الاتحاد

دنيا

سهيل اليبهوني: قصر الحصن منارة تاريخية ومحطة مهمة للانطلاق نحو المستقبل

قصر الحصن شاهد على ماض تليد وحضارة عريقة (أرشيفية)

قصر الحصن شاهد على ماض تليد وحضارة عريقة (أرشيفية)

المعالم التاريخية القديمة تظل بآثارها العتيقة لوحة فنية تتجدد معالمها يوماً بعد يوم، خصوصاً إذا كانت هذه المعالم بحجم قيمة قصر الحصن الذي مر على إنشائه أكثر من 250 عاماً، ليقف شاهداً على التاريخ الذي يزخر بمعاني راسخة تمتلئ بها نفوس الجيل الماضي، وتنتقل بشكل تلقائي إلى أذهان وقلوب الجيل الحالي الذي يفخر كل الفخر بتاريخه التليد، وقصر الحصن يحمل دلالات تراثية كبيرة يرتبط بها المواطنون، وقد ترجم هذا الارتباط بحضورهم الكثيف، الفعاليات التي تستمر حتى التاسع من الشهر الجاري، فالحصن قصة وطن مكتوبة بحروف من ذهب في صفحة ناصعة من صفحات التاريخ، وما من شك في أن الرواد الذين شاهدوا هذه الحقبة المهمة من الزمن لهم رؤى خاصة، وتصورات مختلفة بما يحملون من ذكريات جميلة جمعتهم عند قصر الحصن، ومن بينهم الوالد سهيل علي اليبهوني، والذي كان أحد المرافقين للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.


