الاتحاد

تقارير

الضفة الغربية... واستراتيجية كسر طوق الاحتلال

إدموند ساندرز
الضفة الغربية



كان أول حجر يقذفه عمار عرفات على جنود الاحتلال الإسرائيلي عند بلوغه سن الثالثة عشرة في أحد مخيمات اللاجئين في مدينة نابلس بالضفة الغربية، وهي المدينة المعروفة بقوة مقاومتها للاحتلال. وعندما بلغ سن الخامسة عشرة كان قد اعتقل بسبب تفجيره للسياج المحيط بأحد معسكرات الجيش الإسرائيلي بواسطة عبوة ناسفة كان يخبئها تحت صدريته. وعقب إطلاق سراحه عاد لحمل السلاح ضد الاحتلال، ما أعاده إلى السجن مرة أخرى. ولكنه بلغ سن العشرين الآن وها هو يفكر فيما ستكون عليه خطوته التالية. فقد أكمل عمار عرفات دراسته الثانوية أثناء فترة اعتقاله. وهو يتهيأ الآن للالتحاق بإحدى الكليات الجامعية كي يتأهل ويبحث له عن عمل -ربما ضابط في قوات الشرطة الفلسطينية- ليدخل من أبواب الحياة المستقرة، وعن ذلك يقول: "لقد سعدت بالكفاح من أجل حرية أهلي وشعبي، لكنني بدأت أفكر في شيء مختلف الآن. فنحن جميعاً لا نتطلع إلا إلى حياة لائقة كريمة".
وبسبب الإحباط الفلسطيني إزاء تعثر محادثات السلام، واستئناف هجمات المقذوفات على الضواحي والمدن الإسرائيلية الشمالية القريبة من قطاع غزة، مصحوبة بتزايد تبادل أعمال العنف الانتقامية بين الطرفين المتصارعين في الضفة الغربية، بدأ بعض المراقبين يعقدون المقارنات بين ما يرونه اليوم من تصعيد للعنف والعنف المضاد، وتلك الأجواء التي سبقت اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في عام 2000. وفي الوقت نفسه كثر الحديث والتعليقات عن احتمالات اندلاع انتفاضة ثالثة وأصبح هذا حديثاً رائجاً في الصحف الإسرائيلية والمقاهي الفلسطينية أيضاً. غير أن تحولات سلوكية مثل التي رأيناها في قصة الشاب عمار عرفات هذه، تدفع كثيراً من الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء إلى عدم ترجيح احتمال اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة في الضفة الغربية خلال هذا العام. ويشير هؤلاء بصفة خاصة إلى ضعف وانقسام صفوف القيادة الفلسطينية التي بدت أكثر نبذاً للعنف، إلى جانب إحكام جيش الاحتلال الإسرائيلي لسيطرته على معظم الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويضاف إلى هذه العوامل كذلك الانتعاش الاقتصادي الذي شهدته الضفة الغربية مؤخراً، ما دفع الكثير من فلسطينيي الضفة للاقتناع بأن تكلفة أي انتفاضة ثالثة ستكون باهظة الثمن من ناحية الخسائر الفادحة التي سيتكبدونها جراءها.
وعلى حد قول الأكاديمي عبد الستار قاسم -أستاذ العلوم السياسية بجامعة النجاح في نابلس- فإن: "الظروف ليست مناسبة لاندلاع انتفاضة ثالثة. والسبب هو ضعف الروح المعنوية وغياب القيادة الموحدة اللازمة لانتفاضة كتلك التي حدثت في عام 2000. ولم يعد المواطنون متأكدين مما يمكن أن تحققه الانتفاضة الثالثة في حال اندلاعها. وفي المقابل فهم على إدراك بأن لهم الكثير مما يمكن أن يخسروه ثمناً لها". وفيما لو كانت الخطط تجري فعلياً للإعداد لخوض انتفاضة جديدة، لكنا قد شعرنا بذلك هنا في مخيم بلاطة الذي عرف بكونه حاضنة لأشد المقاتلين الفلسطينيين، وكان قد لعب دوراً رئيسياً في كلتا الانتفاضتين السابقتين.
إلى هذا فإن أسواق مدينة نابلس ومحالها التجارية تضج بالنشاط التجاري، بينما تكافح المدينة من أجل الوقوف على قدميها مجدداً عقب الحصار الذي فرضته عليها إسرائيل طوال العام الماضي والذي لم تترك لها خلاله سوى منفذ واحد -عبارة عن نقطة تفتيش- هي المعبر الوحيد من وإلى داخل المدينة.
واليوم يتحدث رجال الأعمال والشباب من مختلف الأعمار بسعادة كبيرة عن حرية الحركة المتاحة لهم، قياساً إلى حالة الحصار التي فرضت عليهم بدرجات مختلفة لعدة سنوات سابقة. وعلى سبيل المثال، بالنسبة لشاب في عمر "أسامة جمال" ذي السبعة عشر عاماً، تعد هذه هي المرة الأولى التي يستطيع فيها هو وأقرانه السفر إلى خارج نابلس، بما في ذلك زيارتهم للمدن الكبيرة مثل رام الله. وهو شأنه شأن عمار عرفات، المذكور أعلاه، كان أبوه قد قتل أثناء اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال، لا يدري إلى أي الاتجاهات تسير حياته الآن، وعن ذلك يقول: "حين أرى أهلي وأقاربي يعتقلون... يحز ذلك في نفسي كثيراً وأشعر بأن عليّ أن أفعل شيئاً من أجلهم. لكنني أرغب في مواصلة تعليمي في ذات الوقت. ولست أدري ما إذا كنت أستطيع القيام بكليهما في وقت واحد".
وفيما يبدو فإن لإسرائيل الدور الأكبر في صب الماء على نيران انتفاضة فلسطينية ثالثة محتملة. وهي تفعل ذلك من خلال سياسة العصا والجزرة التي تتبعها إزاء الفلسطينيين. فمن الملاحظ أنها خفضت من شدة الإجراءات وعدد نقاط التفتيش السابقة، بينما سمحت لسكان الضفة الغربية بتحقيق قدر معقول من النمو الاقتصادي، على رغم استمرار وجودها العسكري في أراضي الضفة، ومع استمرار حملاتها التي تستهدف المقاتلين الفلسطينيين. وعلى هذه السياسة المعقدة علق "داني إيلون" نائب وزير الخارجية الإسرائيلي بقوله: "إن عليك تبني سياسات ذكية ومتوازنة، تقوم على تعزيز دور المعتدلين والسماح ببناء الاقتصاد الفلسطيني، في ذات الوقت الذي لا تبدي فيه أدنى تراجع أمام المتطرفين ودعاة العنف".
واستطرد المتحدث قائلا: "إن وجود القوات العسكرية في أراضي الضفة الغربية ليس أمراً في غاية الأهمية فحسب، بل لقد ساعد هذا الوجود المستمر في الحد من احتمالات اندلاع انتفاضة ثالثة". ويرى منتقدو هذه السياسة أن التدابير التي تطبقها إسرائيل في الضفة الغربية، هي نوع من "تجميل وجه الاحتلال القبيح" لكونها لا تمارس من السيطرة والضغوط على الفلسطينيين إلا بما يسمح بكسر شوكة رفض الاحتلال، في ذات الوقت الذي ترغم فيه سكان الضفة الغربية على الاعتماد على مليارات الدولارات التي تصلهم في شكل مساعدات خارجية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم سي تي إنترناشيونال»

اقرأ أيضا