الاتحاد

الملحق الثقافي

قصيدة سردية تحتفي بالعواطف

في طبعة أنيقة أنجزتها منشورات «ليتوغراف» في طنجة، يطل علينا الشاعر الإسباني الشهير خورخي أوروتيا في عمله الشعري «تلفظ مجهول، يليه ابتداع اللّغز» بترجمة عربية تفنن في إنجازها الشاعر المغربي خالد الريسوني، الذي سبق له أن ترجم الكثير من الشعراء الإسبان وشعراء أميركا اللاتينية، كما اشترك مع الشاعر ترينو كروث في ترجمة بعض دواوين الشعراء المغاربة والعرب إلى اللغة الإسبانية، وهو عضو اتحاد كتاب المغرب وبيت الشعر بالمغرب، وعضو مؤسّس لجمعية أصدقاء لوركا في مدينة تطوان.
يستهل المترجم خالد الريسوني هذا الديوان المترجم بورقة عميقة يتعرف من خلالها القارئ العربي إلى الشاعر خورخي أوروتيا. يقول فيها: «هو شاعر وناقد أدبي وباحث ومترجم، ولد بمدريد سنة 1945، لأب شاعر أيضاً بل أحد الشعراء الأساسيين في إسبانيا، وهو ليوبولدو لويس الذي كان أحد المساهمين الرئيسيين في مجلة المعتمد التي كانت تصدر بالعرائش ثم بتطوان في أواخر الأربعينات وحتى منتصف الخمسينات من القرن الماضي، وهي المجلة التي يعتبرها الشاعر والباحث المغربي محمد بنيس عنوان بداية التحديث الشعري في المغرب، درس خورخي أوروتيا في الثانوية الفرنسية بمدريد، وحصل منها على الدكتوراه في الآداب الرومانية بميزة تقديرية عالية، اشتغل بجامعة إشبيلية وجامعة إكستريمادورا قبل أن يلتحق بجامعة كارلوس الثالث بمدريد، وهو أستاذ زائر بعدد من الجامعات أهمها جامعة نورث وستيرن بالولايات المتحدة الأميركية، وجامعة بورغون بفرنسا، وجامعة محمد الخامس بالرباط بالمغرب، وجامعة باليرمو بإيطاليا، وجامعة باريس 8 بفرنسا، وجامعة بوينوس إيريس بالأرجنتين، وجامعة أسونثيون بالباراغواي. في سنه العشرين نشر خورخي أوروتيا بكاراكاس ديوانه الشعري الأول والمعنون بـ«دمعات مالحة» 1966، وبما أن الأندلس ومالقة تحديداً كانا دائما نصيرين لكل إبداع شعري متميز حتى وهو يخطو خطواته الأولى، فقد تكلفت مالقة بنشر أحد بواكيره الشعرية «الحب غنى الأول» 1967، وفي برشلونة المتفردة بتقاليدها الشعرية وبمتابعتها للأصوات الجديدة ستصدر قصيدته «بالسيف في فمي» ضمن أنطولوجية تضم شعراء جدد آخرين، ثم ببلباو وفي العام الموالي سينشر عملاً شعرياً آخر هو «النبع مثل طائر متخف»، هذه الدواوين الشعرية ستشكل أولى المراحل في مسيرة خورخي أوروتيا الشعرية، إنها مرحلة تميزت باحتفائه الخاص بشعر جيل 27 الشعري، وهو ما يعكس إلى حد ما اختيار الشاعر لأحد عناوين نصوصه «بالسيف في فمي»، الذي حاور بشكل ما عنوان ديوان شعري لبيثينطي ألكسندري «سيوف كالشفاه»، إن خورخي أوروتيا في هذه المرحلة كان يبحث عن صوته الشعري، لكن ما سيحدث فيما بعد سيكون رهيباً: صمت سيمتد تسع سنوات، هي سنوات قاسية من تاريخ إسبانيا: السنوات الأخيرة من عمر الدكتاتورية الفرنكوية، لكن خورخي أوروتيا سيعود ثانية إلى الشعر، مع ولوج إسبانيا الكامل عالم الديمقراطية، بل مع حصول بيثنطي ألكسندر على جائزة نوبل للآداب، وسينشر تباعاً أعمالاً شعرية ستشكل المرحلة