الاتحاد

الملحق الثقافي

سطوة المشرق

ثمة في أدبيات المغرب العربي صفحات مطوية لم يقع التلفت إليها، والحال أنها تكشف العلاقة بين المشرق والمغرب وتترجم إحساس المغاربة بالغبن والاقصاء والضجر من تسلّط المشرق باعتباره المركز الذي ما فتئ، في نظر المغاربة، يهمّش محيطه ويقصي أطرافه. يكتب الشابي مثلا، محدّثا صديقه الناقد محمد الحليوي عن الحفاوة التي لقيتها مجلة «العالم الأدبي» بالمشرق العربي: «ماذا أحدثك عن العالم الأدبي أولا، والعالم الأدبي ثانيا، لقد أحدثت من الرجّة في الخارج ما أحدثت وغيّرت نظرة الشرقيين الى تونس تغييرا ما كانوا يتوقّعونه وأصبحوا ينظرون إليها نظرة لم تكن من قبل... أرأيت أيها الصديق كيف كانوا يتصوّرون تونس قبل الآن؟ لا إخالهم يحسبونها إلا كالسودان وأعماق أفريقيا الجنوبيّة». ويأتي ردّ الحليوي طافحا، هو الآخر، بالضجر من سطوة المركز وسلطته. نقرأ: «أخي العزيز، لا أقول لك جديدا إذا قلت إني كنت تارة أتألّم وأحزن لحالتنا البائسة وتشتّت قوانا وخفوت أصواتنا وخلوّ تونسنا من كلّ حركة فكرية وكل حياة أدبيّة... ثم أسخط وأحنق تارة أخرى على الشرقيين عامة، والمصريين خاصة، أولئك الذين لا يزالون يحسبوننا من الهمج ـ كما قلت ـ فلا يرون لنا أية مزيّة ولا يعترفون لنا بأية مكانة ويسقطوننا من حسابهم كما يسقطون من حسابهم زنوج أفريقيا وهنود أمريكا بل ولا يعرفون بالضبط، حتى موقع بلادنا من أفريقيا الشماليّة». على هذا النحو تنتصر الذات الكاتبة لنفسها وتنجز البعض من ثاراتها. ولا يقع التفطّن الى ما في هذا الخطاب المتذمّر من التحقير والاقصاء والتهميش من تتفيه عرقي لشعوب أخرى تنعت بكونها من الهمج. هذا الموقف المتذمّر من سطوة المركز وتعاليه هو الذي جعل العديد من النقاد ينطلقون من قناعة عبّر عنها عبدالله كنون في مقدّمة كتابه «النبوغ المغربي» قائلا: «كثر عتب الأدباء في المغرب على إخوانهم في المشرق، وإنكار كثير منهم لكثير من مزاياهم. ولكن أعظم اللوم في هذا مردود على أولئك الذين ضيّعوا أنفسهم وأهملوا ماضيهم وحاضرهم حتى أوقعوا الغير في الجهل بهم والتقوّل عليهم... ونحن نعتقد أننا بتقديم هذا الأثر الضئيل الى الدوائر العلمية سنزيل كثيرا من التوهّم والتظنّن في تاريخ المغرب الأدبي، وسنرفع حجاب الخفاء عن جانب مهمّ من الحياة الفكرية لأهل هذا القطر. وسوف يقتضي تجنّي إخواننا من بحّاث الشرق على آثارنا وتحاملهم على آدابنا لأن ذلك لم يكن منهم عن عمد وسوء قصد وإنما هو ارتياء واجتهاد». عن هذه القناعة ذاتها صدر عباس الجراري في كتابه «الأدب المغربي من خلال قضاياه وظواهره» فجزم بأن «موقف المشارقة دارسين ونقادا من انتاج المغاربة يمليه سببان رئيسيان: أولهما الجهل، فهم لا يعرفون أو لا يريدون أن يعرفوا ما عند غيرهم••• والثاني روح التّنقيص التي ينظرون بها دائما الى أعمال المغاربة»

اقرأ أيضا