الاتحاد

الملحق الثقافي

بساطة مركبة.. ورسائل بصرية موحية وموجعة

مشهد من فيلم إيراني    إبراهيم الملا

مشهد من فيلم إيراني إبراهيم الملا

في الدورة الأخيرة لمهرجان كان السينمائي عرض المخرج الإيراني ـ من أصول كردية ـ بهمن قبادي أحدث أفلامه الروائية الطويلة والذي حمل عنوان: «لا أحد يعرف عن القطط الفارسية»، وهو الفيلم الذي وصف بأنه تحية والتفاتة سينمائية مقدرة نحو الطبقة المهشمة والأصوات المخنوقة والمغيبة في قاع المجتمع الإيراني، واعتبر البعض أن هذا الفيلم سوف يشكل انعطافة جديدة في مسيرة السينما الإيرانية لحقبة ما بعد الثورة.

مرادفات السخط والحرية
يتكئ قبادي في هذا الفيلم على عنوان مخادع وموح في ذات الوقت، فالقطط الفارسية في فيلمه ما هم إلا الشباب المنتمين لطبقة «الأندرغراوند» الساعية للتعبير عن هواجسها وتطلعاتها الفنية بلا قيود أو حواجز أو مرجعيات معيقة، وتقوم من أجل ذلك بتكوين فرق موسيقية سرية في الأنفاق والدهاليز وكواليس المدينة البعيدة عن سلطة الإقصاء والملاحقة.
سبق لقبادي تقديم أفلام ذات لغة فنية رفيعة تتحدث عن معاناة الأكراد وأحلامهم المعطوبة في غبار المنافي والحروب على الحدود العراقية والإيرانية، فمن دون شعارات صارخة أو ضجيج أيديولوجي قدم قبادي أفلامه بحساسية شعرية وتجريد مؤلم وغائر في الوجوه والقصص والحالات الإنسانية المحطمة والعاجزة، نذكر من هذه الأفلام: «وقت للخيول الثملة» في العام 2000 و«السلاحف تستطيع الطيران» في 2004 و«نصف قمر» في 2006، ولكنه في فيلم «القطط الفارسية» لجأ إلى تكنيك إخراجي جديد، وإلى موقع جديد أيضا من حيث الموضوع والمعالجة الفنية، حيث يذهب هذه المرة ومن خلال مغامرة إخراجية خطرة إلى قلب مدينة طهران والضواحي المحيطة بها كي ينقل صوت الموسيقا المحرمة ـ حسب القوانين الرقابية السائدة ـ والتي يتعاطاها الشبان الإيرانيون وينتجون إسطواناتها ويتداولونها ويوزعونها من خلال شبكات خفية ومتوارية تتهرب من سلطة السائد وتقاوم أيضا بصمت عميق يشبه المناخ الداكن الذي تقيم فيه وتُصَدّر من خلاله كل مكبوتاتها الفنية المعبرة عن السخط والحرية. في إحدى الحوارات التي أجريت معه بعد عرض فيلم «القطط الفارسية» صرح قبادي بأن هذا الفيلم لن يعرض في إيران وقال أنه لجأ للكذب على السلطات الإعلامية وأوهمهما بأنه يصور فيلما وثائقيا عن ظاهرة انتشار المخدرات وسط شبان العاصمة، ولتمرير هذه الكذبة استخدم قبادي دراجته النارية وكاميرته الرقمية الخاصة كي يتفادي الإجراءات المعقدة والضاغطة عند استخدام المعدات والكاميرات السينمائية الرسمية. ولعل هذا الشريط السينمائي المعبر عن القسوة التي يعامل بها الشبان المتمردون من قبل السلطات هو أحد الإضاءات المكثفة التي تلامس واقع الحال الإيراني خصوصا بعد الهزات الداخلية العنيفة التي تلت إعلان نتائج الانتخابات الأخيرة. ويبدو أن قبادي الذي استفاد