الثانية في مسيرته وهي: «الدرجة الشرسة للكتابة» 1985، وأخيراً «العبور» 1987 الذي يعتبر تتويجاً لهذه المرحلة وخاتمة لها. إن المتأمل لعناوين هذه المجموعات الشعرية لا يمكنه أن يغفل عن الدلالات والإشارات التي تتضمنها، بإحالتها المباشرة على بعض انشغالات الشاعر الفكرية المرتبطة بمفهوم الكتابة وقضاياها، فمجموعته الأولى ضمن هذه المرحلة والمعنونة بـ«الدرجة الشرسة للكتابة» تستحضر، مع لعبة تحوير واضحة، عنوان كتاب رولان بارث الشهير «الدرجة الصفر للكتابة»، إنه احتفاء خاص بمقاربات هذا الناقد الفرنسي الذي شكلت عدته المنهجية زاداً أساسياً لخورخي أوروتيا في أبحاثه ومقارباته النقدية، فافتتاح أوروتيا هذه المرحلة بمثل هذا العنوان الدال يحمل إشارة فصيحة إلى بعض الانشغالات الذاتية لشاعرنا خلال سنوات الصمت التي أعقبت نهاية المرحلة الأولى، وهي السنوات التي كرسته كناقد أساسي، وسيمولوجي لامع في الآداب الإسبانية، أما مسار النشر الذي سيقطعه أوروتيا خلال هذه المرحلة، فهو مسار له دلالته ورمزيته حسب قول خالد الريسوني، حيث انتقل من الهامش إلى المركز، من دور نشر عادية جداً إلى دور مكرسة شعرياً في إسبانيا، كما هي الحال بالنسبة لدار النشر بيثور ودار هيبيريون للنشر، وكلتاهما بمدريد، وقد كان من نصيبهما تباعاً نشر مجموعتيه الشعريتين «تحديدات» و«العبور»، وبرأي خالد الريسوني فإن ديوان «العبور»: «يعتبر عملاً أساسياً في مسيرة خورخي أوروتيا الشعرية، لأنه يمثل الاكتمال والنضج الشعريين، إن ديوان «العبور» هو نتاج طبيعي لشعر يحتفي بقصيدة النثر كشكل للكتابة، والشاعر يمضي بنا نحو حدودها القصوى متمثلة في السرد، والحدود هنا تفرض بصرامة سميولوجية إخضاع البنية للحكاية وللمحتوى، فالقصيدة حينها تتجاوز الهوامش التي تفرضها القوالب العروضية، وهكذا يمتد سردها عبر 26 فصلاً، ويشكل إيجازها علامة مميزة لتجنيسها الأدبي، كما أن هناك علامة أخرى تنبه القارئ ومنذ البداية إلى أنه أمام عمل شعري، ويتعلق الأمر باختيار ضمير الخطاب كذات ساردة، إنه مخاطب يعمق المسافة بين الذات الواقعية والذات المتخيلة من جهة، ومن جهة أخرى ييسر تخييل الأنا الشعري». يشير خالد الريسوني أن ديوان «ابتداع اللغز»: «الموزع عبر خمسة أجزاء، والمحتفي بالأحاسيس والعواطف الإنسانية، يعتني أوروتيا عناية خاصة بالجوانب الشكلية، وخصوصاً الأوزان العروضية، وهذا عنصر آخر يتقاسمه الشاعر مع الجيل الثمانيني، على الرغم من أنه ليس عنصراً محدداً يتحكم بشكل مطلق في اختياراته، فهو ينتقل بين قصيدة النثر والقصيدة الموزونة وفقاً لأشكال عروضية تقليدية هي: (السونيت واليلفا والخماسيات المسجعة)، أشكال تختزن تراكماً غنياً من التجارب الشعرية الرائعة من العصر الذهبي للشعر الإسباني، مثل التجربة الشعرية لسان خوان دي لاكروث الذي يستشهد خورخي أوروتيا ببيت شعري له في استهلال ديوانه «ابتداع اللغز»، وتخلق مثل هذه الأشكال أجواء تقربنا من عوالم ماشادو، أجواء نحس فيها أصداء الماضي فيما يشبه المحاكاة، مع تعديلات تقتضيها شروط التحديث

اقرأ أيضا