الاتحاد

الرئيسية

لماذا يطارد الإرهاب الأسْوَد «رسل الخير» حول العالم؟!



لم يكن استشهاد خمسة من نخبة أبناء الإمارات في الهجوم الإرهابي الذي وقع أمس الأول في مدينة قندهار الأفغانية خلال قيامهم بمهام إنسانية وتنموية، سوى تذكيرٍ جديدٍ بالثمن الذي يدفعه المنخرطون في أنشطة الإغاثة وإيصال المساعدات الإنسانية إلى مناطق الصراع والبقاع المضطربة من العالم.

فأفغانستان تحديداً تُوصف بـ«البلد الأكثر خطورة» بالنسبة لعمل الوكالات الإغاثية في العالم، في ظل تقديرات تشير إلى أن 481 هجوماً استهدفت هذه الوكالات والعاملين لحسابها أو المتطوعين المتعاونين معها بين عامي 1997 و2015، بحسب إحصائية أعدتها مبادرة «ذا آيد ووركر سيكيوريتي داتا بيز»، المعنية بحماية النشطاء في هذا المضمار على مستوى العالم.



وبذلك يحتل هذا البلد الآسيوي الممزق بالصراعات والحروب، المركز الأول على القائمة السوداء للدول التي يشكل العمل فيها خطراً على العاملين في مجال الإغاثة والمساعدات الإنسانية، وهو ما يفاقم من معاناة 9.3 مليون نسمة، قالت الأمم المتحدة بحسب تقديراتها الاثنين الماضي، إنهم يحتاجون معونات إغاثية في أفغانستان مع مطلع عام 2017.



ووفقاً لإحصائيات «ذا آيد ووركر سيكيوريتي داتا بيز»، يأتي السودان في المركز الثاني على قائمة الدول الأكثر خطراً على عمال الإغاثة بفعل 245 هجوماً وقعت في أراضيه ضدهم بين 1997 و2015، يليه الصومال بـ229 هجوماً، ثم جنوب السودان بإجمالي 118 هجوماً، وأخيراً سوريا بـ103 من الهجمات.



ولعل المحدودية النسبية لعدد الاعتداءات التي ضربت المنظمات الإغاثية في سوريا، يعود إلى أن الصراع هناك، لم يندلع سوى منذ نحو ست سنوات فحسب، وهي مدة محدودة مُقارنةً بالصراعات طويلة الأمد، التي دارت في الدول التي سبقت هذا البلد على القائمة.



لكن ذلك لا يعني أن عمل وكالات الإغاثة في الأراضي السورية أفضل حالاً من نظيره في باقي مناطق الحروب. فقبل شهور قليلة، وتحديداً في أواخر سبتمبر الماضي، قُصفت قافلة مساعدات إنسانية مشتركة بين الأمم المتحدة والهلال الأحمر السوري واللجنة الدولية للصليب الأحمر، كانت متجهة إلى بلدة أورم الكبرى في محافظة حلب، وذلك في الفترة التي كانت فيها حلب ساحةً لمواجهة ضارية بين القوات الحكومية وحلفائها وفصائل المعارضة بمختلف انتماءاتها.



القصف الذي حمل نشطاء سوريون معارضون مسؤوليته لطائرات حكومية أو روسية، أدى لإصابة 18 شاحنة كانت محملة بالمساعدات، ومقتل ما يتراوح ما بين 12 و32 شخصاً، بينهم أكثر من عشرة من عمال الإغاثة، منهم مسؤول الهلال الأحمر السوري بالمنطقة.

وألقت هذه الضربة الجوية بظلالها على أنشطة الوكالات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة في سوريا بأسرها، إذ تقرر عقب وقوعها وقف تسليم كل شحنات المساعدات التي توصلها تلك الوكالات إلى المحتاجين إليها في هذا البلد.