من إرث غني وحافل للسينما الإيرانية منذ بداياتها في العام 1900 وحتى اندلاع الثورة الإسلامية في العام 1979 والتي انطلقت فيها السينما الإيرانية ـ وبعد إشكالات رقابية عدة ـ إلى فترتها الذهبية مع ولادة أسماء إخراجية زاهية مثل محسن مخملباف وعباس كيارستمي ومجيد مجيدي وبهرام بيضائي ومسعود كيميائي وداريوش مهرجوئي وأمير نادري وكيانوش عياري وغيرها من الأسماء التي طبعت أسلوبها وبصمتها الروحية والفنية على ثلاثة عقود من الإخلاص والتفاني والتضحية من أجل التعبير عن الواقع بكل تقلباته الجديدة والقفز بهذا الواقع من مناطقه المرة والقاحلة إلى مناطق أخرى شهية وحالمة.
صدمة الواقع
شهدت فترة ما بعد الثورة بعض المفارقات المربكة والمفرحة أيضا في مسيرة السينما الإيرانية، فرغم أجواء الحرية والبذخ والانفتاح التي طبعت فترة حكم الشاه رضا بهلوي إلا أن الطابع التجاري والترفيهي الفج الذي رافق إنتاج الأفلام في تلك الفترة جعل من السينما وسيلة للتسلية واستنساخ الأفلام الغربية والهوليوودية لمجرد الخروج من عباءة المحافظة والتمرد الشكلي على قوانين العهد القديم، ورغم هيمنة هذه الأفلام الصفراء على المشهد السينمائي في فترة الشاه إلا أن بعض الأسماء الطليعية والموهوبة كانت تقاوم هذا المناخ الضحل بدأب وإصرار لا يتوقفان، هذا التيار المعاكس كان يبحث أيضا عن قصص من الداخل يمكن أن تدير رؤوس المنتجين والقائمين على السينما نحو كنز من الحكايات ومن أجواء التصوير التي تتميز بالخصوصية المحلية وتتوفر في ذات على أبعاد إنسانية وتحليلات عميقة للواقع ولتمزقاته غير المرئية. فعندما قدم المخرج داريوش مهرجوئي فيلمه التحفة «البقرة» في بداية السبعينات شكل هذا الفيلم انقلابا في مفهوم التعاطي مع المواضيع السينمائية في إيران، فمن خلال قصة رجل يتقمص الحالة الحيوانية لبقرته التي فقدها قدم مهرجوئي شريطا صادما ومروعا لتفاصيل الحياة في الأرياف، وأفصح الفيلم عن لغة متجاوزة بمراحل للسائد السينمائي، وتحول إلى أيقونة سينمائية للمخرجين الشبان الذين خرجوا من معطف الثورة وهم أكثر حماسا لإنتاج أفلام إنسانية عميقة أسست فيما بعد لاتجاه سينمائي متفرد على غرار الاتجاهات اللافتة للسينما الإيطالية والفرنسية والروسية والصينية والكورية فيما بعد، استفاد هؤلاء المخرجون من جو الانفتاح على السينمات الأخرى في زمن الشاه واستثمروا هذا العنصر جيدا في زمن ما بعد الثورة، فأبانت السينما الإيرانية عن ميزة غريبة في التوليف البصري والموضوعي للأفلام، وظهرت موجة سينمائية جديدة على مستوى العالم استفادت من المتناقضات الاجتماعية وسياسات المنع والرقابة كي تقدم سينما مشحونة بالرمز والتنويع البصري ومجاراة عوالم الطفولة وجراحات الحروب وصدمة الحداثة وغربة الريف كي تطلق مصطلحا لصيقا بها يمكن أن نسميه: «البساطة المركبة» ـ حتى لا نقول المعقدةـ والتي مزجت بين الشكل الوثائقي والمحتوى الروائي، واتكأت على ممثلين هواة وغير محترفين يقفون لأول مرة أمام الكاميرا كي يضخوا شحنة من الواقعية الصادمة في نسيج الفيلم، اعتمدت هذه الأفلام أيضا على ديكورات الطبيعة الفطرية والباذخة بشعريتها وشفافيتها الممنوحة للكاميرا على الدوام.
