الاتحاد

الملحق الثقافي

هجر القوافي بسرعة حين لم تسعفه الموهبة

لا يعرف كثيرون أن الراحل فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي بدأ حياته شاعراً، وأصدر ديوانه الوحيد عام 1936، وكان بعنوان «من بنات الفكر» وأعاد د. صابر عبدالدايم نشر الديوان، مع اضافة القصائد التي كتبها الشيخ بعد صدور الديوان، مع دراسة مطولة لأشعار الشيخ. وان يكتب الشعراوي الشعر فذلك أمر عادي، ففي النصف الأول من القرن العشرين كان العلماء والمشايخ يبدأون حياتهم بكتابة الشعر، فوجدنا ديواناً للشيخ محمد الغزالي وكذلك الشيخ القرضاوي وغيرهما.. لكن المشكلة أن شهرة الشيخ الشعراوي كمفسر للقرآن الكريم طغت على بقية جوانب حياته وأنشطته الثقافية والفكرية.
وقدم الشعراوي الشاب لديوانه بكلمات تعكس مفهومه وتصوره للشعر: «الشعر وان كان فناً له أصوله وقواعده لم يخرج عن كونه مجرد إلهام، تبرزه دقة التصوير، وسمو الخيال الى عالم الحس حسبما توحيه العاطفة ويفطن له الوجدان». ويضيف متحدثاً عن الشاعر قائلاً: «الشاعر في رأيي هو من أرهف حسه، ونبلت عاطفته، فاستطاع ان يكون خلاقاً للمعاني الحية». ويكشف الشعراوي عن روح من التمرد على النقاد، خاصة في تعاملهم مع الشباب الجدد، مما يحبط هؤلاء الشبان ويقول: «إن هذه الموهبة، وان توفرت لكثير من الشباب، فإنهم أسروها في رؤوسهم، وقصروا انتاجها على نفوسهم لا ترفعاً في كبرياء، بل اشفاق من وحياء فغبنوا نفوسهم وأساؤوا في القيام بالواجب، لان الحياء مقبرة المواهب». ثم يضيف ملتمساً العذر لهم ومبرراً إحجامهم بانه الخوف من تقييم النقاد «هناك نفر ليس لهم في خدمة الادب إلا تجريح البادئ وتسفيد الناشئ، بدافع الاثرة والانانية، وباعث الحقد والضغينة». وينادي الشعراوي الكتاب الشبان بالتخلص من ذلك الخوف «فليتحرر الشباب من هذه القيود، ولينفض الغبار عن هذه الجهود، لنحمل راية النهضة الأدبية بحق، ونقضي على دكتاتورية الادب وفوضى النقد، وهآنذا.. ازج ببنات الفكر في حلبة الشعر». ويختتم بيانه بالقول «ولينهض الشباب.. ليحيا الشباب». الديوان مقسم الى فصول، مثل «وطنيات» وهي القصائد الوطنية التي قالها ومعظمها في مديح سعد زغلول والإشادة بحزب «الوفد» وزعيمه مصطفى النحاس. وهناك «ازهريات» وهي قصائد عن الأزهر، كتبها في الشيخ مصطفى المراغي والشيخ أبي العيون، وكان المراغي قد اقيل من مشيخة الأزهر ثم اعيد اليه ثانية، بعد احتجاج الطلاب. والواضح ان الشيخ الشعراوي كان من محبيه، والمعروف ان المراغي ينتمي الى مدرسة الاستاذ الإمام محمد عبده. وفي الديوان قصائد أخرى تتعلق بمناسبات في الازهر. وهناك مجموعة سماها «ملكيات» وهي قصائد كتبها في مديح الملك فؤاد ورثائه حين مات، وكذلك قصائد في امتداح الملك فاروق. وتوجد مجموعة سماها «ايقاعات غير منتظمة على باب الوجدان» وهي قصائد في الحب والشوق والوجدان والمناسبات العامة مثل عيد الربيع، والحب هنا حمال أوجه فقد يكون حبا إلهيا صوفيا وقد يكون حبا لاحد من البشر. وهناك القصائد التي قيلت في مناسبات اسلامية مثل الاسراء والمعراج والهجرة النبوية وغيرها. ولم يواصل الشعراوي كتابة الشعر، فقد ذكر في عدد من أحاديثه أنه بعد ان عين في الأزهر، طلب منه أن يبتعد عن