وفي اليوم التالي لهذا القصف الوحشي مباشرةً، وقع هجوم استهدف شحنات مساعدات أخرى تابعة لمنظمة إغاثية سورية تحمل اسم «اتحاد الرعاية الطبية ومنظمات الإغاثة»، لتعلن المنظمة بعده عن سقوط خمسة قتلى من أعضاء فريقها الطبي، وتعليق تسليم الشحنات التي توزعها في حلب، بالنيابة عن منظمة «الإغاثة الإسلامية عبر العالم» الخيرية.



ولم تختلف الصورة في العراق المجاور، فقبل أقل من ثلاثة أسابيع من هجوم قندهار الإرهابي الأخير، استهدف قصفٌ بقذائف الهاون عمليةً لتوزيع المساعدات في شرق مدينة الموصل، مما أدى لمقتل أربعة من عمال الإغاثة العراقيين، بجانب سبعة مدنيين على الأقل.

ومثلما حدث في الاعتداء الإجرامي الأخير في أفغانستان، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها على الفور، ولكن أصابع الاتهام اتجهت إلى تنظيم «داعش» الإرهابي، الذي دأب على شن عمليات قصف عشوائية، خلال تقهقره أمام القوات المشاركة في عملية استعادة السيطرة على الموصل.



السجل الدموي لاستهداف عمال الإغاثة لم يقتصر على منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل امتد إلى مناطق أخرى مضطربة، مثل جمهورية إفريقيا الوسطى التي شهدت 15 هجوماً على الأقل من هذا القبيل خلال العام الماضي، وهو ما استدعى إدانة أممية لاسيما في ظل وجود نحو مليونين و300 ألف شخص في حاجة ماسة للمساعدات في هذا البلد الإفريقي.



وفي سريلانكا، أعدم 17 من عمال الإغاثة التابعين لـ«منظمة العمل ضد الجوع» بدم بارد في أغسطس 2006، على يد مسلحين أطلقوا النار على رؤوسهم.

وبنظر مراقبين يشكل استمرار الاعتداءات على الوكالات الإغاثية بهذه الوتيرة المتزايدة، فشلاً ذريعاً لمنظومة الحماية التي يُفترض أنها تتوافر لأنشطتها بموجب القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. ويحمل أحدث هذه القرارات رقم 2175 وصدر عن مجلس الأمن الدولي في عام 2014، ذلك العام الذي شهد مقتل 121 من عمال الإغاثة في دول مختلفة.

وبالرغم من أن القرار، الذي يعتبر أي اعتداء على عمال الإغاثة بمثابة جريمة حرب يتعين محاسبة مرتكبيها، اعتُبر في بادئ الأمر محاولة جادة لمواجهة تزايد معدلات استهداف هؤلاء، لكن ذلك لم يمنع أن يشهد عام 2015 التالي مباشرة لإصداره مقتل 109 منهم، بحسب تقديرات «ذا آيد ووركر سيكيوريتي داتا بيز»، وذلك جراء 148 هجوماً استهدفت 287 من العاملين في هذا المجال، وأدت كذلك إلى جرح 110 أشخاص واختطاف 68 آخرين.



وفي مسعى لوضع حد لهذه الأعمال الإجرامية، اقترحت وكالات إغاثية أن يستحدث الأمين العام للأمم المتحدة منصباً جديداً لمبعوثٍ أممي يُناط به مهمة تعزيز الجهود الرامية لإسباغ الحماية على عمال الإغاثة في العالم.

ومن المفترض أن يعمل هذا المبعوث على إقناع مختلف أطراف النزاع في شتى بقاع الأرض باحترام استقلالية العاملين في وكالات الإغاثة والمنظمات الإنسانية. لكن هناك من عارض تلك الفكرة، قائلاً إنها لن تؤدي إلا إلى استحداث منصب بيروقراطي جديد، تتداخل صلاحياته مع مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.





 

اقرأ أيضا

قمة السعادة