الاتحاد

عربي ودولي

الفيدرالية في العراق شبح للتجزئة أم طريق للخلاص؟


د· رسول محمَّد رسول:
كلما اقترب الموعد المحدَّد للانتهاء من كتابة الدستور والإعلان عن التصويت عليه شعبياً كلما تناسلت مشكلات عدة غالبا ما تثير الجدل والنقاش والسجال بشأن موضوعاته الأكثر سخونة، ومن ذلك مشكلة الفيدرالية التي يراد للعراق الجديد أن يلبس رداءها وفق رؤية أمريكية جديدة· ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يُطرح في العراق الآن، وبين الأوساط الشعبية والنخبوية، هو: هل تُعد الفيدرالية في العراق مدخلاً للتجزئة أم طريقا للخلاص من مشكلات عديدة يعاني منه العراق مثل التنمية والشاملة، خصوصا السياسية والعمرانية والاقتصادية والثقافية؟؟
لا ريب أن النظام الفيدرالي هو نظام شائع العمل به في دول كثيرة بالعالم، وهو أقل في دول الوطن العربي إن لم يكن معدوماً في أي شكل من الأشكال باستثناء بعض تجارب الاتحادية مثل النظام المعمول به في دولة الإمارات العربية المتحدة·
المأمول الكردي
ومنذ عقود حملت القضية الكردية في العراق همَّ الاستقلال الفيدرالي، ودخل الأكراد في صراع سياسي وبالتالي تفاوضي وانتهى دموي بين الأكراد والحكومات الملكية والجمهورية التي تعاقبت على العراق، وفي خلال العقود الثلاثة الماضية حصل أكراد العراق على حكم ذاتي مطلع السبعينيات من قبل حكومة أحمد حسن البكر، ولكن هذا الاتفاق سرعان ما انهار إلى حرب دموية بين عرب العراق وأكراده في ظل سياسات الرئيس العراق المخلوع صدام حسين، ولم يحصل الأكراد العراقيون على متنفِّس لهم إلا بعد غزو الكويت وتحريرها عام 1991 عندما تمتعوا بإدارة مستقلة تحت رعاية دولية·
وبعد المتغير الكبير الذي جرى بالعراق في نسيان 2003 وجد الأكراد العراقيين أن الفرصة التاريخية أمامهم مُتاحة لنيل مأمولهم الفيدرالي وعلى نحو جذري هذه المرَّة، وحتى وقت متأخِّر قبل كتابة الدستور كان صوتهم الفيدرالي عالياً بعد أن نجحوا في إدخاله بقانون إدارة الدولة الانتقالي الذي أصدره بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي على العراق، وفي ظل تهديدات بالرفض لأي نظام فيدرالي في العراق الجديد ذاك الرفض الذي تعالت أصواته خلال الفترة الماضية من جانب شرائح في المجتمع السُّني العراق والمجتمع الشِّيعي العراقي فضلاً عن شرائح عرقية وقومية أخرى، في ظل ذلك، زاد الأكراد من إصرارهم على تأكيد مطالبهم بالفيدرالية·
إقليم جنوب العراق
ومن الشمال العراقي إلى جنوبه، أُعلن في السادس والعشرين من شهر كانون الأول (ديسمبر) 2004 بالبصرة عن مشروع لإقامة (إقليم جنوب العراق) نظمته شخصيات في محافظات البصرة وميسان (العمارة) وذي قار (الناصرية)، وجاء ذلك في ختام مؤتمر عُقد بالبصرة الفيحاء شاركت فيه جماعات سياسية، ومؤسسات من المجتمع المدني، وشخصيات أكاديمية وتنكوقراطية، إلى جانب رؤساء العشائر في المحافظات الثلاث· وكان البيان الذي صدر في ختام أعمال المؤتمر قد أكَّد على أن إقامة إقليم جنوب العراق هو ضمن الاستحقاقات المشروعة للمنطقة حسب ما نصَّت عليه الفقرة (ج) من المادة (53) من قانون إدارة الدولة العراقية وقرار مجلس الأمن، وفي هذا الصدد قال أحد المؤسسين للمؤتمر، في حديث لوكالة الأنباء الكويتية (كونا): إن الدعوة لعقد المؤتمر جاءت انسجاما مع الأنظمة الحديثة للإدارة الديمقراطية ووضعها في إطارها القانوني ووفقا لقانون إدارة الدولة العراقية المؤقَّت وقرارات مجلس الأمن، والإعداد لإقامة المؤسسات التشريعية والتنفيذية التي تؤسس لإقامة الإقليم بشكل عملي وقانوني على غرار ما هو معمول به في تجربة (إقليم كردستان العراق) الناجحة من شكل الإدارة والسلطة التنفيذية والبرلمان الإقليمي·