أشرف جمعة (الاتحاد) - يسترجع الوالد سهيل علي اليبهوني ذكرياته مع قصر الحصن، ويذكر أن منطقته التي تمتد على البحر برمالها الجميلة الذهبية، والأشجار التي تلتف عليها كانت مقصداً لكثير من الناس، خصوصاً الذين يرتحلون من مكان إلى آخر، فيستظلون تحت أشجار النخيل، ويستريحون ما وسعتهم الراحة، ويتسامرون في جماعات، والمفاجأة التي كنت تعم الجميع أن الطعام كان يأتيهم في أماكنهم، فيطعمون ويشربون، ثم يستأنفون رحالاتهم من جديد، لتأتي أفواج أخرى، وتجد من الخير الوفير، ويبين أن الاحتفالات الحالية ليست فقط تبرز الدور التاريخي والحضاري لقصر الحصن، بقدر ما تؤكد أنه الركيزة الأساسية لحكومة أبوظبي، ما يسلط الضوء بقوة على البدايات الأولى لهذه الحضارة، وقيمة الدور الذي لعبه الأجداد المؤسسين من أجل هذا الوطن.
تراث عريق
ويلفت إلى أن كبار السن - ولكونه واحداً منهم - يرون التحولات التي تمر بها الدولة في الفترة الراهنة، أشبه بالمعجزة الإلهية التي يصعب على البشر تحقيقها في سنوات قليلة من عمر الزمن، لكن الله قدر لهذا الوطن أن يرقى، وأن يتطور، وأن يستفيد أهله من مورثاتهم القديمة، وتراثهم العريق لتكون النتيجة هي أمة تحظى بمكانة عليا بين الأمم، ويكفي أن بلادنا أصبحت قبلة للزوار والسياح والعمالة من كل أنحاء العالم، وأحمد الله أنني عشتُ حتى رأيت كل هذه المظاهر، ورأيتُ تمسك الشباب بتاريخهم والتفافهم حول قصر الحصن، الذي ليس مجرد أسوار وجدران، لكنه رسالة حقيقية تقول لهم: إنكم تنتمون إلى حضارة أصيلة، وعليكم أن تسهموا في رقيها، وتجتهدوا من أجل الحفاظ على ما أرساه قادتنا من مكارم وعادات وتقاليد نبيلة.
مآثر زايد
وحول الصورة الفوتوغرافية التي جمعته ذات يوم، بالمغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، يقول: كان ذلك في عيد الأضحى، لكن الذاكرة لم تسعفه على تذكر العام الذي التقطت فيه، ويضيف أردت أن أسلم عليه لاستمد منه الشجاعة، إذ إنه كان يبث في من يلقاه كل معاني الشجاعة والكرم، والنخوة والمروءة، وهذه صفات لو اجتمعت في إنسان لجعلته أسطورة بين الأمم، واليوم مآثر زايد لا تزال حديث الناس في كل أقطاب الأرض.
وفي أثناء حديث الوالد سهيل، كان دائم الترديد لأبيات الشعر النبطي الذي يتحلى بالحكمة في أبهى معانيها، ويختار أبياتاً من محفوظاته التراثية، شفافة تنبض بالصدق فينتبه كل من في مجلسه أكثر، ليتابع حديثه الشائق الممتع، حيث يقول:
ياشيخ ما جت سفرة الشال
ولا السلالة الكنديه
لا بركه في الخادم بلال
إن كان ما يطلبني بمال
يرد محزمي عليه
حدث مهم
ويرى اليبهوني، أن هناك أحداثاً تاريخية لا يتلهف الناس على ذكرها أو متابعتها، وربما يكفي تسليط الضوء عليها مرة أو مرتين، لكن قصر الحصن حدث يتجدد، ونحب أن نستقبله كل عام، ونزوره كلما استطعنا ذلك، حتى تظل نفحاته الروحية مستمرة داخل وجداننا، فقد أحببنا هذا الحدث، وارتبطنا به، ونشعر بالاطمئنان دائماً كلما تعلق به أبناؤنا، واستشعروا أن لهم ماضياً تليداً لا يستهان به وبعظمته، فهو الوقود الذي يحرك الطاقات، ويجدد النفوس، ويدفعها نحو العلم وتحقيق الآمال والطموحات.
ويقول: بصدق أرى قصر الحصن من منظور آخر غير الآخرين، فأنا مرتبط به، وعندما كنت أسكن في مدينة العين لم أنقطع عن زيارته، وحين سكنت بالشهامة، وفي مراحل صحتي وقوتي، كنت أذهب للزيارة أيضا لأملأ عيني منه، وذلك بصحبة أبنائي وبعض أقاربي، وأحياناً أذهب إليه بمفردي، واليوم أراه بقلبي وأتحدث عنه إلى زواري في مجلسي، وكلما جرى الحديث عنه أشعر بحلاوة في لساني، فلا يمل جلسائي حديثي، ولا نكاد ننتهي حنى نعود إلى الكلام عنه، وإذ كنت أراه قاطرة المستقبل، وذكرى تجدد نفسها مع الأيام، فإن غيري يستطيع أن ينظم فيه الشعر، ويقول أحلى الكلام وأعذبه، وكلما تشعبت الرؤى كلما اكتسب هذا المعلم قيمة أرفع ومكانة أجل.
محطة مهمة
مجلس الوالد سهيل يتجمع فيه الأقربون والأخلاء والجيران، إذ يقصدونه ليتسامروا معه، ويستمعوا إلى حديثه الرائق عن قصر الحصن، خصوصاً في هذه الأيام التي تعم فيها الاحتفالات أرجاء إمارة أبوظبي، وعلى الرغم من سنوات عمره الطويلة البادية عليه، إلا أن قلبه الشاب يحمل في داخله ذكريات جميلة، وحكايات لم يزل يتردد صداها بين جوانحه، والعجيب أن كلامه دائماً متجدد، فهو من الذين تحملوا المشاق في البداية حتى رأى ما آلت إليه دولة الإمارات من تقدم في جميع المجالات.
ويضيف الوالد سهيل اليبهوني: قصر الحصن منارتنا التاريخية عبر الأيام والسنين، فهو محطة مهمة ليس في حياة أهل إمارة أبوظبي، بل في حياة كل أبناء الدولة فهو رمز للماضي، ومنارة للحاضر بما يكتسبه من مكانة أصيلة ببنائه الشامخ الذي سيظل نقطة فاصلة تجمع الأجيال حولها، وتحرك فيهم مشاعر الانتماء لدولة موغلة في القدم ضاربة جذورها في عمق التاريخ، ويؤكد أن مكانة قصر الحصن ترتفع يوماً بعد يوم في نفوس الجيل الحالي، لما يحمل القصر من مقومات تراثية ترسخ لعادات أصيلة، غرس بذرتها الأجداد، وجنى ثمارها الآباء وطعم منها الأبناء في حلقات متواصلة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً. مؤكداً أن الذكريات العطرة التي تتعلق بالقصر تعد كنزاً ثميناً محفوظاً في صدور الرجال الذين يرون ملامح دولتهم باعتزاز، ويروون تاريخها بحب عميق من أجل أن يتفاعل معه الشباب، ليأخذوا منه العبر والدروس التي تجعلهم يشعرون بالفخر والاعتزاز، لأنهم ينتمون إلى تراث عريق.
ويشيد الوالد سهيل بالفعاليات المصاحبة للاحتفالات التي أقيمت في جو من التآلف والمحبة، وهو يشاهدها عبر التلفزيون، إذ إنه لا يستطيع المشاركة فيها بنفسه، رغم الحنين الجارف الذي يشده للذهاب والوقوف بين جموع الناس، فتذرف منه الدموع كلما شاهد الناس على اختلاف أعمارهم وجنسياتهم يتوافدون على قصر الحصن لرؤية الاحتفالات، ويرى أن هذه الحشود تعد دليلاً على الوفاء والإخلاص لوطن لم يبخل على أبنائه، ولم يقدم لهم إلا كل ما يهيئ لهم أسباب السعادة، ويجعلهم في منزلة تحسدهم عليها الأمم، ويبين أن القوة النفسية التي يستمدها شخصياً من قصر الحصن كبيرة جداً، وكفيلة بأن تبعث في نفسه نشاطاً وقوة، وصبراً وتجلداً وعزيمة لا تلين، وحياة جديدة تتميز بجمال الروح، وهذه القوة النفسية التي تنطلق من قصر الحصن قادرة على أن تبث في الشباب روح الاجتهاد، وتدفعهم نحو العمل الدؤوب من أجل استكمال حضارتهم التي أرسى دعائمها المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه.



