الاتحاد

الملحق الثقافي

آل زعل.. ثلاث جمرات وهّاجة في الشعر النبطي

ثلاثة إخوة أحمد وزعل وسعيد بن سيف بن زعل الفلاحي، نظموا القصائد وقالوا شعرهم بالسليقة وأتقنوا فنونه بالسماع فذهبوا بأذهان مستمعي شعرهم على الأُسَر الشاعرة التي يتوارث فيها الأبناء الشِعْر عن آبائهم جيلاً إثر آخر.
والشعراء الثلاثة لآل زعل يمكن اعتبارهم من جيل الشعراء المُخضرمين في دولة الإمارات العربية المتحدة. ذلك أنّهم عاشوا حقبة ما قبل ظهور النفط والنهضة كما عاشوا إرهاصات النهضة وتباشيرها الأولى. وظهرت معالم تلك المرحلة الانتقالية جليّة في قصائدهم الوافرات. ولهذا بدت واضحة في قصائد الأخوة الشعراء ـ أحمد وزعل وسعيد ـ ملامح بيئتهم الأصيلة بمعالمها الطبيعية البِكْر مِن: رمال وطعُوْس وأعشاب وغيوم وبروق ومزون، ورِكاب ودروب، ورحلة بين المُنادي والبيوت، وظعون وغدران وطِوْيَان وبدوع. كما ضمّت قصائدهم الشعرية السهرات في الليل الهادئ، والنار المرتكزة إلى جمراتها الوهّاجة دِلاَل القهوة العربيّة التي يضوع شذاها برائحة قنادها. أو الأحباء الذين اجتمعوا من كلّ بيت إلى كبيرهم يتسامرون ويتذاكرون تُؤنسهم نجوم السّماء التي يعرفونها كما يعرفون أبناءهُم، ثم يذهبون للرقاد تحتضن صورة لحبيب شغل البال فمنع الجفن من أن يزوره الكَرَى، فتدفق الشعر يغسل الهمّ ويُبرِّد الفؤاد وتدور دورة الحياة مع الأجيال. وبنهضة قيام الاتحاد في دولة الإمارات العربيّة المتحدة وارتفاع البناء والتنمية التي عمّت البلاد بالخير العميم، فقد طرأت على الإخوة الشعراء آل زعل رياح التغيير في قصائدهم حيث برزت فيها المعالم الأولى للبيئة البديلة التي تمددت على حساب البيئة الأولى، بيئة البادية البسيطة، بيئة النفس الإنسانية الحُرّة التي لا تحتمل القيود والأوامر، إذ أحسّ هؤلاء الشعراء بغربة في حياتهم الجديدة وهم يعملون في شركات النفط بعيداً عن البيئة التي ألِفُوها في الماضي، ممّا دفعتهم المرارة في النفوس إلى مزيد من الحنين إلى البيئة الأم وحياة الأهل والتشبث بهما كملاذ وملجأ للنفس من البُعد والجفاء عن ديار الأهل والخِلان، فصورت قصائدهم فترة الانتقال الحضاريّ هذه بأبلغ تعبير عن التحوّلات الحادثة في بنيّة المجتمع المحليّ، وأدقّ رصد لآثارها المُنطبعة في نفوس العامة وفي ذات الشعراء الثلاثة للتعبير عن خلجات الأفئدة الراحلة صوب الديار البعيدة في مفازات الفيافي والبوادي الأنيسة. أحمد آل زعل أما ديوان الإخوة آل زعل، فقُسِّمَ إلى ثلاثة أقسام للإخوة الشعراء أحمد وزعل وسعيد، الذي حوى مجموع قصائدهم. وتحدث القسم الأول عن الشاعر أحمد بن سيف بن زعل الفلاحي وهو من مواليد محضر الظويهر في العام 1900م في منطقة ليوا في إمارة أبوظبي، والذي توفاه الله تعالى في أواخر القرن العشرين، وهو أصغر إخوته الشعراء آل زعل. وضمّ هذا القسم على مجموعة من قصائد الشاعر أحمد وهي: «نسل الأحرار، يالله، أزمت كالبير الهديم، البارحة في نوم لخلوق، باديٍ في راس متعلّي، حيّ بشرتاً لفاني، البارحة ساهر ولا غضيت، ياالله أنا طالبك، يا مرزوق الخلق، أنا البارحه ما أمسيت، بات ساهر، وصف الحبيبه، وقت العصر، فراق الأحبّه، حيّ بشرتا السواري، لوعة الفراق، جنون الحب، قال منهو بالمثايل ما يعيل، ريمةٍ في صورة إنسانه، أوِنّ ونّات المراديد، البارحه ما غضّت العين، افترقنا، قال الذي ما تنام عينه، ابتلاهم حب إنساني، حالي غدا مستعلّي، ما غضت العين ياذيبان، ذكّرتني بالبّر يا سيف، سرحْت وفؤادي مكاني، ونّ القلب بعباره، أرقى رؤوس العلايا، يا كامل الأوصاف، ونّة عليل، حلوم الهوى، وآخرها قصيدة صابر». ويقول الشاعر أحمد آل زعل في قصيدته «حيّ بْشرتا لفاني»:
