الاتحاد

دنيا

سعيد راشد النعيمي يروي رحلة الكفاح والعطاء


الشارقة- موزة خميس:
ولد سعيد بن راشد النعيمي في منطقة الحمرية بالشارقة، ولكن شاءت الظروف أن تنفصل والدته عن والده فتحمل معها تلك الظروف لتعود به إلى الشارقة وتسكن معه في بيت البسطي بالإيجار في منطقة الشرق غرب فريج بن عويس، ومن نسي نذكره أن سعيد النعيمي كاتب ومخرج قديم، وشكل مع مجموعة من الرجال والنساء الاماراتيين نواة الحركة الدرامية في الإمارات، وقد ينسى الناس أنه كان ذات يوم يشغل منصب نائب مدير تليفزيون أبوظبي حتى 1997م، وقد تقاعد وهو يشغل هذا المنصب، ولكنهم لن ينسوا دور القاضي الذي مثله بعفوية وفطرة·
كان والد سعيد راشد 'رحمه الله' يعمل غيص أي غواصاً، ثم أصبح فيما بعد نوخذة، وكان جده أيضا نوخذة، وكان لديهم محملهم سفينتهم الخاصة بهم، وقد عاصر سعيد فترة الغوص والقحة، حيث كان الناس يذهبون في رحلات الغوص لمدة ثلاثة أو أربعة شهور وكان عدد الرجال على السفينة الواحدة ما بين 40 إلى 60 رجلا حسب حجم السفينة، ولكن القحة يذهب فيها الرجال كل يوم في الصباح الباكر ويعودون ظهرا، حيث يغوصون في الهيرات القريبة·
أرسلته والدته ضمن رحلات الغوص وهو فتى في الثانية عشرة من العمر مع النوخذة سالم بن عبدالله بن خليفة المطوع الشارجي، وكان صاحب المحمل، كما كان يخرج معه أطفال آخرون تتراوح أعمارهم بين الثامنة والتاسعة، لأن الأهل يريدونهم أن يتحملوا المسؤولية منذ الصغر حتى لا يشب أحدهم وهو اتكالي، ولأن كل طفل لابد أن يكون جاهزا نفسيا وبدنيا للعمل ما إن يشتد ساعده قبل بلوغ عمر المراهقة، وقد ذهب سعيد في سفرات الغوص عامين متتالين وقد شهد ثورات البحر وهياجه، فكان الرجال في السفن يقومون بعملية يقولون عنها(ننثر) أي الفرار إلى الجزر القريبة مثل زركوه وداس والصير·
يقول إن والدته أول من علمه الخط في عمر الثامنة، فقد كانت متعلمة عند المطوع، ولذلك كان تجمع (الحريم) النساء والفتيات كل يوم عصرا في (الحوي) أي الفناء بمنزلها وتقرأ لهن من الكتب الدينية ومن القرآن، وقد كانت تقرأ من كتب المتنبي وجواهر الأدب وكتب السير، وكانت مصرة على أن يتعلم ولدها كما كانت تجلسه وتعلمه كيف يتعامل مع الناس بلطف واحترام، وكان سعيد يعلم أن ما يميز والدته عن غيرها من النساء هو إجادتها للقراءة والكتابة، ولذلك في عام 1952 تم إجراء اختبار تحديد مستوى له وادخل للمدرسة مباشرة للصف الرابع الابتدائي، وكان من ضمن الطلاب الذين درسوا معه في تلك المرحلة تريم وعبدالله عمران وعلي النومان وحسن النومان وعبدالله بن سالم الهامور وحميد بن ناصر العويس، وكان حميد بن ناصر وعبدالله بن سالم من المقربين لسعيد لأنهم أبناء فريج واحد·
التعليم مفتاح النجاح
كان سعيد يهتم كوالدته بتتبع دروب العلم رغم الظروف المحيطة، وقد قرأ الكثير عن مسيرة التعليم في الإمارات والذي يعود إلى عهد المطوع الذي يعلم حفظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية إلى جانب التدريب على الكتابة والخط والإلمام بأركان الإسلام والوضوء، وهو يقول إن هناك نوعا متطورا من التعليم لدى المطوع ظهر نتيجة لاختلاف الدروس التي يؤديها بعض المطاوعة وتنوعها في بعض الأحيان نتيجة لتنوع ثقافتهم وسعة معرفتهم ودرايتهم، وهذا بطبيعة الحال أدى إلى ظهور اختلاف واضح في الدروس التي يتلقاها الأبناء على أيدي بعض المعلمين· كما كان هناك نظام مارسه عدد قليل من الفقهاء والعلماء والمطلعين الذين توفرت لديهم معرفة واسعة في أصول العقيدة والفقه والتفسير والنحو والإملاء والتاريخ والدروس الدينية المختلفة، وكانت تعقد حلقات للدروس في زاوية أو ركن في أحد المساجد، أو يخصص لها مكان أو موضع معروف في بيت الفقيه نفسه أو في بيت أحد التجار أو الأعيان في البلدة، وقد بدأ تطور التعليم ودخول المقررات والدروس الحديثة في المدارس التطورية مع افتتاح مدرسة القاسمية بالشارقة سنة 1953م، وهو أول عام دراسي في سلك التعليم النظامي، وظهر في بداية التعليم الحديث أو الحكومي في الإمارات، وكان تعليماً منظما في مدارس وفصول ومقررات، إلى جانب تقويم الطالب ومنحه شهادة دراسية في نهاية العام الدراسي·
