجاء في مقدمة دراسة جادة أنجزها حسن علي، الباحث الاقتصادي في جامعة ولاية أوهايو تحت عنوان 'الإرهاب والسياحة ·· صدمة دائمة أم مؤقتة؟' أن صناعة السياحة أصبحت في عقد التسعينات من القرن الماضي ذات تأثيرات إيجابية مباشرة وغير مباشرة على العائدات الاقتصادية الحكومية والدخل القومي وتشغيل الأيدي العاملة في معظم بلدان العالم· ويضاف إلى ذلك أن صناعة السياحة أصبحت من أهم عوامل تنويع مصادر الدخل وتخفيض الاعتماد على الموارد التقليدية كالزراعة في معظم الدول الفقيرة والبترول في الدول المنتجة له· ويمضي التقرير قائلا': 'وبشكل عام، تعد السياحة واحدة من أسرع النشاطات الاقتصادية نمواً في الدول النامية، وهي تتميز بعوائدها وفوائدها الاقتصادية المتشعبة وذات الأبعاد المتنوعة'·
ولقد أثارت موجة الأعمال الإرهابية التي تصاعدت بقوة خلال السنوات العشر الماضية انتباه الخبراء والمصالح المعنية إلى مشكلة عدم الاستقرار والثبات التي تميز صناعة السياحة، واستحالة الركون إلى عوائدها المادية على المدى البعيد· وحتى لو أغفلنا التأثير المدمر للإرهاب على القطاع السياحي، فإن من الضروري الانتباه إلى وجود الكثير من العوامل المؤثرة فيه والتي تجعله من القطاعات الاستثمارية الهشّة، ومن أهمها تغير أسعار العملة وتذبذب الأوضاع الاقتصادية في البلاد التي ينطلق منها السياح، وعدم الاستقرار السياسي في البلدان التي يقصدونها، والتغير السريع في أسعار الخدمات الترفيهية في العالم·
حالة الشرق الأوسط
دأبت شعوب العالم دون استثناء على النظر لمنطقة الشرق الأوسط باعتبارها منبع الحضارات العالمية وموطن الأديان السماوية الثلاثة الإسلام والمسيحية واليهودية· وهذه الحقيقة التي لا جدال فيها، تجعل من المنطقة مركزاً سياحياً رئيسياً، فما بالك لو أضفنا إلى كل ذلك معالم الحضارة الفرعونية في مصر التي تبقى زيارتها حلم السائحين في العالم أجمع· إلا أن النشاطات الإرهابية في بعض بلدان المنطقة وتكرر الحروب في بعضها الآخر، واضطراب الأوضاع السياسية في الدول المجاورة لها، انعكست سلباً على العوائد السياحية· ويجدر التنبيه هنا إلى أن المقصود من مفهوم 'الإرهاب' ليس المعنى السياسي الذي يثير الكثير من الجدل والخلاف بين الجهات المتصارعة، بل المفهوم المجرد الذي يقصد منه إثارة الرعب والتأثير النفسي على مشاعر ومعنويات السياح ويدفعهم إلى مغادرة الأماكن السياحية أو عدم التفكير في الذهاب إليها· ومن المعروف أن السائح يفكر بطريقة تتسم بالحذر الشديد، فهو ينشد الأماكن التي تضمن له تحقيق أقصى درجات المتعة والراحة بأقل قدر ممكن من المخاطرة والخوف·
