الاتحاد

منوعات

قهوة.. على حكايات "الربابة" و"الهيف"

تصوير: الحسن معاوية

تصوير: الحسن معاوية

وسط تعريشة دائرية من أغصان شجيرات المرخ الطرية، يجلس المواطن علي سالم سليمان الضنحاني المشارك في مهرجان "قصر الحصن" الثقافي، كخبير في تقاليد "مجلس القهوة العربية"، وقد تجمع حوله العديد من زوار المهرجان، ينتظرون دورهم في تذوق قهوة يقوم بإعدادها على أنغام الربابة التي يعزفها بجانبه المواطن حسن بن أحمد مساعد.

وأمام لهفة الزوار لمعرفة تقاليد هذا المجلس، يسترسل الضنحاني في شرح "إتيكيت القهوة" أو "سنع القهوة" كما يسميه في التقاليد الشفاهية الأصيلة في المجتمع الإماراتي.

يشير الضنحاني بيده إلى المجلس، أو "البرزة" حسب تعبيره، ويخاطب الحاضرين: ما ترونه يمثل مجلس القهوة قديماً، وتستمعون الآن إلى الربابة التي هي جزء من "سنع القهوة".

لكنه يستدرك: أنغام الربابة لا تتردد دائماً في هذا المجلس، الذي يهتم بكل ما يعني الحي أو "الفريج" من مشكلات عديدة، بما فيها قضايا الحروب والمصالحات، لكن للربابة دائماً وقتها المحبب في هذا المجلس، خصوصاً في ليالي السمر، وفي الأوقات الهادئة ومواسم الفرح ولحظات صفاء النفوس.

وعن أدوات إعداد القهوة يشير الضنحاني إلى دلات القهوة بجانب الموقد بإصبعه: هذه الدلة المتوسطة الحجم تسمى "التلقيمة"، وفيها يتم غلي القهوة، حيث يسكب فيها الماء، ويقوم "المقهوي" بإضافة القهوة المسحوقة "المدقوقة" إلى الماء، ويضعها على الموقد، ويراقبها حتى تصل إلى درجة الغليان، ويضيف: "في العادة تظل هذه "الدلة" على النار أو بالقرب منها منذ الصباح وحتى ساعات متأخرة من الليل، وتتم زيادة الماء ومسحوق القهوة، ولا تغير طيلة اليوم، حتى يحين موعد جلسة القهوة في اليوم التالي، فقد يطرق ضيف في أي لحظة من لحظات الليل والنهار".

أما هذه "الدلة" الكبرى، فتسمى "الخمرة"، ووظيفتها هي أن تملأ بالماء وتترك وسط الموقد كي يظل الماء ساخناً في حال الحاجة له لإعداد القهوة.

وتسمى أصغر هذه الدلال حجماً "المزلة" وتمتاز بأنها تحافظ على لونها أكثر من غيرها، وذلك لأنها لا تقرب من النار، بل وظيفتها أن تصب فيها القهوة من دلة "التلقيمة"، كي يطوف بها "المقهوي" على الضيوف، كما يوضع فيها "الهيل" و"الزعفران" و"القرنفل"، أو ما يعرف بـ"جناد" القهوة.

ويتذوق الضنحاني أول فنجان من القهوة التي أعدها على موقد من حطب أشجار "السمر"، مبيناً أن هذا الفنجان يسمى قديماً "الهيف". وفي العادة يحتسيه المضيف، أو صاحب "البرزة" أولاً، ليتأكد من نكهة القهوة ومدى سلامة طعمها.

أما الفنجان الثاني فيعرف بـ"الضيف" وعلى كل ضيف أن يبادر إلى شربه، باستثناء حالات خاصة، كأن يكون للضيف مهمة خطيرة، ويحاول أن يضغط على المضيف للقيام بها. ففي هذه الحالة، يرفض شرب قهوته حتى يلبى طلبه.

وهناك فنجان ثالث يعرف بـ"الكيف"، لأنه من أجل تعديل مزاج و"كيف" الحاضرين في المجلس، وإذا رفضه الضيف لا يعتبر ذلك إهانة للمضيف.

ويختم الضنحاني حديثه بالقول: لقد أخذ منا إعداد هذه القهوة وقتاً طويلاً، وهو ما لا يتناسب مع هذا العصر، ولذلك فهذه العادات بدأت تختفي للأسف أمام التطور.

لكن المحافظة عليها وصيانتها كتقاليد عريقة، وتذكير الأجيال الجديدة بها ونقلها إليهم، أمر ضروري، لأن من لا ماضي له لا حاضر ولا مستقبل له.


اقرأ أيضا

علماء يبحثون عن إجابات لنشأة الأرض تحت سطح القمر