الاتحاد

تقارير

الأزمة المالية... مصدر توتر سياسي في الأرجنتين

كريس كراول وأندريس ديلساندرو
بوجوتا


أصدرت الرئيسة الأرجنتينية كريستينا فيرناندز كيرشنر قراراً بإقالة رئيس البنك المركزي يوم الخميس الماضي، بسبب عدم سماحه للحكومة بالتصرف في احتياطيات النقد الأجنبي البالغة قيمتها 6.6 مليار دولار، رأت الحكومة استغلالها في التخفيف من تنامي الديون الخارجية عليها.لكن التساؤلات التي أثيرت حول مدى شرعية القرار الذي اتخذته الرئيسة بحق رئيس البنك المركزي، تسببت في نشوء أزمة سياسية اقتصادية مزدوجة. وكانت الرئيسة فيرناندز قد أصدرت قرار الفصل المذكور إثر اجتماع طارئ كانت قد عقدته مع مجلس وزرائها ظهر يوم الخميس، رفض فيه رئيس البنك المركزي مارتن ريدرادو تنفيذ أمر رئاسي بتقديم استقالته. وبرر رئيس البنك رفضه تنفيذ القرار الرئاسي بقوله: (من الواجب أن يوافق الكونجرس على أي تحويل لأموال الخزانة العامة). مع العلم أن الكونجرس لم يكن منعقداً حينها. وعقب الاجتماع الوزاري الطارئ مباشرة، صرحت الرئيسة للصحفيين قائلة: لم يكن هذا إجراء رغبت في اتخاذه. ولم يكن أمامي خيار آخر بعد أن فشل رئيس البنك المركزي في القيام بمهام الموظف العام التي أوكلت إليه. وأوضحت الرئيسة للصحفيين أن نائب السيد ريدرادو سيتولى المسؤولية بالإنابة مؤقتاً إلى حين الإعلان عن بديل دائم لرئيس البنك المركزي المقال.
وتعد الأزمة السياسية الناشئة عن هذا الإجراء آخر الأزمات التي تمر بها الأرجنتين، التي طالما تأثرت كثيراً بالأزمة المالية العالمية وتراجع صادراتها الخارجية، مصحوبة بحدة الاستقطاب السياسي الذي تمر به البلاد الآن، إضافة إلى ما خلفته فيها تأثيرات عجز الخزانة العامة عن سداد مديونية خارجية متراكمة تبلغ قيمتها حوالي 102 مليار دولار منذ عام 2002.
وعقب اجتماع عقده مجلس إدارة البنك المركزي يوم الخميس الماضي، أعرب البنك خلال بيان رسمي أصدره، عن استقلاليته التامة وعدم مطالبته بطاعة أي أوامر تصدرها له السلطة التنفيذية. إلى ذلك صرح الاقتصادي أبيل فيجليون المقيم في بوينس إيرس قائلاً: "إن للرئيسة صلاحية إقالة أي عضو من أعضاء مجلس إدارة البنك المركزي. لكنها مطالبة في هذه الحالة بتقديم ما يكفي من الأدلة على سوء أداء ذلك العضو أو ما يثبت فشل سياساته، إضافة إلى ضرورة التشاور حول قرار الإقالة مع لجنة خاصة تابعة للكونجرس. وهذا ما لم تفعله "فيرناندز" التي فصلت "ريدرادو" لا لسبب سوى طاعته وتطبيقه للقانون".
والواضح الآن أن ذلك القرار وفر أجواء ملائمة لنشوء أزمة مؤسسية شاملة يمكن لها أن تنتهي عند أبواب المحاكم ما لم يسارع الكونجرس إلى عقد جلسة طارئة خاصة بهدف تسوية جوانبها القانونية. وربما تواجه فيرناندز صعوبة كبيرة في الحصول على موافقة الكونجرس على رفع القيود المفروضة على المبلغ الاحتياطي البالغة قيمته 6.6 مليار دولار، إلى جانب صعوبة حصولها على موافقة تشريعية على فصلها للسيد ريدرادو من قبل الكونجرس الذي تسيطر عليه المعارضة.