ويذكر تقرير نشر مؤخراً أنه ما من أحد من الدارسين والمحللين قد انبرى حتى الآن لدراسة التأثيرات الزمنية للنشاطات الإرهابية على السياحة، وما إذا كان للفعل الإرهابي في مكان ما من العالم تأثير دائم أم مؤقت على المردود السياحي· ويفضل بعض المحللين إطلاق مصطلح 'الصدمة' على كل فعل إرهابي يسجّل في أي مكان من العالم، وحيث يقصد به التعبير عن عمق الأثر الذي يتركه هذا الفعل على سلوكيات السياح على المدى القصير والمتوسط، وربما البعيد أيضاً· وكثيراً ما يسوق الخبراء والدارسون في هذا الصدد أمثلة مستقاة من واقع صناعة السياحة في إسرائيل خصوصاً باعتبارها الدولة الأكثر اهتماماً بتنشيط وتطوير هذه الصناعة، إلا أن حالة الصراع الدائم مع الفلسطينيين تجعل حركة السياحة فيها ضعيفة إلى أبعد الحدود· ويكون في وسع المرء استقاء الدليل الملموس على مدى تأثير الأمن العام على السياحة من إسرائيل ذاتها، حيث يشير التقرير إلى أن السياحة التاريخية والعلاجية والدينية تلعب دوراً مهماً في اقتصاديات إسرائيل· ففي الفترة الممتدة بين عامي 1992 و،1996 وعقب توقيع معاهدة السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، زاد عدد السياح إلى إسرائيل بمعدل 25 بالمئة سنوياً· وبعد عام 1996 ارتفعت وتيرة عمليات التفجير الانتحارية التي يقوم بها الفلسطينيون ضد الأهداف الإسرائيلية فانخفض عدد السياح إليها بمعدل 6,8 بالمئة عن الرقم القياسي الذي بلغه عام ·1995 وفي عام ،1998 بلغ هذا العدد 2,2 مليون سائح وقدر مجموع الدخل من السياحة في ذلك العام بنحو 2,7 مليار دولار أو ما يساوي 7,7 بالمئة من مجموع قيمة الصادرات أو 2,8 بالمئة من الناتج القومي الإجمالي·
ويمكن القول إن إسرائيل، شأنها في ذلك شأن مصر ولبنان وسوريا والأردن وتركيا والعديد من بلدان الشرق الأوسط الأخرى، تعتمد على السياحة كمصدر أساسي للعملات الصعبة بالرغم من أن الدخل السياحي في إسرائيل لا يمكن أن يقارن بما تحصل عليه من هبات ومساعدات من أميركا بخلاف بقية الدول العربية التي لا تتلقى من هذه المساعدات إلا النذر اليسير· ولهذا السبب فضلت هذه الدول تدعيم صناعة السياحة وسارعت إلى تأسيس البنى التحتية السياحية الراقية مثلما فعلت مصر في كافة المنتجعات السياحية والمواقع الأثرية التي تنتشر في أماكن متعددة من الدولة·
خسائر جسيمة
ويمكن لهذه الحقائق أن تفسر جسامة الخسائر الاقتصادية التي يمكن أن تنطوي عليها أية 'عملية إرهابية' في البلدان التي تعتمد على السياحة كمورد رئيسي للدخل· وعقب انفجارات شرم الشيخ الأخيرة، شوهد السياح الأجانب وهم يتدافعون في المطارات المصرية القريبة بأعداد كبيرة للإسراع في العودة إلى بلدانهم· وذكرت مصالح الملاحة الجوية في إيطاليا أن نحو ثلاثة آلاف سائح إيطالي عادوا إلى بلدهم قبل انقضاء 24 ساعة على حوادث التفجير مما يعد مؤشراً قوياً على حالة الخوف والهلع التي أصابت الناس هناك بسببها· وسارعت بعض الدول إلى إقامة ما يشبه الجسر الجوي لإعادة مواطنيها من مناطق التفجيرات أو حتى من بقية المناطق السياحية الآمنة في مصر، ومنها إيطاليا التي أقلعت منها إلى مصر مجموعة طائرات لا تكاد تحمل راكباً واحداً لتعود وهي محملة بالسياح· ولم تمض إلا أيام قليلة بعد الانفجار حتى كانت منطقة شرم الشيخ قد خلت تماماً من السياح· وفيما اتخذت بعض الدول إجراءات صارمة بشأن التعامل مع الموضوع، كإسرائيل التي