الاتحاد

الملحق الثقافي

كتّاب... بالإيجار

   ويليام شكسبير اتهم بأن بعض رواياته ليست من تأليفه

ويليام شكسبير اتهم بأن بعض رواياته ليست من تأليفه

تعوّد نجوم الرياضة، والفن، والتمثيل، والطب، وحتى كبار المجرمين في الغرب على إصدار كتب تروي سير نجاحهم أو فشلهم، وهي تحمل أسماءهم كمؤلفين.. لكن تلك الكتب ليست من تحريرهم، بل أنهم يكلفون محررين محترفين للقيام بهذا العمل، وهؤلاء الذين يقومون بمثل هذا العمل يطلق عليهم الفرنسيون نعتا هو (العبيد) Les Négres، وهذه الظاهرة المتمثلة في وجود محررين ومؤلفين بالإيجار متفشية في الأوساط الأدبية الفرنسية والغربية عموما.
الطيب بشير
في تحقيق أجرته المجلة الفرنسية «ماغازين دي ليفر»(مجلة الكتب) أكدت أن 20 في المائة من الكتب التي تصدر في فرنسا يكتبها محررون محترفون من «العبيد». ويصح القول إن عمل الكاتب أو المحرر بالايجار أصبح صنفا أدبيا معترفا به في الغرب، والممتهنين لهذا العمل الأدبي لا يحبون تسمية الواحد منهم بـ«العبد»، لما في هذه الصفة من ايحاءات سلبية مرتبطة باستغلال السيد لعبده، ويفضلون التعبير الانجليزى: «المؤلف الشبح»، في حين أن القاموس الفرنسي يعرّف من يمارس هذه المهنة بأنه «شخص مجهول يحرر كتبا لشخصية معروفة». وهناك كتب وروايات عديدة صدرت تتحدث عن هذه الظاهرة من بينها كتاب «الآلة الكاتبة» من تأليف برونو تاساراش، وبعض هذه الكتب هي كتب ساخرة من الظاهرة، بل هناك أفلام سينمائية تناولت هذه المسألة ومن أشهرها: «ليس أنا، بل هو» وهو من إخراج بيار ريشار.
والحقيقة أن هذه الظاهرة ليست جديدة، وهناك إشاعات تقول بأن بعض روايات شكسبير ليست من تأليفه، وتأكد أن العديد من روايات الفرنسي الكسندر دوما الاب ليست من تأليفه، وانما اكتفى بوضع اللمسات الأخيرة لها، في حين أن المؤلف الحقيقي، والذي لم يظهر اسمه طبعا، هو أوغست ماكييه، وهذه الظاهرة لا تخص الأعمال الادبية فقط، ولكن تشمل ايضا المجال الاكاديمي والجامعي، وليس سرّا القول بأنّ بعض الطلبة العرب الدارسين في الجامعات الفرنسيّة، من غير الفرنكفونيين، يكلّفون عند إعداد رسائلهم الجامعية لنيل شهادات الدكتوراه أشخاصا غيرهم ممّن يحذقون اللغة الفرنسية لتحرير أطروحاتهم مقابل مبالغ مالية متفاوتة وفق اتفاق يتم بين الطرفين، وذلك دون علم الجامعة أو لجنة مناقشة الأطروحة.
سعر الخدمة
وتأكد أن البعض من مؤلفي الروايات البوليسية، والذين تباع كتبهم في مئات الآلاف من النسخ، لا وقت لديهم لكتابة روايات كثيرة متتالية، وأمام طلب الناشرين مدهم بقصص جديدة اعتبارا لرواج سوق هذا الصنف الأدبي، فانّ بعض الأسماء اللامعة من مؤلفي هذا الصنف الأدبي يكتفون بوضع الخطوط الكبرى للرواية، ثمّ يكلّفون أشخاصا من «محترفي» التحرير بصياغة الرواية برمّتها، ويتمّ دفع مبلغ مالي إجمالي، أو بالقطعة وفق الاتفاق، والمبلغ يختلف طبعا حسب شهرة الكاتب الأصلي ودار النشر التي تتولى توزيع هذه الكتب، فليس هناك سعر محدّد، إنّما يتمّ التفاوض بشأنه بين الكاتب الأصلي الذي سيضع اسمه على غلاف الكتاب وبين «العبد» المكلّف بالتحرير. والمؤكد أن دور النشر على علم تامّ بهذه المسائل، وأحيانا تتولى هي نفسها إبرام عقود مع المؤلف الأصلي وأيضا مع الكاتب بالإيجار.
