الاتحاد

عربي ودولي

أميركا وسياسة التحضير للصراع القادم


ترجمة- د· عماد حمودة:
إن خطة الولايات المتحدة الأميركية الرامية إلى تطوير الإمكانات التقنية النووية للهند والتي تم الإدلاء بها في الأسبوع الماضي خلال زيارة رئيس الوزراء الهندي 'مانموهان سينج' لواشنطن ترجع جذورها إلى الأيام الأولى من إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن· حيث صممت هذه الخطط من أجل دعم الهند وجعلها القوة التي ستواجه بها الصين الناهضة والمثيرة للقلق· وقد أثارت هذه الخطة المقترحة القائمة على زيادة المقدرات النووية لـ'أكبر ديموقراطية في العالم'، كما يحب أن يسميها البيت الأبيض، عددا من الأسئلة حول الأثر الناجم والمحتمل لذلك المقترح على الدول الأخرى التي تمتلك طموحات نووية وتتطلع لأخذ مكانة ما على المستوى الدولي·
وتبرز أهمية هذه الأسئلة المطروحة في كونها جاءت قبل أيام فقط من استعداد الاتحاد الأوروبي للعودة إلى المفاوضات مع إيران لإنهاء برامج أسلحتها النووية وللعودة إلى بكين بغية استئناف المحادثات السداسية الأطراف مع كوريا الشمالية حول برامجها النووية·
وحسب رأي بعض المحليين فإن الأثر الأبرز والأهم لهذه الخطط هو ما توضحه حول جغرافية -جيوبوليتكس- القرن الواحد والعشرين وخاصة رؤية إدارة بوش تجاه التعامل مع الصين·
الصراع بالوكالة
ويعتقد 'جوزيف سيرينسيون' - المسؤول عن مشروع الحد من انتشار الأسلحة النووية في معهد كارنيجي للسلام الدولي - أن 'مغزى هذا التصريح هو الذي يدلنا على السياسة الكبيرة للولايات المتحدة كيف أنها وبعيدا عن كل ما يجري في الوقت الحاضر إنما تحضر نفسها لصراع واسع مع الصين ،لذا فهي تحاول بناء تحالف ضد الصين··وانطلاقا من هذا السيناريو فإن الهند ستصبح أكثر قيمة كقوة نووية منها كدولة غير نووية'·
وعلى الرغم من ذلك فإن خطة البيت الأبيض التي ستجيز للهند الوصول إلى التقنية العالمية لتطوير برنامجها في صناعة الأسلحة النووية مقابل تعهدها بالسماح لبعض فرق التفتيش الدولية ،تواجهها عراقيل كبيرة من ضمنها المعارضة الشديدة المتوقعة من طرف كل من الكونجرس الأميركي ومن القوى النووية الأخرى التي لها نفس القدرمن الحق في إبداء رأيها مثل أميركا·
كما أن الخطة من وجهة نظر بعض المتخصصين قد تهدم وتبدد عقودا من الجهود الدولية التي بذلت من أجل حظر انتشار الأسلحة النووية على حساب مقاربة عشوائية وفردية تكافئ بعض الدول بينما تعاقب أخرى·· وحسب رأي سيرينسيون إنها 'خطة تجمع الأشخاص السيئين و الجيدين قائلة إن ما يهم في الأمر هو الهيمنة السياسية وليست مبادىء حظر انتشار الأسلحة النووية'·
لكن الخطة بالنسبة للبعض الآخر إنما تمثل فهما واقعيا للانفجار العالمي في الحاجة المتزايدة للطاقة وتقديرا لسجل الهند المتميز في تناولها للتكنولوجيا النووية، ويؤكد سيليج هاريسون مدير البرنامج الآسيوي في مركز السياسات الدولية في واشنطن على ذلك 'نعم هذه خطة تتعامل مع الهند على أساس منفرد لكنها في الوقت نفسه تكافئ الدول الأخرى المستحقة لأدائها الجيد في حظر انتشار الأسلحة النووية·· من هذا المنطلق هي تعكس التغير المرغوب به في السياسة الأميركية'، بيد أن هذا التغيير في السياسة الأميركية سيثير احتجاجات الباكستان ضد المعاملة الخاصة للهند ،ولكن وحسب رأي هاريسون فإن الولايات المتحدة لديها جواب ترد به ضد هذه الاحتجاجات وهو 'عبد القدير خان' 'أبو' البرنامج النووي في باكستان الذي أنشأ سوقا سرية لنشر التقنية النووية·
