الاتحاد

دنيا

رقصة القرد هستيريا الشباب الأفريقي


أن أكثر الفئات تأثرا في المجتمعات هم فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18-22 سنة، فهي فئة مندفعة تبحث على الدوام عن الجديد، وتحاول في أغلب الأحوال ابتكار أساليب وأنماط اجتماعية سلوكية تبقيها تحت دائرة الاهتمام وتسلط عليها الضوء بعد فشلها في احتلال مراكز اجتماعية تحقق لها التوازن النفسي المطلوب، ولم يكن غريبا أن يحدث تحول مقلق في أدوات التعبير عن الذات في المناسبات الاجتماعية مثل مناسبات الزواج وملحقاتها الممتدة التي يشكل الرقص فيها الأداء الأمثل للتعبير عن الذات والمشاركة الاجتماعية كسياق اجتماعي تكاملي لكن الغريب والمدهش هو التحول الكبير في نمط التعبير عن الذات إلى أشكال أقرب للهيستيريا الجماعية من خلال أسلوب رقص ابتدعته شريحة الشباب أطلق عليه رقصة القرد الإفريقي وهي عبارة عن حركات تستخدم فيها جميع أجزاء الجسد لتقمص شخصية القرد في حركته تعبيرا عن المتعة والمشاركة حتى صار شكل المناسبات الاجتماعية المميز أشبه بطقوس لقبائل بدائية من القرن الحجري الأول· واعتبر الكثير من الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين أن هذا التحول مؤشر لسيادة أنماط جديدة من السلوك الاجتماعي تحمل دلالات إذا لم يتم تلافيها قد تؤدي إلى تشوه القيم التعبيرية للمجتمعات الافريقية،فالرقص كقيمة للتعبير ظل موجوداً ومتوارثاً بأشكال عدة ويكاد يصبح واحدا من أهم سمات المجتمع الإفريقي طوال التاريخ في إطاريه العام والخاص، ويمثل بالنسبة لأغلب القبائل التي يتكون منها النسيج المجتمع كقيمة رئيسية في مناسبات الأفراح والأتراح في آن واحد، وارتبط الرقص في مناطق أخرى بالرجولة ووسائل التعبير· وظل الرقص كقيمة تعبيرية إنسانية قابلة للتطور وفقا لمقتضيات الأحوال، ولكنها غير قابلة للتقوقع أو التشويه، فالأصل فيها أنها مرتبطة بمواقف اجتماعية ذات معان ودلالات تعبر عن ثقافة مجتمع بأكمله ولهذا السبب ظلت جزءا من طقوس الحصاد في العديد من البلدان ،وظلت ملازمة للحراك الاجتماعي من دون تشويه· لكن المشهد الآن قد تغير تغييرا غير مبرر في اتجاهات الشباب في الفئة العمرية 18-25 سنة في التعبير عن الذات من خلال الرقص· والظاهرة يمكن تفسيرها كانعكاس لمجموعة عوامل منها العامل الاقتصادي وهي نتاج طبيعي لعدم إمكانية الشباب القيام بواجبهم الاقتصادي تجاه أنفسهم وتجاه أسرهم، وهذا جانب يشل تفكير الشباب ويجعلهم يتجهون لممارسة أشياء هامشية كظاهرة رقصة القرد فى السودان التي تعتبر إحدى الظواهر التي تعبر عن عجز الشباب في فهم مرحلة شبابهم الحالية ورجولتهم المستقبلية،وهي تعبير عن حالة هروب من واقع فكري لم يستطع الشباب التعامل معه بواقعية واستيعابه،لكن الشباب لا يجدون أياً من هذه الاطروحات متاحاً على أرض الواقع ويصابون في هذه الحالة بصدمة تدفعهم لممارسة أنماط من السلوك غير آبهين بالقوانين أو النظم الاجتماعية أو التقاليد السائدة فتظهر تلقائيا مثل هذه التصرفات غير المسؤولة· وهناك جانب آخر مهم ساهم في بروز مثل هذه الظواهر إلى السطح الاجتماعي يتمثل في الرفض من الجنس الآخر فالشابات يعتبرن شباب اليوم غير مسؤولين ولا يعتمد عليهم وبتعبير أكثر دقة شباب أي كلام وتأتي ردة الفعل على هذا عنيفة فيها الكثير من ظلم الذات حيث لا يهمه وقتها أن يتمثل بالقرد أو حتى الشيطان· فهنالك فوضى سائدة الآن في المستوى السلوكي وبنفس القدر هناك ثبات في المستوى القيمي، لكن المعادلة أيضا حدث فيها بعض الاختلال فالشاب يريد للفتاة أن تكون مثل والدته أو جدته وهي تريده أن يكون قوي الشخصية ومسؤولاً، وعندما يتقاطع هذان الاتجاهان في الحياة اليومية العادية ويكتشف الطرفان استحالة تحقيق المطالب يلجأ كل منهما للإتيان بسلوك ارتدادي غير موزون ولا يهمه نتائج هذا السلوك على الطرف الآخر· ان المشكلة الحقيقية ليست في رقصة القرد أو الأصلة، ولكنها في عدم وجود دراسات ومؤسسات متخصصة تهتم بمراقبة الظواهر السالبة لدى قطاعات الشباب في بداياتها قبل أن تستفحل وتصبح مشكلة يصعب علاجها وهذه دعوى لإنشاء معهد يختص بدرء المشكلات الاجتماعية قبل حدوثها على شاكلة مؤسسات درء الكوارث· وبعيدا عن الاحتمالات ومآلاتها يمكن مناقشة الظاهرة من زوايا أكثر عمقا فالموسيقى واحدة من المؤثرات الجيدة على النفس البشرية وليست هناك غرابة في حدوث استجابة تلقائية للموسيقا وترجمتها إلى تعابيرموسيقية راقصة، نجد أن الرقص واحد من أهم الخلفيات التي يعتمد عليها في عمليات الحصاد في الكثير من مناطق افريقيا· والرقص يمضي أبو دوم-كتعبير عن الذات ارتبط في الأدب الشعبي والموسيقى بقيم الرجولة والبسالة·

اقرأ أيضا