دعت كافة سياحها في مصر للعودة إلى بلدهم، تعاملت بعض الدول الأخرى (كالنرويج) مع الأزمة بواقعية أكثر حين أعلنت وزارة خارجيتها أنها لا تنصح مواطنيها بعدم التوجه إلى المواقع السياحية في سيناء ولكنها تدعوهم إلى التزام جوانب الحيطة والحذر لا سيما في أماكن تجمع السياح الأجانب· وبالرغم من أن ردات الفعل في الدول التي يهتم مواطنوها بالسياحة في مصر كانت متباينة بشكل كبير، إلا أنها فضلت التعامل مع تفجيرات شرم الشيخ باعتبارها مجرد حوادث عارضة لا تستدعي الخوف والقلق على مستقبل الأمن السياحي في مصر، ومن هذه البلدان فنلندا وفرنسا والسويد· وجاء في تقرير كتبه بول جاروود في الأسوشييتدبرس يوم الإثنين الماضي أن 'صناعة السياحة في مصر سوف تعاني من كساد مؤقت عقب تفجيرات منتجعات البحر الأحمر إلا أنها ستتعافى بعد ذلك بسرعة كبيرة'·
وأشار التقرير إلى أن هذه الضربة ستكلف صناعة السياحة في مصر نحو ملياري دولار من الخسائر· وكان وزير السياحة المصري أحمد المغربي قد أشار إلى أنه وبالرغم من ضخامة الحادث إلا أن الصناعة السياحية في مصر سرعان ما ستستعيد عافيتها بسبب كثرة الأحداث المشابهة التي يشهدها العالم في هذا الوقت· وأشار إلى أن البشر ما عادوا يشعرون بالصدمة من مثل هذه الأحداث· ويبدو هذا الطرح منطقياً تماماً بالنظر إلى أن أشهر المناطق السياحية في العالم ما كانت بمنأى عن متفجرات الإرهابيين بما فيها شواطئ فارنا البلغارية على البحر الأسود ومدينة مدريد ومنتجعات أندونيسيا الشهيرة· وبالرغم من اللهجة المتفائلة والواقعية التي تنطوي عليها مثل هذه التصريحات، إلا أننا نسمع في المقابل تصريحات أكثر تشاؤماً بشأن نتائج تفجيرات شرم الشيخ، ومن ذلك ما قاله المحلل الاقتصادي المصري هاني جنينة من أنه يرجح أن يمتنع السياح الإيطاليون والألمان والبريطانيون عن التوجه إلى مصر خلال ما تبقى من السنة المالية الجديدة التي بدأت في أول يوليو الجاري خوفاً من تكرر التفجيرات· وقال جنينة: ' أعتقد أن التفجيرات ستترك أثرها السلبي على صناعة السياحة خلال الأشهر الستة المقبلة على أقل تقدير'·
وكان خبراء مصريون قد توقعوا قبل تفجيرات شرم الشيخ أن تبلغ مجمل عوائد السياحة على الاقتصاد المصري نحو 7 مليارات دولار عامي 2005 و2006 إلا أن التفجيرات الأخيرة سوف تخفض هذه العوائد إلى ما بين 5 و5,5 مليار دولار فقط· ويفسر جنينة ذلك بالقول: 'تجتذب منتجعات ومعالم شرم الشيخ ما بين ربع وثلث مجموع عدد السياح الذين يقصدون مصر، ويأتي معظمهم من إيطاليا وألمانيا وبريطانيا، ويعرف عن شعوب هذه الدول حساسيتهم المفرطة حيال مثل هذه الحوادث'·
ويبدو وكأن الذين يقفون وراء التفجيرات الأخيرة قد وضعوا في حسبانهم أن شهري يوليو وأغسطس يمثلان الفترة الأكثر اجتذاباً للسياح الأوروبيين الذين يفضلون قضاء إجازاتهم في شرم الشيخ للتمتع بأجواء ومياه البحر الأحمر· وذكرت إحصائيات نشرت مؤخراً أن عدد السياح الإيطاليين بلغ 30 ألفاً أثناء وقوع الحوادث، كان 80 بالمئة منهم في شرم الشيخ ذاتها·