وفي الحقيقة حذر عدد من ساسة المعارضة رئيس البنك المركزي الذي أقيل بقرار رئاسي من أنه ربما يواجه إجراءات قانونية تتخذ بحقه في حال تلبيته للأمر الرئاسي الصادر له بإطلاق مبلغ احتياطات النقد الأجنبي المذكور. بيد أن وزير الاقتصاد "أمادو بودور"وصف قرار فصل رئيس البنك المركزي بغير الشرعي، بحجة عدم انعقاد الكونجرس لحظة اتخاذ القرار، في الوقت الذي بدأ يشهد فيه البنك المركزي حالة عامة من الفوضى.
ولكن تعود جذور هذا النزاع الذي دار في نهاية الأسبوع الماضي، بما فيه محاولة فيرناندز وضع يدها على احتياطيات النقد الأجنبي، جزئياً إلى حالة من التردي العام يمر بها الاقتصاد الأرجنتيني الذي عصف به انخفاض قيمة عملته، إلى جانب عجزه عن سداد ديونه طوال العقد الماضي الذي انتهى للتو. ففي عام 2005 عقدت الأرجنتين اتفاقاً مع دائنيها الأجانب الذين تدين لهم بمبلغ 80 مليار دولار من جملة ديونها الخارجية البالغة 102 مليار. وبناء على ذلك الاتفاق توقفت بوينس إيرس عن سداد ديونها، لتواصل بذلك عجزها عن سداد الديون المذكورة منذ عام 2002. غير أن الشكوى القضائية التي رفعها الدائنون الخارجيون على مبلغ 22مليار دولار عجزت بوينس إيرس عن سدادها، تسببت عملياً في إغلاق الباب أمام وصول الأرجنتين إلى أسواق ومصادر الائتمان الخارجي. وبالنتيجة ارتفعت تكلفة الاستدانة الخارجية، لتندفع البلاد إلى البحث المحموم عن بدائل وموارد للائتمان الخارجي غير مألوفة. وكانت خزانة حكومة هوجو شافيز الفنزويلية إحدى هذه الخيارات، مع العلم أن شافيز اشترى من السندات الأرجنتينية ما يعادل مليارات الدولار بهدف تعزيز علاقاته مع الرئيسة اليسارية فيرناندز وزوجها الرئيس السابق نيستور كيرشنر. بيد أن تلك العلاقات انهارت في عام 2008 نتيجة لإصرار شافيز على أن تحصل بلاده على نسبة فائدة قدرها 17 في المئة، وهو ما لم تستطع فرناندز الالتزام به على حد قول الاقتصادي أبيل فيجليون.
وفي عام 2007 ألقت السلطات الأمنية القبض على المواطن الفنزويلي جيدو ألياندرو أنتونيني ويلسون في مطار بوينس إيرس وبحوزته مبلغ 800 ألف دولار غير معلنة، قال المحققون إنه كان عبارة عن تمويل أرسله شافيز لحملة فيرناندز الانتخابية الرئاسية.
ومهما يكن فقد أدى ضعف الثقة في إدارة فيرناندز للاقتصاد الأرجنتيني إلى هروب نحو 25 مليار دولار من رأسمال المال الوطني إلى خارج البلاد خلال العامين الماضيين، على حد قول فيجليون. ولا يزال الكثيرون يذكرون استحواذ الحكومة الحالية على النظام المصرفي وتجميدها لحسابات الأفراد. وبسبب هذه الممارسات لا يلجأ الكثير من المواطنين لإيداع مدخراتهم في البنوك، بل يأمنون وسادات نومهم على مدخراتهم أكثر مما يأمنون البنوك الحكومية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي. إنترناشيونال»

اقرأ أيضا