حــــــــيّ بْشرتــاً لفانـــي لــــــي مــــن جـــِدا لمغيـــبْ ليمــن سنـــعْ خِلاَّنــــــي جـــابــــت ريح الحبيــب هــــَبّ وْنـــوده حَيَانـــي لـو أــنا مريض آطــيــب لـــي نامـــت الدِّلهانــي مَقْطــوعــــين النّصيـــب يِتْوَقّـــــــظ الولهانــــــــي لــي يذكـــر لــــهْ حبــيب مــا غمّضــت لَعيانــــي ودمع النّاظر صِبـيب لـــو خـــَلاّك الزمانــــي يمْحق شَعَرْك الشـيب يْــــراويــــك الهِوانـــــي الــــذلّ عقـــــب الطيـــــب عـــــوقٍ غدا عَضْلاني مـــــا يَشْفِيــه الطبيـــــب قُم دِنِّ لـي ظبيانــــــــي مــا هوب دُوي وْجَيب يــــا من دِيار عْمانــــي ومكَمـــــــــّل التاديــــــــــب با نْصَى ذَرب المعاني لــي مــــا غـيره حبـيــــب آخَبـــــْرِه مرحبانــــــــي مــا هو وجهه غَضيــب
أما قصيدة «يا كامل الأوصاف»، فقال فيها:
بــــا بـــو عيـــنٍ ثِليلــــــــــهْ يـــا كامل الأوصــــافْ ما احْلى ذيك الجِديله على نْحَرٍ ما انْشافْ يــدرَا شَرْهـــَة خليلـــــــه ولا هوب من لِخْفاف يــــدرَا وايِـــــد حليلـــــــــه نَسْل العرب لاَشرافْ اسمه مـا ينْهجــــي لــــه مــا بيـــــن لام وْكــــافْ وخدّه ياضـي شعيلــه أبــــو ثِمـــــان ارْهــــافْ
الشاعر زعل آل زعل
والشاعر الثاني من ديوان آل زعل، هو زعل بن سيف بن زعل الفلاحي، الذي جاء الحديث عنه في القسم الثاني من الديوان، وهو من سكنة الظويهر في ليوا والذي عرفه أهلها، والمولود فيها العام 1898م وتوفي مطلع الثمانينات من القرن الماضي، وهو أوسط الإخوة آل زعل. وقد عُرِفَ عن الشاعر زعل آل زعل أنّ بيته كان مفتوحاً للضيوف ويتوافد عليه الناس لاحتساء القهوة والتسامر فيما بينهم. أما قصائده في الديوان فجاءت على النحو الآتي: «أنا بادي، دلما، خفق قلبي، غزال، يا فهيم القول، يا عديل الروح، قدرهم وافي، فراق، يا ما جرى لي، الهجر، البارحه، الهوى منساي، لو آكل فروت، ويا شقاي». وقال الشاعر زعل آل زعل في قصيدته المعنونة «أنا بادي»:
أنا باديٍ في راس لي يَطْرِب المشتاقْ
عسى السِّحِب لي من يَمّ لِمغيب يسْقِنّه
ولا هوب من همٍ ولا هوب من لِفْرَاق
يا غير قلبي مشتِهي جَرّة الْوَنّه
أنا بي هوى لي جاره الله من الأعواق
عَطِيِّتْك يا مِعْطي العَطايا بلا مِنّه
عساه يْغَدِي لي يوم بَطْرِشْ من التوْفاق
عسى ما تْغَدي في خاطري للخَلا هَنّه
يِبوي الرّيادي مسرعٍ للخَلا بوّاق
ولا خاف من شِيب الغوارب يِكيدِنّه
إلي جاك يِقْرَع مثل سيّارة السوّاق
أو شِبْه دانوقٍ هواه اقتفَى فَنّه
ثم قال في قصيدته «دلما»:
كلٍّ يقول أنّه سِكَنْ بَرْ
والبَرّ دلما يا مخاليقْ
بِعِل كلْ أسبوع تَمْطِر
ويْتِمّ ماها يْظاول الريق
دارٍ حِوَت بو عِقْصٍ اسْمَر
لي ما يخِفّونه مِطافيق
أما «يا عِديل الروح»، فجاء فيها قول الشاعر زعل:
وِشْ بَلاَك مْسِجّ ومْصِدّي
لا نَبا تَعْطي ولا جَابَهْ
كان تبغي شَيّ من عندي
لك بنفسي باتْعَنّى بَهْ
يا عِديل الروح ما وِدّي
الهجِر ليَ ينفِتِح بَابهْ
وكان ما لك مِ الهجر بِدّي
يا وليفي ما ليَ طْلابهْ
مرْكَبٍ لَوّث على حِدّي
وانكسر والموج غَفّى بهْ
ما اَهَقِي لي فايت يْرِدّي
مثِل عُمْرٍ وقّف حْسابهْ
وعن «البارحة» جاء قول الشاعر:
البارحة يوم أغرب الليلْ
سْهرْت وِعْبَاد الله رْقودْ
واوِنّ ونّه من عَلى حْويل
ماخِذْ ثَمانى سنين مَيهود
من هجِر لي ما له تماثيل
ماخِذْ مِثَلْ عن خِرّد الخود
بخدُود وعْيون وْمِجاديل
وِصْباً عطاه الله على عُود
وعَقلٍ عطاه الله تَكْمِيل
ما دِقّ في عَرضه بمَنْقود
ولولاه ما قِلْت التّماثيل
ولا سْمِعتْ لي مْنِ الشِعْر مَنْشود
الشاعر سعيد... وثالث آل زعل، الشاعر سعيد بن سيف بن زعل الفلاحي وهو أكبر إخوته، الذي ولد في منطقة ليوا العام 1885م، وتوفاه الله العام 1962م، وعاش الشاعر الراحل على عهد الأمير علي بن عبد الله بن صباح الهاملي وعلى عهد سيف بن موسى بن حيي الهاملي في ليوا، وجميعهم في عهد المرحوم الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، وعمل الشاعر حارساً ومُرافقاً في مركز المارية في ليوا، حين كان المركز يُمثل إدارة الحُكم في منطقة ليوا، فيما يُشبه ديوان ممثل الحاكم في عهدنا الحالي. أما قصائد الشاعر سعيد آل زعل في هذا القسم من ديوانه الإخوة الثلاثة فهي: «الخوي والجار، يا عوض، تصاريف، ريح المسك، اللي نهب قلبي، أمسيت فوق السيف، سهيره عيوني، نايف ظلاله، عند الضحى، ونّات مكسوره، قديم جديد، يا منوتي، ربعة الطيّب، رسوم المنازل، عنك الغضي، فرقا الصاحب، شَرَى حالي، وآخرها يا نديبي». ويقول سعيد آل زعل في قصيدته ضمن هذا القسم المُخصص لقائده «اللي نهبت قلبي»:
البارحَه من جفْنِيَهْ ذارْ
نوم العرب لي به يغَضّونْ
ليتَه قعد عندي ولا سار
وَانّ الفجر طَوّل به السُون
اللّي نهَب قلبي من يْسار
عسى مِنْ لي بَه يِروفون
أصبحْت من فَرقاه محتار
شَروات لي بالحبْس مسجون
أسميكِ يا الفَرْقا من النار
والنار عند الفِرْقِيْا تْهون
وهذا الشاعر في قصيدته «يامنوتي» حيث يستذكر شدّ الرِحَال والهجر والصدود حيث رغم ذلك فإنّه تسكن الحشا:
ليمِن بِديت الرِّزم وَنّيتْ
ومن عقبهم ضاقتْ بيَ الدارْ
يا ليت ليمَن شَدّ شَدّيت
وإذا نزلْت إيلاه لي جار
والبيت دوم يْشَاوِف البيت
ولا الهجِر من بيننا صار
يا منْوِتي ليمَن تِمَنّيت
لك في الحشا وِرْدٍ ومِصْدار
حيث عن لي شفتك تشاليت
ونفسي تْناسى كل الاَضْرار
والله دَرى أنّي بك تعَنّيت
وِالاّ العرب ما تعلم أسرار
وقد مرّ الشاعر سعيد وهو على بعيره «العوير» على امرأة في البادية، فسألته عن حاله وحال بعيره وأعطت البعير لقمة من التمر كبيرة فقال يخاطب بعيره:
عَنْك الغضي يخْتَصْ يا عويرْ
وِيْقول ربّه حالك ازدادْ
فردّ سعيد على لسان بعيره قائلاً:
الله يَنْشِدْ عَنّها بْخيرْ
وحيّه صديقي لو مِ الاَبعادْ
اللي يسَويّ لي مقادير
وِيخْتَصّ من حالي بالاَنشادْ
إنْ ريت شيِّ لْها من المِير
حِطّه علَيّه لو بِلا وْساد
بَتشوفني قِدّامك آطير
مثل المَهرِّب صوب لبلاد
وان مِتّ آنا ف لانّيَ بْعير
وكل السبب مزموم لاَنْهاد
وقد أرسل الشاعر راشد بن جابر الهاملي قصيدته إلى الشاعر سعيد آل زعل، ومطلعها:
من يخَلّي بَهْجَة سْروره
ومِن يفارق خِلّه الغالي
في الدِجَى يسرَى على «نُوره»
وِان تَبسّم بَرْق شعّالي
فأجابه سعيد بهذه الأبيات التي يقول فيها:
يا نَديبي شِدّ مَذْعُورهْ
تَوّ ما قِبْضَتْ بالْحِبَالي
والقلَم هاتُوا وِمَسْطُوره
بانِطَرّش رَدّ لاَمثالي
القَصيف ألقَى مِنَه دروه
يا نسِل ذَربين لاَفْعالي
نَفْسِيَهْ ما طورها بْطوره
ولي شَراته مْن العرب زالي
لا تِنَدِّمْني على المُوره
وما غَدا مَعْها من المالي
لو على نور القمر نوره
ولو وَراها سبعَة عْيالي

اقرأ أيضا