واعتقدَ المؤتمرون أنّ المطالبة بإقليم جنوبي هي (إدارية) فقط لا (قومية)، كما هي مطالب إقليم كردستان· وقد ذكرت مصادر عدَّة شاركت في المؤتمر أن غالبية المشاركين رفعوا لاءات بدت جوهرية في المؤتمر، منها: لا للانفصال، ولا للطائفية، لا للتبعية للأ جنبي· بل وصدرت تطمينات عدَّة للتخفيف من حدَّة وقع هذه المأمولات على الوضع الداخلي والخارجي في المنطقة، فقد قال أحد المروجين للمشروع: نود أنْ نطمئن دول الجوار العربية بأن هذا المشروع لا يقوم على أساس طائفي؛ فأهل الجنوب مسلمون عرب، وهو ما يُعدُّ ضمانة لوحدة وسيادة العراق، ورفض جميع إشكال التجزئة، التي هي (خيانة عظمى) فضلاً عن كونه صمّام الأمان أمام نوايا الآخرين من إثارة الفتن والنعرات بأشكالها المختلفة·
وفي غضون شهور فائتة من العام الجاري زارت اللجان الفرعية المعنية بهذا المشروع منطقة كردستان للاطلاع على التجربة الفيدرالية الكردية، وعقدت سلسلة من اللقاءات الشعبية مع أهالي الجنوب العراقي لتوضيح وجس النبض الشعبي بشأن الإقليم الجنوبي·
إقليم الوسط!!
ولا شك أن إقامة إقليمين في الجنوب والشمال العراقي ستترك التساؤلات مفتوحة فيما إذا كان للوسط إقليم أم لا؟ وتلك هي المشكلة الأساسية التي تعترض النقاش والجدل في أثناء كتابة الدستور، وحتى الآن اندلق النقاش إلى مسارات عدة في الرؤى تشترك فيها كل أطياف المجتمع العراقي: فهناك إجماع لدى شرائح عراقية كبيرة من كل أطياف المجتمع العراقي، الدينية والعرقية والثقافية، على ضرورة التخلِّي عن النظام الفيدرالي والإبقاء على العراق موحَّداً كما كان في السابق وهذا ما يرفضه الأكراد رفضاً مطلقا،وهناك من يريد منح الأكراد إقليما فيدراليا والإبقاء على بقية أجزاء العراق موحَّدة في ظل نظام حكم مركزي··وهناك من يريد إيجاد نظام فيدرالي شيعي ـ جنوبي وآخر شمالي كل على جنب وترك المركز للمركز من دون أية نزعة إقليمية بينما يحبِّذ آخرون أقلمة المركز فيدرالياً وبذلك يصبح العراق مجموعة أقاليم فيدرالية مترابطة فيما بينها مع المركز ترابطا نسبياً وليس مطلقاً للحفاظ على توزيع الثروات الطبيعية، والإبقاء على وحدة العراق السياسية العليا، والتوافر على وحدة إدارية نسبية·
حتى الآن، وفي مشهد بهذا الحجم من التعقيد لا يوجد اختلاف مطلق في الرؤى، فهناك شبه إجماع يتبلور بشأن الخروج إلى شمس النظام الفيدرالي إذا كانت هذه الشمس لا تحرق وحدة العراق الجغرافية والسياسية والثقافية والاقتصادية والمجتمعية، وفي مقابل ذلك ستكون هذه الشمسُ شمساً سوداء إذا ما اقتصرت في شروقها على ما هو عرقي وطائفي وثقافي ضيق بوصف كل ذلك مجرد أُطر تنغلق الذات فيها على كيانها جهوياً ولا ترى في العراق سوى نفسها، ما يعني أن الفيدرالية هنا ليست سوى شبح آثم سيأتي على العراق بالدمار والتمزُّق·

اقرأ أيضا

مساعدات إماراتية تغيث أهالي «تريم»