الاتحاد

الملحق الثقافي

أحداث إيران تدفع كيروستامي لإخراج أوبرا «عن بعد»

قبل أن تجري الانتخابات الإيرانية وقبل أن يندلع التمرد على نتائجها، وقبل أن تصل المتواليات في المشهد بين إيران والدول الأوروبية حد اتهام بريطانيا بالتدخل بشؤونها الدخلية، تقدم المخرج الإيراني الشهير عباس كيروستامي إلى القنصلية البريطانية في طهران للحصول على فيزا تسمح له بدخول بريطانيا، للإشراف على إخراج أوبرا «كوزي فان توتي» لموزارت، بحسب اتفاقه مع دار الأوبرا الإنجليزية. لكن طلبه رفض رغم استكمال كل الوثائق، وهو المخرج الذي حصل على عشرات الجوائز العالمية، وجاء الرفض مدججا بحجج مثيرة للسخرية، من بينها أنه قد يطلب اللجوء ولا يغادر إلى بلاده، وأيضا، أن لا أحد يعرفه في بريطانيا!

رؤية مغايرة للأوبرا

الأوبرا رغم ذلك قدمت في لندن، وبإشرافه، عن بعد، وعبر مساعدته التي كانت تمده بتقرير يومي عن البروفات. فهل كانت التجربة التي يخوضها المخرج السينمائي للمرة الأولى، مميزة وتشجع على استمراريته في هذا الفن؟ رغم ان دار الأوبرا الإنجليزية العريقة معروفة بانفتاحها على التجريب في الفن المسرحي عموما، ولكن المتابعين هنا، ذهلوا من فكرة ان يتم إخراج عرض أوبرالي عبر الشبكة العنكبوتية! هذا ما حصل في الحقيقة، بعد ان غضب كيروستامي من موقف القنصلية ورفض التأشيرة بعد تدخل السفير البريطاني. كان عليه ان يسجل موقفا تتناقله وكالات الأنباء ليفضح جهل الموظفين البيروقراطيين. والمخرج الذي يتنقل منذ عشرين سنة في أنحاء العالم ليشارك في مهرجان، أو ليلبي دعوة بخصوص عرض أفلامه، اعتاد أن يواجه إجراءات بيروقراطية كثيرة، لكنها لم تصل إلى هذا الحد من الإزعاج، وهذا ما جعله يقرر إلغاء سفره رغم تدخل السفير البريطاني في النهاية وصدور التأشيرة. لكنه على أية حال كان في زيارة لبلد مجاور في الفترة نفسها، في فرنسا، حيث يعمل على التحضير لإخراج فيلم «غير إيراني» هذه المرة، بطلته النجمة الفرنسية جولييت بينوش وسيصور في إيطاليا. وكان الانترنت مفتوحا بالصوت والصورة بينه وبين مساعدته لمتابعة تنفيذ االعمل، والايميلات بين الطرفين تدور طوال اليوم لإعلامه بتطور البروفات. وما خفف من عبء المهمة أن مساعدته البريطانية الين تايلر هول، كانت قد صحبته في رحلة إخراجه العمل قبل العام الماضي في فرنسا، وتعرف تماما كيف يفكر وماذا يريد من هذا العرض.
تجربة أولى
لم تكن الاوبرا من طموحات كيروستامي في يوم من الأيام، لكن الصدفة هي التي قادته إليها. يحكي في حواره مع صحيفة «التايمز» اللندنية، كيف انه تلقى دعوة غداء من رئيس مهرجان (ايز ان بروفانس) الفرنسي، بمناسبة مشاركته بمعرض تصوير فوتوغرافي في مركز بوبمبيدو بباريس، وكيف انه كان متوقعا انه سيطلب منه إخراج الاوبرا وكان مصمما على رفض الدعوة، من منطلق انه قادم من ثقافة مختلفة تماما لها مرجعياتها المختلفة مع الثقافة الأوروبية، ولايشعر بالراحة مع الاوبرا عموما، وبذلك فهو لا يصلح للمهمة. ولكن المخرج الايراني ولحين انتهائه من غداء العمل كان جوابه الأخير على العرض، بـ«نعم»، فقد أقنعه مدير المهرجان الفرنسي ولم يترك له حجة للرفض.
موزارت والأوبرا
اوبرا (كوزي فان توتي) الكوميدية هي واحدة من ثلاث أوبرات اشتغل عليها الموسيقار النمساوي موزارت في حياته، والاخريين هما «زواج فيغارو»، و«دون جيوفاني». وتتناول ثيمات مثل الحب والخيانة والإخلاص، فتقدم علاقة اثنين من الشباب مع شقيقتين في مدينة نابولي الإيطالية القرن الثامن عشر. يبدو الحب والثقة المتبادلة بين الأحبة أمرا محسوما، لكن لقاء الشابين بالفيلسوف الفونسو يغير من قناعاتهما ويجعلهما يتشككان من الخطيبتين اللتين توشكان على قضاء بقية حياتهما معهما. لقد طرح الفيلسوف الساخر دون الفونسو نظرية تتلخص بأن إخلاص النساء مؤقت وأنه سرعان ما سيتوارى أمام أي ظرف، و«انهن كلهن سواء». ويتراهن مع الشابين على صحة نظريته، وفعلا يمثلا انهما استدعيا الى الحرب، ليعودا ويتخفيا بمظهر رجلين آخرين، ويحاول كل منهما إقامة علاقة مع خطيبة الاخر، اختبار لمشاعرها وإخلاصها. تتواطأ الخادمة ديسبينا مع الفيلسوف من غير ان تعرف بالرهان الاصلي، وتروح تقنع الفتاتين المتمنعتين ان تعيشا حياتيهما لحين عودة الخطيبين، لانهما من وجهة