ملهم الأجيال الجديدة
يقول الوالد سهيل علي اليبهوني، إن مهرجان قصر الحصن الذي يقام حالياً لديه القدرة على الإجابة على أي سؤال من الممكن أن يتبادر إلى ذهن إي إنسان، إذ إنه يجسد هذه المرحلة بدقة وأمانة، وقد شاهدتُ المجسمات والطرقات التي يسير الناس فيها، ليتابعوا سير الاحتفالات، وألواناً من الفنون المحببة إلى قلوبنا، وقد كنت في شبابي أصطف مع الرجال، وأشاركهم رقصة العيالة، ونتجمع في الأعياد والمناسبات الخاصة والعامة، نجامل بعضناً بعضاً، ونجتمع عند شيوخنا الكرام الذين تعلمنا منهم فضائل كريمة، نقلناها لأبنائنا، من هنا نشأ المواطن الإماراتي على حب الآخرين واحترام الناس كافة، وكل ذلك يتجلى بوضوح في شخصيته التي أجبرت كل الجنسيات الموجودة بأرضنا على احترامه وتقديره، لأنه يتعامل معها بفطرته التي نشأ عليها، وسلوكه الذي اكتسبه واستمده من تراثه وعاداته وتقاليده، وقصر الحصن اليوم يلهم الأجيال الجديدة أفكاراً، وإن كانت من الماضي لكنها تصلح لكل زمان ومكان، ويكفي أن الباحثين من مشارق الأرض ومغاربها - كما أسمع وأرى في نشرات التلفزيون - يدرسون تاريخنا، ويسعون إلى اكتشافه وإظهاره للناس، وهذا وحده كفيل بأن يشعرنا بقيمة ما حققناه سابقاً، وما أنجزناه حالياً.

اقرأ أيضا