السياسة، ومعنى هذا أن يبتعد عن تناول القضايا السياسية والوطنية، لكن ليس معناه أن يهجر الشعر، وهو لم يهجره، فقد كان يكتب بين حين وآخر وآخر قصيدة كتبها في منتصف التسعينيات في مديح ملك السعودية الراحل فهد بن عبدالعزيز. ولعل ما جعله يبتعد عن كتابة الشعر وحسناً ما فعل، ان موهبته الشعرية لم تكن كبيرة، ذلك أن قصائده كلها تقريبا قصائد مناسبات، وهذه لا تصنع شاعراً كبيراً، فضلاً عن ان انشغاله بالتدريس والتفسير وسفره لفترات طويلة في المملكة العربية السعودية والجزائر أخذه بعيداً لكنه ظل يحب الشعر. الشيخ الشعراوي الذي كان يلقي أحاديثه الدينية بلغة تجمع بين الفصحى والعامية أو العامية المعاصرة «المبسطة»، يكتب أشعاره بلغه فصحى قديمة جداً، لا تنتمي الى عصرنا وتقتضي من القارئ أن يعود الى القاموس بين حين وآخر. معظم القصائد عمودية، تعتمد القافية الموحدة، وبعضها مطولات مثل قصيدته عن الاسراء والمعراج التي تتجاوز المئة بيت، ولا يمكن انكار اننا بإزاء شعر تقليدي، ولذا لا يخلو من الصنعة والتكلف، والموهبة فيه ليست عميقة، لكن الديوان يكشف عن أفكار ورؤى ذلك الشيخ الأزهري في مطلع شبابه، فقد كان متابعاً للقضايا الوطنية بدقة، وجاء تعلقه بحزب «الوفد» تحديداً لأن بلدته دقادوس بالدقهلية كانت وفدية تماماً، وفي ذكرى وفاة سعد زغلول الاولى ألقى قصيدة في احتفال عام أقامته البلدة، ثم تكررت القصائد عن سعد في إحياء ذكرى وفاته، ونجد له قصيدة ضد وزير خارجية بريطانيا «هور» الذي اعلن عام 1935 ان بلاده لن تتفاوض على استقلال مصر، وكان ذلك ايذاناً بقيام انتفاضة عام 1935 عمت انحاء مصر. وكتب قصيدة عن هور قائلاً:
يا شؤمة من منطق
وبئس من احمق
يقضي على آمالنا
في سابق واسبق
سياسة ظلومة
غشومة لم ترفق
قد أنكرت حقوقنا
يخلف كل موثق
فيا شباب اقدموا
لصد شر محدق
وأعلموها اننا
من الردى لم نشفق
وكتب قصيدة عن حزب «الوفد» ألقاها عام 1935 بالزقازيق في الترحيب بعودة رئيس لجنة الوفد بالزقازيق وقدم للقصيدة بقوله «عقيدة الأمة ووليد الثورة رسول الاستقلال وعدو الاحتلال. رحم الله سعدا بانيه ونصر النحاس رئيسه وحاميه» وجاء في القصيدة قوله:
بناه سعد فأدى حق أمته
وساسه مصطفى فاعتز لم يهن
حزب هو المخلص السامي له منن
ابقى على الزمن الباقي من الزمن
وفي امتداح طلعت حرب كتب قصيدة، قدم لها بالقول: «حزم وعزم، وجرأة وثبات، ويقين وطموح، وهو معقد الآمال، ومفخرة لدولة الاقتصاد والمال». وكتب قصيدة في رثاء أحمد شوقي، امير الشعراء اعتبره فيها «حارس الفصحى». وبعد صدور الديوان كتب مجموعة من القصائد سماها «حجازيات» لأنه كتبها حين كان بالسعودية ضمن بعثة الأزهر وبينها قصيدة مطولة كتبها عن د.طه حسين، وكان طه حسين وهو وزير للمعارف العمومية قد قام بزيارة المملكة، وكان د.طه في تلك الزيارة يترأس المؤتمر الثقافي للجامعة العربية. والقصيدة مطولة ـ 86 بيتاً ـ جاء فيها:
هو شيخ قد جمع الله فيه
ما يريد الطموح من ارضاء
يلتقي فيه محدث وقديم
في جلاليهما اعز التقاء
ويناشده ان يعاون الازهر:
يا عميد البيان لا تحرم الازهر
عونا بصائب الاراء
? الكتاب: ديوان فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي ? جمع ودراسة د. صابر عبدالدايم

اقرأ أيضا