صيغة تصالحية
ساهمت هذه المحاولات الطموحة في وصول السينما الإيرانية إلى منصات التتويج في المهرجانات العالمية الرصينة مثل كان وبرلين والبندقية، ولفتت أنظار النقاد نحو موجة جديدة تجاوزت كل عقبات الرقابة وقدمت سينما مذهلة على مستوى الوعي والتعبير رغم بساطة التكنيك وانسيابية الصورة. لفتت هذه المحاولات أيضا أنظار المسؤولين في الداخل كي يصيغوا حالة سينمائية تتوفر على الاتزان والمرونة واستيعاب الأفكار الجديدة مع عدم تجاوز الخطوط والثوابت والأعراف الرقابية العامة المتوائمة مع أفكار الثورة، أثمرت هذه الصيغة التصالحية عن إنشاء مؤسسة «فارابي السينمائية» في العام 1983 المعنية بخلق سينما وطنية تحمل هويتها الثقافية الخاصة وتمنح الأولوية للإنتاج الإيراني في صالات العرض. وكما تقول الإحصاءات الرسمية فإن مؤسسة فارابي استطاعت أن تحقق قفزة في حجم الأفلام المنتجة والتي وصلت إلى الرقم 450 فيلم تراوحت بين التسجيلي والروائي ما بين الأعوام 1983 و1992، وحظيت معظم الأفلام الروائية المنتجة في تلك الفترة بإشادات وجوائز عالمية مثل فيلم: «الراكض» وفيلم: «ريح، ماء، غبار» للمخرج أمير نادري، و«أين منزل صديقي» و«كلوز آب» لعباس كيارستمي، و«ما وراء النار» لكيانوش عياري، و«كابتن خورشيد» لناصر تقوايي. ولكن حتى هذه الصيغة التصالحية كانت محاطة بشروط وإملاءات أرضت البعض ولكنها أحبطت الأفكار والسيناريوهات الافتراضية للكثير من صناع الأفلام في الداخل. وكما تذكر الباحثة ديبورا يانغ المتخصصة في السينما الإيرانية فإنه في الوقت الذي ساعد فيه النظام بحماس بعض الأفلام الفنية الخالصة لمخرجين في منزلة عباس كيارستمي فإنه ظل يناشد في كل مناسبة ـ وعلى نحو استبدادي ـ عرقلة جريان الأعمال السياسية المشبوهة، فمثلا حصل عدد من أفلام مسعود كيميائي، وفيلم بوران درخشندة: «الزمن الضائع» الذي يطالب بالمساواة بين الجنسين على أقل الدرجات في سلم التصنيف، ما يعني مصادرة هذه الأفلام وطمسها وحرمان الجمهور في الداخل من الإطلاع عليها.
أسماء وعلامات
عند التطرق للأسماء المنتمية للجيل الثاني والتي صنعت ثورتها السينمائية الخاصة بعد الديكتاتورية الملكية في إيران، لابد لنا أن ننوه بمخرجين تحولوا إلى علامات فارقة ومؤسسات بشرية مستقلة تعمل بجهد خرافي ومخلص لنقل العدوى السينمائية الجميلة إلى الجيل الجديد من صناع الفيلم المحليين. يبرز اسم المخرج محسن مخملباف هنا كأحد الرموز القوية والمخضرمة التي عاصرت زمنين مختلفين وعاشت تجربة السجن في حقبة الشاه والمنع والمطاردة والتضييق في حقبة ما بعد الثورة، ولكنها