الاتحاد

تقارير

هوة بين الصين وكوريا الشمالية

التصعيد الكوري الشمالي يضع الصين في مأزق

التصعيد الكوري الشمالي يضع الصين في مأزق

تشكل الاستفزازات التي تقوم بها كوريا الشمالية اختباراً حقيقياً يتجاوز مسألتي السلاح والدبلوماسية، وهو ما يفسر قصور الجهود التي تقوم بها الأمم المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة للتعامل مع تلك الاستفزازات وعدم كفايتها، وذلك رغم ما يبدو عليها من تنسيق وتعاون لتبقى أي استجابة دولية فعالة رهينة بمدى التغيير الذي سيطرأ على الهوية الوطنية الصينية وقدرته على إعادة صياغة المصالح الاستراتيجية لبكين تجاه بيونج يانج.
وبالنظر إلى العلاقات التاريخية التقليدية التي تربط الصين بكوريا الشمالية، والاعتماد الاقتصادي لهذه الأخيرة على الصين، يرى معظم المراقبين أن بكين تملك مفاتيح الحل في بيونج يانج وأنها قادرة على معالجة ملفها النووي، لكن رغم هذا الإدراك تعرف إدارة أوباما جيداً، كما كانت تعرف قبلها إدارة بوش، أن تشديد الضغوط على بكين لن يؤدي إلى النتائج المنشودة، بل بالعكس قد تكون عواقبه وخيمة. فقد اعتادت الصين على الاعتقاد بأنه يمكنها الحفاظ على مصالحها القومية بشكل أفضل لو أبقت على الوضع كما هو في شبه الجزيرة الكورية، فبحسب التصور الذي ساد خلال مرحلة الحرب الباردة حول التوازن الاستراتيجي وما أعقبه بعد انتهاء الحرب الباردة من تصور آخر يركز على تحقيق التنمية الداخلية، أولت الصين اهتماماً خاصاً بالحفاظ على منطقة عازلة والحرص على عدم انتقال المشاكل عبر الحدود إلى أراضيها. وطالما أبقت الصين على هذه الأولويات وتبنت التصورات ذاتها فإنه من الصعب إقناعها بتغيير موقفها تجاه بيونج يانج بانتهاج أسلوب أكثر تشدداً في التعامل معها. بيد أن الصين اليوم ليست هي الصين التي هبت لمساعدة كوريا الشمالية إبان الحرب الباردة بعد التطور الذي شهدته هويتها الوطنية على مدى عقود من النمو الاقتصادي المتسارع والاندماج في المنظومة الدولية، بحيث أصبحت الأفكار المستلهمة من الشيوعية والانعزال للتركيز على التحديث، أفكارا قديمة ولا تستجيب لمتطلبات المرحلة العالمية الجديدة. وبدلا من ذلك تسعى الصين اليوم إلى لعب دورها التقليدي كقوة ذات نفوذ في قلب آسيا، ليس فقط في مجال القوة، بل أيضاً لكسب الاحترام والاضطلاع بمسؤولياتها الإقليمية، هذا التطلع أصبح ممكناً بفضل نجاح نموذجها الاقتصادي الذي قربها أكثر من الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية. وقد يكون لهذه الهوة المتنامية في الهوية بين الصين وكوريا الشمالية، دور كبير في تغيير الصين لنظرتها إزاء مصالحها القومية وإعادة تعريف تلك المصالح وفقاً لهوية جديدة ومعطيات عالمية ضاغطة، لاسيما وأن الصينيين اليوم بدؤوا يتساءلون عما إذا كانت بلادهم تدفع أكلافاً باهظة إذا تغاضت عن كوريا شمالية نووية إلى جانبهم والاستمرار في دعم نظام «كيم يونج إيل»، بل هناك أسئلة حول ما إذا كانت الصين تبالغ في تقدير أهمية المنطقة العازلة التي تضمنها بيونج يانج وقدرتها على صد القوات الأميركية والكورية الجنوبية، فضلا عن تحدي اللاجئين من كوريا الشمالية واحتمال اندلاع صراع عسكري في شبه الجزيرة. وبالنظر إلى القوة الكبيرة التي تريد الصين أن تصبحها وما يترتب على ذلك من مسؤولية، فإن تكلفة البقاء مع كوريا الشمالية والاستمرار في دعمها قد يتجاوز تكلفة التخلي عنهـــــــا، بحيث ستكون الأولوية بالنسبــــــة لواشنطــــــن وسيؤول وطوكيو هي الحفاظ على موقفها الموحد، لاسيما خلال هذه المرحلة التي يعتقد فيها أن كوريا الشمالية تتأهب لترتيب عملية انتقال السلطة. وفي هذا الإطار تشكل المواقف الاستفزازية لبيونج يانج فرصة سانحة لتنفير بكين واستقطابها إلى الجانب الآخر بعدما أصبحت إجراءات، مثل الانتشار النووي وإجراء تجارب غير قانونية على الأسلحة واحتجاز الصحفيين الأجانب للحصول على الفدية، منافية للهوية الصينية الجديدة. ولئن كان التنافس على النفوذ في شبه الجزيرة الكورية سيبقى مستمراً لفترة من الزمن ولن يختفي بين عشية وضحاها، إلا أن المصالح على المدى البعيد، والتي تتقاسمها الصين مع اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة، ستصبح أكثر وضوحاً مع مرور الوقت، لذا ليست الاستفزازات الأخيرة التي يقوم بها نظام «كيم إيل يونج» سوى اختبار لقدرة الهوية الجديدة للصين على إعادة صياغة المصالح الاستراتيجية للبلد وسياساته الخارجية، ليبقى مدى تعاون بكين مع واشنطن وطوكيو وسيؤول معلقاً بين كفتي الميزان.
ليف إيريك ليزلي
أكاديمي زائر بمعهد الدراسات الكورية التابع لجامعة جنوب كاليفورنيا الأميركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا