الاتحاد

الملحق الثقافي

مدينة العمارات الشاهقة والنخيل الشامخ

   أبوظبي القديمة

أبوظبي القديمة

كان من الواضح أمامي منذ الأيام الأولى التي سكنت فيها مع عائلتي في مدينة أبوظبي، أن تلك المدينة ستظل محدودة المساحة مهما نمت أو زادت المساحة المبنية فيها، لأنها تقوم فوق جزيرة والبحر يحيط بها من كل جانب إلا إذا قررت القيادة إغلاق البحر من جهة جسر المقطع وربط الجزيرة بالبر وبذلك يمكن للمدينة أن تنمو وتكبر أفقيا دون أي عائق جغرافي.
ولكن كان واضحا أيضا أن الحفاظ على البيئة كان مبدأ أساسيا لدى المرحوم الشيخ زايد، فالجزيرة يجب أن تبقى جزيرة ووصلها بالبر يمكن أن يكون بواسطة الجسور، أي أنه يمكن إضافة عدة جسور إلى جسر المقطع الوحيد الذي كان يربط جزيرة أبوظبي بالبر.
وكانت الجزيرة نفسها في الأيام الأولى أي من السبعينات تبدو جزيرة كبيرة مترامية الأطراف، بحيث بدت الأحياء الأولى التي أقيمت فوقها مجرد بقع صغيرة تفصل بينها مسافات طويلة، كان حي البطين على سبيل المثال يبدو معزولا عن الخالدية وكانت منطقة المطار الجديد تبدو بقعة منعزلة لا يحيط بها أي أحياء سكنية، بل كان شارع المطار أشبه بشارع صحراوي لا يخترق أي أحياء مسكونة. ولكن كان واضحا أيضا أن لدى القائد خطة طموح للتوسع العمراني ليس في المدينة الجزيرة وحدها بل في جميع أنحاء الإمارة من خلال شبكة الطرق التي واكبتها وهي تنتشر لتربط جزيرة أبوظبي بجميع مناطق الإمارة شرقا وغربا وجنوبا. وكنت في برامجي الإذاعية على وجه الخصوص أسلط الأضواء على مشاريع الطرق، وأرافق ذلك الرجل النشيط الذي كان في دائرة الأشغال واسمه حارب سلطان اليوسف أطال الله عمره لتسجيل لقاءات معه ومع المهندسين المشرفين على العمل حول تلك الطرق وأطوالها ومواعيد الانتهاء منها، وكنا جميعا بشوق لإنهاء تلك الطريق التي تصل الإمارة بالسعودية وقطر ليتمكن سكان الإمارة من المواطنين والوافدين من السفر بسهولة إلى الأردن وسوريا ولبنان. كانت المدينة في السبعينات تبدو لنا ورشة عمل كبيرة وخاصة في منطقة النادي السياحي التي وقع عليها الاختيار فهدمت البيوت العشوائية التي كانت تتناثر حينا وتتجمع حينا آخر فوقها وخطط لها من قبل مجلس التخطيط أن تكون حيا جديدا من أرقى الأحياء السكنية وأن تشمخ المباني فيه لتصل إلى عشرة أدوار أو أكثر، لم نكن نتخيل أنه يمكن أن تقام مبان أكثر ارتفاعا من عشرة أدوار فوق الرمال، بل إن العشرة أدوار كانت تبدو لنا ناطحة سحاب في ذلك الوقت، ولا أنسى ذلك المهندس العربي الشاب القادم من مصر وهو الدكتور عبد الرحمن مخلوف أعطاه الله الصحة وطول العمر والذي كان (دينامو) ذلك المجلس الرائد الذي لا يمكن أن ينكر أحد فضله على حركة العمران والبناء في إمارة أبوظبي. بدأ هذا المجلس نشاطه بعد صدور المرسوم الأميري رقم 14 لسنة 1968 بإنشائه، وفي مقدمة اهتمامات واختصاصات هذا المجلس وضع خطط الإعمار الشامل في الإمارة. وكان ذاك المجلس في البداية بمثابة الجهة الحكومية الرسمية المشرفة على الإعمار وبعد قيام أول مجلس للوزراء في إمارة أبوظبي في عام 1971 انتقلت مهام ذلك المجلس إلى مجلس الوزراء. ولقد وضع مجلس التخطيط أول خطة علمية موضوعية سميت الخطة الخمسية أي ربطت بمدة خمس سنوات تبدأ من عام 1968 وتنتهي في عام 1972، يرجع إليها الفضل في بدء دوران عجلة التنمية والتطور في الإمارة على أسس علمية موضوعية. وكان من الطبيعي أن يتساءل المواطن والمقيم في مدينة أبوظبي في ذلك الوقت، أين تذهب مياه المجاري، وأين تذهب الأزبال. ورغم عدد السكان