الاتحاد

تقارير

المغامرة العراقية

لم تكن مصادفة غير مقصودة أن تتزامن لحظة تسليم المسؤولية الأمنية في مدينة بغداد من أيدي سلطة الاحتلال الأميركي إلى الحكومة العراقية، مع لحظة التقاء- وعلى بعد أميال قليلة جداً، المسؤولين العراقيين ومستشاريهم القانونيين مع ممثلي شركات البترول الأميركية التي يُقال إنها حصلت على امتيازات بترولية هائلة فيما هو موجود في العراق قبل الغزو الأميركي والمطمور في باطن الأرض، والذي أكدت التحليلات الجيولوجية التي قام بها الخبراء الأميركيون أنه يحتوي على أكبر مخزون بترولي في البلاد العربية، ويكاد يوازي المخزون المطمور الكندي.
مع بدء انسحاب القوات الأميركية من المدن العراقية تمهيداً للانسحاب الكامل لقوات الاحتلال، تطفو على السطح مواقف أوباما حيث وصف الحرب على العراق بأنها كانت حرباً غير ضرورية، وأعلن معارضته للغزو الأميركي، عندما كان عضواً في الكونجرس. وبدأت المفاوضات والمؤامرات الأميركية التي كانت تدور في الخفاء، تتسرب أخبارها إلى أن وصلت إلى درجة أعلن فيها وزير البترول العراقي عن فتح باب العروض الدولية للتنافس الدولي بكل شفافية، وأنهى تلك المرحلة التي كانت الشركات الأميركية منفردة في الميدان «بعقود الإذعان» التي فرضتها على العراق إدارة بوش وتشيني وفقاً للصفقة الجائرة التي نظمها وأدارها نائب الرئيس الأميركي قبل وبعد احتلال العراق. والأصل والحقيقة في قصة المغامرة الأميركية تبدأ وتنتهي وتدور حول بترول العراق والقواعد العسكرية الدائمة. وكل الأحاديث والأساطير التي ملأت بها إدارة بوش، وجنّدت لها الآلة الإعلامية الأميركية الهائلة حول أسلحة الدمار التي يملكها نظام صدام وخطر النظام العراقي ليس فقط على الأمن القومي الأميركي، بل على جيرانه وأشقائه العرب، انكشفت قبل سقوط «الجمهوريين» في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، كانت ذرائع وأكاذيب هدفها أولا إرهاب وتخويف الرأي العام الأميركي، وخلق جو من الخوف والعداء على العرب والمسلمين. ولفترة (لحسن الحظ لم تطل كثيراً) بدأت الدعاية الأميركية تصور مشروع (بوش - تشيني) واليمين المسيحي المتطرف وكأنه مبعوث العناية الإلهية إلى الأمة العربية - الإسلامية لإنقاذها ونشر الوعي الديمقراطي والحرية والعدل، وكأن هذه الأمة تحتاج من يقودها إلى طريق العدل والديمقراطية. وتلك قصة العالم الاستعماري مع أمتنا منذ أن بدأت أوروبا الاستعمارية مشروعها لغزو واحتلال العالم العربي والإسلامي بقيادة بريطانيا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال. انسحاب بعض القوات الأميركية الذي تعهد والتزم به أوباما هو خطوة صغيرة في طريق طويل وشاق يتعين على الرئيس أن يمشي عليه، وسيواجه بمعارضة داخلية، فالتغيير الذي يحلم ويأمل به وبدايته الجديدة التي دعا لها بين أميركا والإسلام (قل المسلمين وضمنهم العرب المسلمون والمسيحيون) لن يتحقق بين ليلة وضحاها. والعقل الامبريالي والمصالح الاقتصادية، التي تتحكم بالمجتمع الأميركي تربت على مرور عقود من الزمن وأحلام الرواد الأميركيين بالحرية وبالولايات المتحدة النموذج للديمقراطية والعدل لقيادة العالم، انطوت أو كادت صفحاتها. وعندما يواجه الشعب الأميركي (على الأقل المستفزين منه) بالحقائق المأساوية التي خلّفها الاحتلال الأميركي على أرض وشعب العراق من تدمير للمدن والمنشآت الصناعية والعلمية التي دفع ثمنها الشعب العراقي والملايين الأربعة من النازحين والمشردين العراقيين ومئات القتلى من المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ سيحتاج الضمير الأميركي إلى فترة طويلة من الزمن لاستعادة روح أميركا الديمقراطية التي يدعو إليها أوباما. وما بين الآن (بداية انسحاب القوات) ونهاية ديسمبر عام 2011 ومع الأزمة المالية - الاقتصادية سيحتاج (الرئيس الأمل) إلى كثير من الدعوات بالتوفيق في ولايته الأولى.
عبدالله عبيد حسن

اقرأ أيضا