ذعر في لندن
وفيما كانت شرم الشيخ تئنّ تحت وطأة التفجيرات الأخيرة، كانت لندن تلملم جراحاتها من موجة التفجيرات الثانية التي تضربها خلال عشرة ايام· وإذا كان الإرهابيون قد فضلوا ضرب المنتجعات السياحية في شرم الشيخ، فلقد فضل إرهابيو لندن ضرب وسائل المواصلات التي تمثل الجهاز العصبي للحياة كلها وليس لصناعة السياحة وحدها·
فماذا عن التأثيرات المحتملة لهذه الأحداث على واقع ومستقبل صناعة السياحة في بريطانيا؟·
يشرح تقرير حديث صدر عن 'الهيئة العالمية للسفر والسياحة' المعنية بتقييم هذه النشاطات ودراستها وتشجيعها في بريطانيا، هذه القضايا كافة فيشير إلى أن خبراءها عمدوا إلى وضع الأمور قيد الدراسة المتفحصة فتوصلوا إلى نتائج تفيد بأن رد الفعل السريع لمصالح الدفاع المدني، وتحلّي كبار الخبراء والمعنيين بأقصى درجات المسؤولية، وحالة الاستعداد والتأهب لمثل هذه الحالات الطارئة، كانت من أهم العوامل التي خفضت مستوى الأضرار إلى أدنى الدرجات· ويتناول تقرير الهيئة بعد ذلك تأثير هذه الحوادث على صناعة السياحة والسفر فيشير إلى أن حالة التأهب الدائمة التي تبنتها سلطات الأمن العام على نحو مستمر هي التي حصرت الخسائر في نطاقها الضيق وجعلت تأثيرها على صناعة السياحة والسفر محدوداً جداً· ويمضي التقرير قائلاً أن شركات السياحة والسفر تمكنت من استعادة توازنها في أسواق الأسهم قبل مضي 24 ساعة على الحوادث، ويعد هذا مؤشراً قوياً على الثقة التي تضعها مختلف الأطراف في هذه الصناعة·
وبالرغم من هذه اللهجة المنطوية على التفاؤل المفرط، فإن نموذجاً تنبؤياً بتأثير هذه الأحداث على مستقبل السياحة والسفر في بريطانيا طرح لأول مرة ضمن وقائع 'القمة السياحية العالمية' التي نظمت في دلهي خلال شهر مايو الماضي، أشار إلى النتائج التالية:
؟ سوف ينخفض عدد السياح الذين يقصدون بريطانيا بنحو 588 ألفاً سنوياً عن الاعداد التقديرية السابقة والبالغة 31 مليون سائح، وهذا يمثل تراجعاً بنسبة 1,9 بالمئة·
** سوف تتناقص مجمل العوائد التي تجنيها الشركات العاملة في ميدان السفر والسياحة بنحو 523 مليون جنيه إسترليني سنوياً، أو ما يعادل خسارة تبلغ 2,3 بالمئة عن العوائد التي سبق توقعها والبالغة 22,7 مليار جنيه إسترليني سنوياً·
؟ سوف تتناقص العمالة في صناعة السفر والسياحة بمعدل 0,55 بالمئة·
ويقول جان كلود بومغارتن رئيس 'الهيئة العالمية للسفر والسياحة' في بريطانيا: 'وإذا كان من المتوقع أن تستمر التأثيرات السلبية لتفجيرات لندن خلال عام 2006 مثلما حدث في تفجيرات مدريد وبالي (أندونيسيا)، إلا أن من المؤكد أن هذه التأثيرات ستختفي تماماً مع حلول عام ·2007 ولن يكون هذا صحيحاً إلا بشرط أن تتبنى السلطات المسؤولة في بريطانيا كافة الإجراءات الهادفة إلى استعادة ثقة السيّاح بالوضع الأمني وتعميق الشعور لديهم بأن من المستبعد تماماً تكرر مثل هذه الأحداث في المستقبل'·

اقرأ أيضا

محمد بن راشد يصدر قانوناً بضم «التنظيم العقاري» لـ«أراضي وأملاك دبي»