القليل وبساطة الكميات التي تحتاج إلى التخلص منها سواء من مياه المجاري أو الأزبال، إلا أن البحر المحيط بالجزيرة لم يكن في يوم ما مجالا لتصريف مياه المجاري، كان البحر دائما نظيفا وفي كل المواقع والاتجاهات. وكانت الأزبال تنقل بسيارات خاصة إلى خارج المدينة الجزيرة لتحرق في مكان بعيد لا يحيط به السكان ولا تقوم قربه القرى أو المدن الجديدة التي بدأت بالانتشار. ولقد تابعت من خلال برامجي الإذاعية وبرنامجي التلفزيوني «الذهب الأسود»، كيف تخلصنا من تلك الفضلات والأزبال وحولناها إلى أسمدة مفيدة بعد أن كانت تحرق وتلوث الجو. كانت تلك الفضلات والأزبال تقدر عام 1971 بتسعين طنا يوميا، وهي كمية بسيطة يمكن جمعها بسيارة واحدة أو اثنتين، ولكن مع التطور السكاني والعمراني ستتضاعف هذه الكمية ويمكن أن تشكل أزمة كبيرة إذا لم يتم علاجها بأسرع وقت. أعطى القائد هذه المهمة لدائرة البترول وكان يقودها في ذلك العام معالي الدكتور مانع سعيد العتيبة. تقدمت شركة اسكو الإيطالية بدراسات أولية لإنشاء مصنع للأسمدة من الفضلات بطاقة مائة طن من الفضلات يوميا واختيرت منطقة المصفح لإقامة هذا المصنع فوقها وتم بناء هذا المصنع والإنتاج منه بطاقة 150 طنا يوميا في عام 1976 وبتكلفة قدرت في ذلك الوقت باثنين وعشرين مليون درهم. وهكذا كان الحل الأمثل لمشكلة الفضلات التي تحولت إلى سماد مفيد للزراعة وهكذا أيضا حلت مشكلة مياه المجاري التي تم إنشاء مصنع لمعالجتها وتحويلها إلى مياه صالحة للزراعة. لقد كانت الزراعة هي الشغل الشاغل للقائد، كان رحمه الله يبحث بجد واجتهاد في كل ما وصل إليه العلم والتكنولوجيا الحديثة للنهوض بالزراعة وحل مشاكلها. كان يريد للون الأخضر أن ينتشر وأن تكون الإمارات مزرعة كبيرة لا تنتج لأبنائها والمقيمين فيها فحسب، بل لجميع سكان العالم. حتى الطرق الرابطة بين أنحاء الإمارات كان يزرعها بجميع أنواع الأشجار القادرة على النمو في جو الإمارات الحار وخاصة النخيل، حتى وصل عدد أشجار النخيل وقبل أن ينتقل إلى رحمة الله تعالى إلى أكثر من أربعين مليون نخلة في جميع إمارات الدولة. فالنخلة شجرة مقدسة وهي صديقة الصحراء ورفيقتها الدائمة، ويعرف سكان الإمارات فضل هذه الشجرة التي كانت حليفة رائعة لهم في أيام العسر والجفاف قبل ظهور النفط. حتى مدينة أبوظبي نفسها، والتي أصبحت أشبه بغابة من العمارات الشاهقة الارتفاع أخذت من اهتمام القائد بالزراعة الشيء الكثير، فالنخيل يشمخ في جميع شوارعها وإنتاجها من التمور مبذول لجميع السكان بشرط عدم الإساءة إلى النخلة وإيذائها أثناء جمع الثمر منها، فلقد كانت النخلة أخلص صديق لأجدادنا الذين تمسكوا بالوطن وصبروا على شح الرمال سنين طويلة. يشرح الدكتور مانع سعيد العتيبة في ديوانه «المسيرة» كيف كانت آبار ليوا تسقي النخيل في واحاتها فيقول:
من ترى يزعم يومـا أن صحرائي بخيله
من قديم أعطـت الماء شربنا سلسبيله
جادت الآبار تروي نخلنا تشفي غليله
إنها واحات ليوا وروابيها الجميله
نخلها جاد بتمر لم تر العين مثيله
وهب القوم دواء الجسم والنفس العليله
مدينة أبوظبي، عندما أتجول فيها اليوم، أدرك كم كانت نظرة ذلك القائد بعيدة وشاملة، فالعمران الذي ليس له مثيل أو ند في أي مدينة أخرى في العالم لم يستطع أن يحجب ذلك اللون الأخضر المنتشر في حدائقها وشوارعها، وما زالت أشجار النخيل تحاكي ناطحات السحاب بشموخها الذي يضع أمام الحضارة الحاضرة صورة الإنسان العربي الذي عرف قيمة الوطن وتمسك به وعاش ومات من أجل أن يظل حرا عزيزا كريما

اقرأ أيضا