الاتحاد

تقارير

قمة الثماني... اختبار جديد للرئيس الأميركي

مع وصول الرئيس أوباما إلى «أكويلا» بهدف المشاركة في قمة الدول الثماني الكبرى التي بدأت أمس في إيطاليا، وهي مشاركته الثانية في قمتين اقتصاديتين عقدتا عقب مراسم تنصيبه الرئاسي خلال ثلاثة شهور، فإن من شأن الشكوك حول قيادة واشنطن، أن تسفر عن تردد سياسي من قبل بقية الدول الكبرى المشاركة في القمة، ربما تعيق بدورها احتمالات تعافي الاقتصادين العالمي والأميركي معاً من الأزمة العامة التي يواجهانها.
وعلى رغم الكياسة الدبلوماسية التي يبديها قادة الدول الصناعية الكبرى الشريكة لواشنطن في هذه القمة، يصمم هؤلاء القادة على رفضهم القاطع لأي مساع أميركية تدعوهم لاتخاذ خطوات كبيرة جديدة لحفز النشاط الاقتصادي العالمي. ويعد هذا الموقف السابق لانعقاد القمة، انعكاساً لما صدر عن أوباما من تصريحات تشير إلى عزمه على تكريس جهوده للمبادرات التي تدعو الدول الصناعية الكبرى للمساهمة بنصيب أكبر في الأمن الغذائي، بدلا من تكريس الجهود لمواجهة القضايا الأكثر أهمية مثل زيادة الميزانيات المخصصة لحفز النمو الاقتصادي، وإنشاء الوظائف الجديدة وغيرها. وفوق ذلك، يتعين على أوباما تكثيف جهوده الدبلوماسية عبر اللقاءات الجانبية بعيداً عن اجتماعات القمة الرسمية، بهدف تعزيز ثقة قادة الدول الصناعية الأخرى بقوة الدولار الأميركي وجاذبية المناخ الاستثماري الأميركي لرؤوس الأموال الأجنبية. ولما كانت للصين ودول أخرى عديدة ممتلكات ضخمة في سندات الخزانة الأميركية، فإن من شأن أي مسعى من هذه الدول لتسييل سنداتها المالية، أن تكون له تداعيات كارثية على الاقتصاد ومؤسسات المال الأميركية، بدءاً من حياة المواطن البسيط وحتى أسواق وول ستريت. وعلى حد تعليق «ستيفن سكريج» -خبير الاستثمار الدولي بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن- «فإن توقيت انعقاد قمة «أكويلا» يتسم بالخطورة والخداع، بسبب عدم قدرة المؤسسات الاقتصادية والمالية العالمية على التأقلم مع حقائق الواقع الاقتصادي». ومن رأي «ريتشارد جوان» -المدير المشارك لمركز التعاون الدولي بجامعة نيويورك- أن أوباما ينطلق إلى القمة مدعوماً بقوة كبيرة تجعل قادة الدول الأخرى: بريطانيا ، ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، كندا، اليابان، وروسيا، يتطلعون إليه من أجل القيادة. غير أن التحدي الذي يواجهه أوباما في قمة «أكويلا» هذه يكمن في مدى قدرته على ترجمة قوته القيادية إلى جهد موحد من شأنه دفع قادة الدول الغنية نحو المساهمة بقدر أكبر في تعافي الاقتصاد العالمي. وعلينا أن ننتظر لبعض الوقت كي نرى مدى قدرته على استغلال قدراته القيادية في التأثير على قادة الدول الغنية. يذكر أن أداء أوباما في أول قمة اقتصادية حضرها في لندن في شهر أبريل المنصرم، كان قد لقي استحساناً كبيراً، بسبب قدرته على التعامل مع قادة العالم الآخرين في عدد من القضايا الخلافية. لكنه رغم ذلك عجز عن إقناعهم برفع مساهمتهم في إنقاذ الاقتصاد العالمي من أزمته. ذلك أن بقية دول العالم طالما نظرت إلى هذه