نظرها، لن يكونا مخلصين لهما ان توفرت لهمة فرصة الخيانة. يظهر الشابان الجديدان المتخفيان بحلة ألبانية، أي انهما غريبان، بملابسهما التقليدية وشاربيهما الضخمين، ويحاولان غواية الشقيقتين. وتظهر الممانعة الشديدة في البداية، لكنهما يوغلان في الضغوط العاطفية ومن بينها ادعاؤهما شرب السم فداء لعشقهما، وبعد استسلام مبدئي، تتراجع إحداهما لان لم ترتح لفكرة الخيانة ويحترم رفيقها رغبتها. ثم يكتشف الشابان ان كل منهما وقع بغرام المرأة الخطأ، وكان يجب ان يحب الاخرى لأنها تماثله في الأخلاق. لا تنتهي الاوبرا بغالب ومغلوب، إنما ينصح الفونسو الشابين بالغفران، لان النساء كلهن متشابهات (وهو هنا عنوان الاوبرا في الأساس)، والحب الحقيقي هو في قبول الواقع كما هو وليس في الخيالات الرومانسية.
تفاصيل العمل
صحيح ان كيروستامي لم يخرج اوبرا من قبل، إلا انه استخدم بعض معزوفات موزارت في أفلامه، وعندما قرأ محتوى (كوزي فان توتي)، لاحظ ان ثيمة العمل ليست غريبة عليه، وان «موزارت، يمكن ببساطة ان يكون إيرانيا»! كما انه لاحظ ان بنية العمل تتشابه مع تقاليد «العزاء الشيعي»، من فرح وحزن وفقدان للأحبة، الخ.. وهو شكل من أشكال التعبير الشعبية، اشتغل عليها المخرج أو استلهمها في أعماله. من جهة أخرى لاحظ كيروستامي ان تركيز الاوبرا على ست شخصيات فقط، يخلق في أجوائها نوعا من الحميمية، وهي تماما ما يعمل عليه في أعماله المعاصرة، خصوصا اشتغاله على الشخصيات النسائية. أراد كيروستامي ان يقدم رؤية مغايرة للاوبرا التي تجاوز عمرها المائتي عام، ولم يكن ممكنا لمخرج قادم من خارج الثقافة الاوروبية ان يحطم تقاليد الاوبرا وهو يخرج عمله الاول فيها. لذا كان اشتغاله على الجانب البصري، وهو مجاله كمخرج سينمائي وكمصور فوتوغرافي، فقد لاحظ ان الاعمال السابقة لهذه الاوبرا من خلال مشاهدته للأقراص المدمجة التي سجلت عليها، تبدو خانقة بديكوراتها المغلقة. لذا، اقترح خلفية بصرية مصورة على الفيديو، تظهر شاطئ مدينة نابولي المعاصر في يوم غائم، ليوحي بثقل المشاعر، وكذلك مقطع ثبت في المشهد الاول لافراد من مدينة ايز الفرنسية يتحركون في الشارع ويشكلون خلفية فضولية وهم ينظرون الى ما يحصل داخل المقهى بين دون الفونسو والشابين. وقد قصد بذلك إعطاء إحساس بالمعاصرة، وان ثيمات الحب والثقة والاخلاص والخيانة، لا تزال تنطبق على حاضرنا. أما المشهد الأخير الذي يصور حفل العرس فكان في خلفيته مقطع مصور سابقا للفرقة الموسيقية المصاحبة (التي تقبع عادة اسفل خشبة المسرح)، وكأنها تشارك بالحفل فعليا، فلعب المخرج بذلك على الايهام كما يفعل في افلامه التي تجمع بين الوثائقي والروائي. وساعد الديكور البسيط على تخليص العرض من بزخ مبالغ فيه في فن الاوبرا، قياسا بعصر آخر يختلف تماما عن القرن الثامن عشر. وتم الامر بمساعدة مصممة المناظر والديكور الفرنسية ماليكة شوفو، كما تماشت الاضاءة المستغلة بحساسية عالية مع كل المشاهد والشحنة الدرامية فيها، وكان المشرف عليها جان كيلمان. أود أن أشير هنا الى ان بعض المخرجين السينمائيين سبقوا المخرج الايراني في إخراج أعمال أوبرالية، ومن هؤلاء، البريطاني الراحل مبكرا انطوني مانغيلا صاحب الاوسكار عن فيلم «المريض الانجليزي». مانغيلا قدم اوبرا بوتشيني الشهيرة «مدام بترفلاي» نهاية عام 2005 بالتعاون مع دار الاوبرا الانجليزية ايضا. كما تحول الاميركي وليم فريدكن الحائز على الأوسكار عن فيلمه «فرنش كونيكشن»، من مجرد سينمائي متميز أوائل السبعينات الى مخرج أوبرالي تعاون مع العديد من مسارح الأوبرا في العالم.
نعم لمرة ثانية
أخيراً السؤال الذي يطرح نفسه الآن بعد مشاهدة عرض الاوبرا وقراءة تداعيات العمل فيها: هل سيعيد عباس كياروستومي التجربة ان عرض عليه إخراج عمل اوبرالي آخر. يؤكد المخرج الذي خرجت شهرته عن نطاق بلاده، سعادته بالفكرة وبالتجربة، ويشعر انه يمكن ان يعطي هذا الفن مقاربة جديدة لها، كما فعل في التجربة الأولى. وهو كلام يشجع عليه بهجة الجمهور في واحدة من العروض العشرة التي قدمت في لندن أخيرا، سواء من حيث أداء النجوم أو الإخراج، وكذلك بالموسيقى المصاحبة التي كانت بقيادة السويدي المتخصص بموزرات ستيفان كلينجل، الذي قدم اول عرض له في بريطانيا على الإطلاق.

اقرأ أيضا