الملحق الثقافي

الاتحاد

دفاعاً عن الشعر

من حق بعض الناس أن يتحرجوا من قراءة النصوص الشعرية التي تتعلق بالتجارب ذات الحساسية الدينية أو الأخلاقية، مثل الغزل المكشوف، والتجديف، والخمريات والهجاء اللاذع، وغير ذلك من أشكال التعبير التي قد تؤذي ضميرهم، أو تجرح حسّهم المحافظ. لكن ليس من حقهم أن يفرضوا رؤيتهم تلك على من يختلفون عنهم في الوعي والثقافة، ومن يدركون أن التقاليد الأدبية تجنح إلى الحرية، وتتسم بالتسامح وتحرص على التعدد، وتقدمه بجسارة لافتة. ويكفي أن نستعرض موقف الأجيال الأولى من رواة الشعر العربي وعلمائه في عصر صدر الإسلام لنتبيّن كيف كانت حفاوتهم شديدة للنصوص الجاهلية على ما تحفل به من كل هذه العناصر، كما كان تقديرهم لفحول الشعراء من المحدثين من الأخطل إلى أبي نواس وأبي تمام وابن المعتز دليلاً دافعاً على الاعتداد بالنماذج الشعرية الرفيعة بغض النظر عن طبيعة موضوعاتها وتجاربها أو اتساقها الحرفي مع قيم المجتمع السائدة. فهذا ابن عباس يتحدى من يأخذ عليه رواية الشعر الفاحش في المسجد، فينشد شطراً يقول «إن تصدق الطير.. لميسا» ويقيم الصلاة على التوالي دون أي حرج، وهذا القاضي الجرجاني ينبه دون لبس على أن «الشعر بمعزل عن الدين، وهو يقوى في الشر» ويتولى الشيوخ أنفسهم، وهم مثقفو العصر وكتابه، مهمة تدوين هذه الأشعار وشرحها دون ممارسة أية رقابة عليها. فإذا احتكمنا إلى منظور الفكر النقدي الحديث لتأسيس هذا الفصل بين أحكام القيمة المجتمعية والمستوى الفني للنصوص الشعرية أمكن لنا إيجاز القول في النقاط التالية: أولا: لا يزال الشعر حتى اليوم يقوم بوظيفة المدونة اللغوية الكُبرى للمفردات والتراكيب والانساق التعبيرية، ولا يمكن اختزال بعض نماذجه وإفقاد اللغة ثروتها المكتسبة. ثانياً: يعتمد الشعر على المستوى المجازي للغة في توظيف التخييل والتصوير والرمز، ومن ثم فإن بنيته الأسلوبية تتداخل فيها التجارب والأشكال بطريقة تحُول دون هذا الاختزال، وتجعل من العسير فهم التجارب الأخرى الحيوية والتعبيرية في مختلف مناحي الحياة عند بتر نصوص منه. ثالثاً: لأن ثراء الشعر العربي يعتمد على تعدد الرؤى الكونية والإنسانية للحياة وليس بوسع دارس الثقافة أن يمارس رقابة لاحقة على المبدعين السابقين، ولا أن يفرض قيوداً مسبقة على مستقبل الكتابة، ويظل فعل الإبداع وفعل القراءة مظهراً لممارسة الحرية، ومن يتنازل عنها لا يحق له أن يطالب غيره بذلك. رابعاً: لما استقر في فلسفة الفن اليوم من أن التمثيل الجمالي المتقن لمظاهر الشر والقبح ـ على فرض التسليم بأن هذه التجارب كذلك ـ يعد من قبيل تجليات الخير والجمال في مستواهما الإبداعي الرفيع. خامساً: لأن تجاهل هذه النماذج يؤدي إلى إغفال أخطر التجارب الفكرية والوجودية وينتهي إلى تقليص الثقافة الحية وتكريس أحادية المنظور ومسخ التاريخ، كما يؤدي من ناحية أخرى إلى تقليص القدرة على فهم التجارب الإبداعية الأخرى المتواشجة معها في الصور والأخيلة مما ينتمي إلى عوالم حسية وروحية رحبة، ويظل على من لا يطيق هذه الحرية الإبداعية أن يعفي نفسه من مسؤولياتها ويحرم ذوقه من التمرس بأشكال مُغايرة من الخبرات الحيوية والجمالية النابضة

اقرأ أيضا