الاتحاد

دنيا

محمد مندور قائد ثورة النقد


القاهرة - حمدي أبوجليل:
رحل الناقد د· محمد مندور منذ اربعين عاما، ومازال النقاد العرب باختلاف تياراتهم ومدارسهم يعتبرونه شيخ النقد العربي الحديث، والأمر لا يتعلق بكبر السن، فقد رحل دون الستين، ولكن يتعلق بأنه أول من استحق صفة 'ناقد ادبي ثقافي' بمعناها الحديث وبأنه نقل النقد العربي من الانطباع الى التحليل العلمي المنهجي، ولم يتوقف عن الكتابة في الأدب ونقده والتعريف به على مدى أربعين عاما، وأعماله حتى اليوم علامات مضيئة في تاريخ النقد، كما لعب دورا مهما في الحركة الوطنية المصرية قبل ثورة يوليو 1952 وقاد الطليعة الوفدية التي كانت تمثل اليسار المصري في الأربعينيات وترأس ثلاث صحف وفدية واعتقل عشرين مرة لمواقفه الثورية، وكان معلما واستاذا لاجيال متعاقبة، وجهوده معروفة في التعريف بالنقد واصوله والانواع الادبية وحدودها، وكان حلقة وصل بين جيل الرواد مثل طه حسين والعقاد والمازني والاجيال الادبية والنقدية التي ظهرت بعد ثورة يوليو·
وقد أقام المجلس الاعلى المصري للثقافة ندوة موسعة حول مشروع محمد مندور بمناسبة الذكرى الأربعين لوفاته والثامنة والتسعين لميلاده شارك فيها أربعون باحثا عربيا وتناولت اسهاماته في النقد الادبي والمسرحي والثقافي ودوره السياسي الثوري·
أثر لا يمحى
وقال د· جابر عصفور الامين العام للمجلس الاعلى المصري للثقافة: 'الدكتور محمد مندور كان حالة فريدة في النقد العربي الحديث، وكثير من النقاد العرب يثيرون في حياتهم ضجيجا ولكنهم يختفون من الحياة العامة بمجرد موتهم ولا يتركون أثرا ولكن مندور مر على الحياة الثقافية كالعاصفة، ومضى بعد ان ترك كتبا وافكارا وتلاميذ'·
وأضاف: 'ان مندور اول من ادخل الدراسات النقدية الى التحليل المنهجي مستفيدا من سنوات دراسته في فرنسا التي ذهب اليها عام 1930 وظل بها تسع سنوات دون ان يحصل على الدكتوراه مما اغضب استاذه عميد الادب العربي د· طه حسين· وفي المقابل اعد مندور رسالته للدكتوراه في مصر خلال تسعة اشهر تحت اشراف احمد امين بعنوان 'تيارات النقاد العرب في القرن الرابع الهجري' ونوقشت عام 1942 وهي من اهم دراسات النقد العربي الحديث'·
وأكد عصفور انحياز مندور الى المنهج والجديد في النقد والثقافة والحياة، واشار الى موقفه من الناقدين المصريين محمود أمين العالم وعبدالعظيم انيس عام ،1955 عندما اصدر كتابا 'في الثقافة المصرية' إذ هاجمهما طه حسين واتهمهما العقاد بالشيوعية ورد مندور الاعتبار لهما انحيازا منه لكل جديد·
تفرد
وقال الناقد د· صلاح فضل ان مندور اعطى صفة النقد الادبي معناها الحديث حيث كان الادباء والكُتّاب قبله يتناولون قضايا النقد ولكن ايا منهم لم يتفرد بصفة الناقد في العصر الحديث· واشار الى ان مندور تفرد عن زملائه واساتذته فرغم ان منهم من كانوا يفوقونه علما واحاطة ودقة فقد كانوا يعترفون بشيء مختلف فيه لذلك اصبح علامة في النقد وشيخا جليلا وهو لم يتعد الخمسين من عمره·
وقال: بينما كان نجيب محفوظ يكتب ثلاثيته الروائية الشهيرة كان مندور يشيد عالمه النقدي القائم على ثلاث دعائم هي الوعي الانساني العميق بقوانين التطور الحضاري، والمعرفة العلمية بنظم الآداب والفنون وضمير القاضي 'الناقد' الذي يحمل الميزان ولا يميل مع الهوى حتى لا يفسد رأيه وهذه الثلاثية النقدية لا تزال حتى اليوم التأسيس المتوازن لكل ناقد جاد·
وأوضح الناقد أحمد شمس الدين الحجاجي ان النقد المسرحي كان على رأس اهتمامات محمد مندور وقدم فيه اعمالا مهمة وساهم في تطوير الحركة المسرحية العربية، وكان من اهم دعائم معهد الفنون المسرحية منذ بدايته الاولى عام ·1944 وأدى دورا مهما في تعليم طلابه نظريات المسرح في وقت لم يكن فيه أي باحث متمرسا بالدراسة النظرية لهذا الفن، كما عمل استاذا للنقد الادبي والمسرحي في معهد الدراسات العربية وأولى مقالاته بعد عودته من باريس عام 1939 كانت عن المسرح، وبعدها قدم العديد من الدراسات التي ضمها في كتابه 'نماذج بشرية' الصادر عام ·1944
وقال ان كتابات مندور مقسمة إلى ثلاثة اقسام، الاول الدراسة النظرية عن المسرح وتشمل تناوله للاصول الفنية للدراما والادب ومذاهبه، والثاني الدراسة التطبيقية للمسرح النثري ويشمل تناوله لمسرح توفيق الحكيم والمسرح المصري المعاصر الذي ناقشه في عدة مقالات نُشرت عام 1971 بعد وفاته، والثالث دراسات تطبيقية على المسرح الشعري ويشمل تناوله لاعمال احمد شوقي وعزيز اباظة·