فائدة مزدوجة
إن أميركا ترى الهند وبنحو متزايد على أنها 'الرجل الجيد' ليس فقط بسبب موقعها في جنوب آسيا بل أيضا بسبب مكانتها في الشؤون الدولية ،وقد استخدم الرئيس بوش تعبير 'قيمنا المشتركة' أثناء تعليقه على زيارة رئيس الوزراء الهندي للبيت الأبيض، بينما صرح موظفو وزارة الخارجية بأن الاتفاقية تمهد الطريق لعلاقات هندية أميركية في العقود القادمة·
وقد أكد رئيس وزراء الهند في كلمته التي ألقاها أمام الكونجرس على سجل الهند في حماية التقنية النووية من الانتشار الخطر مطمئنا أعضاء الكونجرس بأن الهند 'سوف لن تكون مصدرا لانتشار تكنولوجيا الأسلحة النووية'· ويضيف هاريسون بأن الاتفاقية الأميركية مع الهند سوف تصلح أيضا الخلل الموجود في نظام انتشار الأسلحة النووية 'البالي' الذي يسمح للولايات المتحدة ببيع التقنية النووية للمدنيين في الصين وليس في الهند· ولم تقر خطة البيت الأبيض بشكل رسمي بأن الهند قوة نووية، لكن بعض النقاد يعتقد أن الخطة تعاملت معها كذلك على أرض الواقع·
ويحذر كارل إندرفورث النائب المساعد السابق في وزارة الخارجية للشؤون جنوب آسيا إبان إدارة الرئيس كلينتون بأن الخطة ستكون محط النقاش والجدال بين كثير من الخبراء في مجال منع انتشار الأسلحة النووية وكذلك في الكونجرس· ومع ذلك فهو يعتقد بأنها كانت 'الخطوة الصحيحة لأميركا وللعالم· فهذه هي الطريقة التي تجلب الهند إلى نظام منع انتشار الأسلحة النووية العالمي بدلا من تركها خارجه'·
التنين المراقب
على الرغم من أن الاتفاقية تدل على تفكير جديد في العلاقات الأميركية الهندية لكنها لا تعني في الحقيقة فتح صفحة جديدة في الشراكة ما لم تكن الإدارة الأميركية عازمة على الدفاع عنها وإقناع الكونجرس بميزاتها· لذلك يعتبر هاريسون الخطة بمثابة 'اختبار أمام الهنود وغيرهم فيما إذا كانت الولايات المتحدة جادة فعلا في رؤيتها للهند كلاعب صاعد وأساسي في الحسابات الدولية'،وبدون شك سوف تراقب الصين المدى الذي ستأخذه هذه العلاقات الأميركية الهندية نتيجة الخطط الأميركية وكذلك ستفعل أوروبا خاصة الاتحاد الأوروبي الذي لا يرى في الصين المتحدي الصاعد كما تراها أميركا لكنه مع ذلك أوقف بيع الأسلحة للصين استجابة للقلق الأميركي·
ويعتقد الخبراء بأن الصين هي بالطبع عامل مهم في الحسابات الأميركية مع الهند لكن البعض منهم ينوه إلى أن الولايات المتحدة قد لا تجني الكثير من بناء علاقتها مع الهند على أساس فقط أن الهند هي الثقل الموازي المعدل لقوة صاعدة أخرى، يقول 'إندرفورث 'الذي يعمل حاليا في جامعة جورج واشنطن 'أعرف كثيرا من الناس المشغولين في رسم سيناريوهات لكيفية موازنة الهند لقوة الصين ويشتركون معنا في كيفية مواجهة القوة الصاعدة لكننا نحتاج لأن نأخذ جانب الحيطة في عدم الوقوع في الفخ المثلث'، فالمشكلات التي تواجهها القوى العالمية من الفقر إلى انتشار الأسلحة النووية هي أمور لا يمكن لدولة واحدة أن تقوم بها لهذا فإن أميركا مضطرة لتطوير علاقاتها وتعاملها مع الصين والهند بشكل تعاوني وليس بشكل تنافسي·
عن /صحيفة كريستشن سيانس مونيتور

اقرأ أيضا

كوريا الشمالية ترحب بسعي ترامب لنهج جديد في المحادثات