خرجت بقيمة مضاعفة من الهوس والعشق بحيث تحولت السينما عند مخملباف مثلا إلى سيرة ضارية وفاتنة توازي سيرة الحياة ذاتها، في فيلم: «راكب الدراجة» 1989 صور مخملباف بكاميرا هاذية ومدوخة قصة اللاجئ الأفغاني الذي يستمر في قيادة دراجته لمدة أسبوع كامل ودون توقف كي يسدد نفقات علاج زوجته المريضة، وفي فيلمه التالي: «زواج مبارك» قدم مخملباف نقدا مبطنا للحرب الإيرانية العراقية من خلال الجرحى والمعوقين الذين ورثوا عاهة الحرب المدمرة قبل أن تتحول حياتهم إلى تدوير مؤلم للمأساة الجسدية والجرح النفسي، في مرحلته الثانية مع عالم الأفلام قدم مخملباف أعمالا تمزج بين الواقعية والسريالية متجاوزا بذلك النقد والتعبير الغاضب المبثوث في أفلامه السابقة، فجاء فيلم «غابيه» أو السجادة كنشيد بصري يجمع بين الحس الملحمي والأسطوري وبين قصة حب بسيطة تتحول إلى لوحة من الألوان والغايات الروحية المحلقة فوق بؤس وخيبات الواقع. نقل مخملباف حماسه السينمائي المطرد إلى عائلته المكونة من زوجته مشكيني وابنتيه ميسم وسميرة التي اشتهرت بفيلميها الجميلين: «التفاحة» و:«الألواح السوداء» وتحولت هذه العائلة السينمائية إلى ظاهرة نادرة في عالم صناعة الأفلام في العالم. من الأسماء الأخرى التي استأثرت باهتمام عالمي يأتي اسم عباس كيارستمي في الواجهة دائما مع أفلامه التي أنحازت في مراحلها الأولى لمعضلات الطفولة والقصص الواقعية والأليفة الموزعة بين ثيمة الجرح والأمل، ويتصدر هذه المرحلة فيلمه الرائع: «أين منزل صديقي»، أما في مرحلته الثانية فكان تأثير النسق التجريبي واضحا على أفلامه ونذكر منها: «عشرة «، و«سوف تحملنا الريح» و«كلوز آب» والتي تضمنت الأسلوب التسجيلي الصرف مع شيء من المناورات المعقدة على مستوى الفكرة والمضمون. أما المخرج مجيد مجيدي فقدم في فيلمه الاستثنائي: «صبغة الله» ـ ترجم البعض العنوان خطأ إلى «لون الجنة» ـ قصة صبي أعمى يتعامل مع عناصر الطبيعة من خلال حاستي اللمس والسمع، ويعيش مأساة شخصية عميقة مع والده الذي يعتبره فألا سيئا وتتنازعه عواطف شرسة للتخلص من هذا الطفل المعاق وسط بيئة ريفية ناعمة تتجلى فيها ألوان الطبيعة والموسيقا الشفافة والفطرية بينما يتحول الإنسان فيها ورغم كل الجمال الطافح إلى بؤرة تستقطب الشرور والنوازع المدمرة. وبالإضافة إلى أسماء أخرى مثل بهرام بيضائي وأمير نادري وناصر تقوايي ورخشان بني اعتماد وفريال بهزاد فإن الجيل الجديد في السينما الأخرى قد يكون على وعد آخر مع القراءات الراهنة للواقع وتغيراته المحتملة، كما يمكن لهذا الجيل أن يؤسس لحراك وثورة ثالثة في مسيرة السينما الإيرانية، فمع اللغة الاحتجاجية العالية التي تتصدر الشارع الإيراني هذه الأيام يمكن للسينما أيضا أن تقول كلمتها بصورة أشد حدة وأكثر إيلاما وكشفا للواقع الحقيقي الذي يفور ويتماوج تحت واجهات وشعارات السياسة والسياسيين

اقرأ أيضا