في الظل
ذكر هرفي برودن Hervé Proden الذي ألّف كتابا باسم باتريك ساباتيه Patrick Sabatier (مذيع تلفزيوني شهير في فرنسا) إن دار النشر اقترحت عليه تحرير كتاب يروي قصة حياة ومسيرة النجم التلفزيوني، ويقول برودن، إنه كان في حاجة للمال فوافق، ولأنه ملزم وفق العقد المبرم معه بالصمت، فإنّه ذهب إلى حدّ مقارنة قلمه بما اسماه «القاتل المحترف» يعطى إليه مقابل مالي لارتكاب الجريمة ثمّ يختفي في إحدى دول أميركا اللاتينية، حلى حد قوله. والطريف أنّ المؤلف بالإيجار التقى بالمذيع مرات قليلة أمدّه فيها بمعلومات عامّة، ونسج من خياله قصصا وأحداثا تخصّ حياة النجم التلفزيوني لتلميع صورته وإضفاء هالة على شخصيته، فالذي كان يهمّ المؤلف الأصلي هو فقط أن يرى اسمه فوق كتاب يروي سيرته الذاتية. وبعض الناشرين يتصلون مثلا بممثلة شهيرة وجميلة، أو بطبيب جراح ذاع صيته، أو حتى بمجرم خطير، ويقترحون عليهم إصدار كتب تروي تجاربهم، وشذرات من حياتهم، وبعد الاتفاق يتولى المشاهير تسجيل شهاداتهم على أشرطة أو التحدث الى المحرر المكلف بالتأليف بالإيجار. والطريف، أن هؤلاء المحررين بالإيجار يغيّرون أسلوب تحريرهم وفق العمل المطلوب، فـ«العبد» يتقمص شخصية المؤلف الحقيقي، ويتبنى أسلوبا في التحرير يتماشى معه، وأغلب من يمتهن هذه الحرفة يفضلون البقاء في الظل.
كراهية
كاتب آخر بالإيجار، اسمه باتريك رامبو، كشف بوضوح أنه يقوم بهذا العمل من أجل كسب رزقه، ودفع إيجار البيت الذي يسكنه، وان سعر الخدمة يتمّ التفاوض بشأنها مع الناشر ومع المؤلف الذي سيظهر اسمه على غلاف الكتاب، وان التسعيرة تختلف باختلاف العمل المطلوب، فأحيانا يمنح «العبد» نسبة محددة قد تصل إلى 50 في المائة من مرابح مبيعات الكتاب، وأحيانا تكون النسبة أقل، وكل ذلك مرتبط بنوعية الكتاب والمجهود الذي سيبذله المحرر عند انجازه للعمل المطلوب. ويعترف مارك أوريه، وهو محرر شبح، بأن أجره يتراوح بين 10 و30 «يورو» للصفحة الواحدة إلى جانب نسبة مئوية على مبيعات الكتاب، وان لم تكن هناك نسبة على البيع فان سعر الصفحة يرتفع الى 100 «يورو» للصفحة الواحدة. ويمكن دفع مبلغ اجمالي للكتاب بـ50 ألف كلمة يصل الى حوالى 30 الف دولار، والمؤكد أن هذه النوعية من الكتابة تتطلب اختصاصا وحرفية، بل يصح القول إنها مهنة لها تقنياتها، وهي في بعض جزئياتها تقترب من مهنة المترجم أو مهنة الصحفي، بل إن أحدهم ذهب إلى حد القول بأنه يشبه «الطباخ الماهر»، ومن أشهر من برع واشتهر في هذا الاختصاص دان فرانك Dan Franck. ويحلل علماء النفس العلاقة الغريبة التي قد تنشأ بين المحرر الأصلي للرواية والمؤلف الذي ينشر الرواية باسمه، فـ«المؤلف الشبح» يكن ّكراهية كبيرة للثاني الذي يتبنى العمل برمته وينسبه إلى نفسه، فيتحدث لوسائل الإعلام وللنقاد عن روايته هو، وأسلوبه هو، وفكره، هو، في حين أن المؤلف الحقيقي يبقى مجهولا، ويغنم الأول مالا ويحصد الثاني مجدا أدبيا

اقرأ أيضا