واشار الى ان أهم ما انجزته كتابات مندور المسرحية التعريف بالمسرح والقيام بدور مهم في تحليل وتبسيط أدواته، كما ساهمت في خلق جمهور واع ساهم في خلق حركة مسرحية ناجحة·
مندور السياسي
وأكدت الباحثة ايمان السعيد ان محمد مندور اكتسب شهرة واسعة في الدوائر الثقافية العربية باعتباره ناقدا ادبيا ومسرحيا وصاحب مدرسة في النقد الادبي القائم على البعد الاجتماعي اما نشاطه في المجال السياسي وتصوراته الاجتماعية والاقتصادية فلم تحظ باهتمام يليق بها فهي تجيء عرضا عند التعريف به كناقد ادبي·
وقالت انه كان مناضلا وطنيا وعلما من اعلام الفكر السياسي في فترة من اخصب فترات الحركة الوطنية المصرية في العصر الحديث·
وتناولت الباحثة نزوعه الاصلاحي من خلال العودة الى خلفياته الاجتماعية وتتبعت مسيرته السياسية ابتداء من مشاركته الوطنية في صباه، ثم توقفه عن المشاركة السياسية طوال سنوات التحصيل العلمي والثقافي وانضمامه لحزب الوفد في منتصف الاربعينيات ودوره الصحفي في صحف الوفد الثلاث التي رأس تحريرها وهي 'المصري والوفد المصري وصوت الامة' حيث كان يشغل فيها دور الكاتب السياسي الاول· وكان تقدميا مختلفا عن ايديولوجيات قيادات الوفد اليمينية التقليدية وعالج قضايا الوطن برؤية لها خصوصيتها وتميزها·
كما تناولت دور مندور البارز في 'الطليعة الوفدية' وهي تنظيم وفدي شاب تبنى فكرا طليعيا ثوريا ورؤية جديدة في الحياة السياسية المصرية في ذلك الوقت، وناقشت افكار مندور وتوجهاته السياسية قائلة انه بشر بصيغة جديدة اخذت شكل الديمقراطية وجرت عليه عداء اليمين الوفدي في ذلك الوقت·
وقالت انه كان يهاجم حكومات الاقلية التي لا تمثل الامة ولا تنهض بقضايا الوطن العليا وتعتدي على حريات المواطنين، كما كان يربط بين قضية استقلال الوطن وجلاء قوات الاحتلال عن اراضيه واستقلال الدول العربية وقضية الحق العربي في فلسطين، ويطالب بالديمقراطية واطلاق الحريات واستقامة الحياة الحزبية وجعل الأمة مصدر السلطات·
وعن علاقة مندور بثورة يوليو ورجالها وما قيل عن انها كانت متوترة وان ضباطها منعوه من السفر وتفسير البعض ابتعاده عن ممارسة العمل السياسي المباشر بعد الثورة بعدم قبوله للاداء السياسي للعسكر، قال الناقد شعبان يوسف ان مندور كان مشتبكا على المستوى الفكري والسياسي مع كل ما كان يدور منذ بداية الثورة وحتى وفاته عام 1965 ، وكتابه 'الديمقراطية السياسية' الذي صدر قبل الثورة كان من اهم الاعمال التي مهدت لقيامها· وكان متورطا في صدام الكتاب والمفكرين والساسة مع ضباط يوليو عام 1954 وابدى رأيه فيه بشكل واسع ومفصل عبر عدد من المقالات تحدث فيها عن الانتخابات وأسس الدولة والاحزاب ورؤيته الساطعة لما سماه الجمهورية الاشتراكية وكانت مقالاته ضوءا ساطعا وسط ظلام دامس ساد تلك الفترة بسبب سياسات قادة الثورة وتهديدهم للحريات والديمقراطية·
واضاف شعبان ان مندور فنّد الافكار التي تبنتها الثورة ووضع النقاط فوق الحروف وطالب باوسع الحريات وتقدم بطلب لمجلس قيادة الثورة لاطلاق كافة الحريات وتصفية المعتقلات واباحة تكوين الاحزاب ونضاله السياسي بعد الثورة كان امتدادا لنضاله السياسي قبلها حيث واجه الباشوات الكبار لدرجة ان محمود ابوالفتح اطاح به من رئاسة تحرير صحيفة 'المصري' فاعتمد على نفسه، واشتغل بالمحاماه ولكن صحيفة السراي 'اخبار اليوم' تعقبته ونشرت خبرا مفاده ان مندور اصيب بالعمى لكي تطعن في قدرته على العمل بالمحاماه وبالفعل بدأ الزبائن سحب القضايا من مكتبه لكن ذلك لم يؤثر فيه وواصل معركته وخاض الانتخابات البرلمانية، ونجح وترأس لجنة التعليم وخاض نضالا شرسا ضد كل اشكال الفساد، وتردد على السجن اكثر من عشرين مرة وكتب ما اقلق الملك والباشوات وعقد صلة وطيدة مع كافة الكتاب الديمقراطيين، وتواصل مع الشيوعيين رغم اختلافه معهم·
وبعد الثورة واصل مندور نشاطه السياسي وخاض انتخابات البرلمان عام 1957 في دائرة المنيل بالقاهرة امام مصطفى كامل مراد احد الضباط الأحرار وترأس تحرير مجلة 'الشرق' وتابع كتاباته في صحيفة 'الشعب' وواصل دوره السياسي حتى توفي عام ·1965
يذكر أن د· مندور ولد يوم 5 يوليو عام 1907 باحدى قرى محافظة الشرقية وتوفي بالقاهرة عام ·1996

اقرأ أيضا