الأزمة باعتبارها «صناعة أميركية» ولذا فإن على واشنطن أن تجد للاقتصاد العالمي مخرجاً منها. وفي وسع أوباما الآن الإشارة إلى ميزانية الإنقاذ الاقتصادي العملاقة التي أجازها الكونجرس الأميركي، فضلا عن إشارته إلى المساعي المبذولة لفرض قيود ورقابة أكبر على النظام المالي الأميركي، وكذلك الميزانية التي اقترحتها بلاده لمكافحة التغير المناخي، وغيرها من الخطوات التي تهدف إلى تنظيم الفوضى الاقتصادية المالية التي أدت إلى الأزمة. وإلى جانب نقاط القوة هذه، فقد تراجعت نسبياً تلك المخاوف التي سيطرت على الاقتصاد العالمي خلال الشهور الأخيرة الماضية، مع بروز الكثير من المؤشرات على الاستقرار النسبي. وهذا ما يتوقع من قادة الدول الثماني الكبرى التركيز عليه، رغم المؤشرات السلبية الدالة على عدم تعافي الاقتصاد العالمي بعد. وحتى هذه اللحظة، قلل القادة المشاركون في القمة أي توقعات لتبني مبادرات كبرى يتم الإعلان عنها عقب انتهاء محادثات الأيام الثلاثة المنعقدة في ضاحية «أكويلا» الإيطالية الجبلية. غير أن من طبيعة القمم الدولية عادة، أن اللقاءات والاجتماعات الجانبية التي تعقد فيها، تعتبر أكثر أهمية من مداولات الجلسات الرسمية. وهنا محك اختبار قدرات أوباما القيادية في التأثير الإيجابي على القادة الآخرين. أحد هذه الاختبارات: مدى قدرته على تعديل موقف بلاده السابق، وكذلك التأثير على قادة الصين والهند وغيرهما من الدول التي عرقلت مسار جولة مفاوضات الدوحة، الهادفة إلى رفع الحواجز التي تضعها بعض الدول -ومنها الولايات المتحدة الأميركية- أمام التجارة الحرة، جراء الحماية التي توفرها الدول الرافضة لها لبعض منتجاتها الاقتصادية. وتتخذ سياسات الحماية هذه شكل دعم المزارع والمنتجات الزراعية، وتخفيف رسوم التعرفة الصناعية. غير أن الخبير «سكاريج» يتشكك كثيراً في أن يقدم قادة الدول الغنية الأخرى على اتخاذ أي خطوات عملية أو تحديد أي جدول زمني لاستئناف جولة مفاوضات «الدوحة». وأشار «سكاريج» إلى أنه وعلى رغم إعلان قادة الدول اعتزامهم التراجع عن سياسات الحماية الاقتصادية المشار إليها آنفاً، فإن الشهور التي أعقبت حدوث الأزمة المالية الاقتصادية العالمية، وصولا إلى قمة مجموعة لندن الاقتصادية التي عقدت في شهر أبريل المنصرم، شهدت تبني 17 دولة من الدول الأعضاء لسياسات تهدف إلى حماية اقتصاداتها الوطنية! واستطرد «سكاريج» إلى القول: لقد اتخذت إدارة أوباما الحالية مواقف متغيرة إزاء التجارة الحرة. فخلال حملته الانتخابية الرئاسية، صدرت عن أوباما تصريحات مثيرة للقلق بشأن رؤيته للتجارة الحرة. بيد أن تصريحاته الأخيرة عنها، جاءت باعثة للاطمئنان. وينظر الكثيرون إلى هذه القمة -التي دعيت للمشاركة فيها 30 دولة أخرى إلى جانب الدول الثماني الرئيسية فيها- على أنها مجرد تمهيد لقمة الـ20 التي تعقد في بطرسبرج في شهر سبتمبر من العام الجاري. وفي هذه الأخيرة يرجح اتخاذ خطوات ومبادرات اقتصادية أكثر جرأة، في حضور جمهور أوباما المحلي.
دون لي
محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست»

اقرأ أيضا