وبعد عامين امتلك خاله دكان بقالة، فترك المدرسة وأصبح مسؤولا مسؤولية كاملة عن البيع والشراء والحسابات في ذلك الدكان، وكان جل ما يفكر فيه هو أن ينجح في حياته ولم يكن يهتم بأي أمر آخر حتى عمر الخامسة عشرة، وبعد الخامسة عشرة سافر إلى الدمام في المملكة العربية السعودية ليقيم مع ابن عم والده الذي يعمل هناك في وظيفة (كولي- لفظة هندية تعني عاملا)، وقد تم توظيف سعيد براتب أربعة ريالات ولكنه لم يستطع تحمل الأعمال الصعبة التي كانت توكل له، فترك العمل في ذلك المكان ليعمل في محل بيع عجلات هوائية براتب وقدرة 120 ريال، وذات يوم وهو يسير بالصدفة متجولا في المنطقة شاهد مصنعا لغسل الملابس والبياضات، ومن باب الفضول دخل إلى المصنع، فالتقى برجل من الشارقة هو - علي بو رحيمه- الذي سأله ان كان يريد العمل معهم، وقد اجروا له اختبارا ونجح فيه، فتم توظيفه براتب وقدره سبعة ريالات في اليوم، وقام سعيد بوضع موظف جديد بدلا منه في محل الدراجات الهوائية إكراما لمن كان يعمل معهم وكان هذا الرجل هو محمد علي الجروان، وبعد عامين من العمل عاد إلى الشارقة وقد جمع 2500 روبية، فقام ببناء حجرة وفناء لمنزلهم وجلس مع والدته وأهله لمدة شهرين ثم عاد إلى السعودية·
العدوان الثلاثي
يتذكر سعيد انه في سنة العدوان الثلاثي تأثرت المنطقة كثيرا، فقد استمر ضرب بورسعيد بالبوارج الحربية لمدة سبعة أيام، وتم إحراق أحياء كاملة، واثر ذلك كان الناس يخرجون في مظاهرات ينددون ويستنكرون،فقد كان العرب كالجسد الواحد رغم بعد المسافات، وذات يوم التقى النعيمى برجل أخبره أن في الكويت سينما ومسرحا، وكان سعيد يحلم برؤية السينما أو بدخول مسرح، فقرر ترك السعودية والانتقال إلى الكويت، وبعد عشرة أيام من وصوله إلى الكويت حصل على عمل في محلات الشايع بـ 300 روبية، وقد بقي عاما ونصف العام، ولكنه ترك العمل واشتغل في وزارة التربية والتعليم· يقول: (وشغلوني بدرجة فراش) ولكن كان العمل الحقيقي هو مراسل لأنه كان يقرأ ويكتب بالعربية والإنجليزية·
التلفزيون
بعد فترة من العمل في وزارة التربية اقترحوا عليه أن يكمل دراسته وأعجبته الفكرة فالتحق ضمن النظام المسائي ودرس حتى الرابع المتوسط، وفي عام 1960م عاد الى الشارقة وبقي شهرين ولكنه وجد ان وضعه المالي غير مستقر، فعاد إلى الكويت واستقال من عمله ليشتري بثمن بدل الخدمة سيارة نقل، وذات يوم قرر أن يذهب مع صديق له ليشاهد المسرح، وهناك تم عرض أول دور على سعيد النعيمي فى فريق (الكومبارس) وظل يمثل ضمن ذاك الفريق لمدة عام، وبعدها انتقل إلى أدوار الجملة والجملتين، وبعد عامين عاد نهائيا إلى الشارقة، وبعد عودته تلك تزوج بعد أن جهز منزل الزوجية واشترى سيارة للأجرة وصار يعمل عليها حوالي 6 سنوات·
في عام 1969م قرر سعيد الالتحاق بالشرطة وكان ضمن فريق اللجنة الخاصة بالتسجيل عبدالله الطائي 'رحمه الله'، الذي قال له انه سمع عن تجربة التمثيل في الكويت، فما الذي يجبره على الالتحاق بالشرطة؟ وهنا عرض عليه العمل في تلفزيون أبوظبي، وكانت شركة طومسون هي التي تتولى إدارة التلفزيون آنذاك، وتم تسجيله(طالب متدرب أول) في التصوير، ثم عرض عليه المهندس فوزي صالح العمل في قسم الفيديو، وكان هناك فيديو واحد فقط، وبعد مرور خمسة اشهر على عمله في ذاك القسم ذهب فى دورة الى الأردن، وخلال تلك الفترة نشبت حرب أيلول، وضربت المنطقة التي كان يقيم فيها مقابل فندق الأردن، وبقي محجوزا حتى استطاع الهرب إلى مصر بعد 11 يوما ليقيم مع أخيه الذي كان طالبا في جامعة عين شمس، وبعد اسبوعين عاد إلى الأردن ليكمل الدورة·
طول عمر واشبع طماشة
عندمارجع النعيمي إلى أبوظبي تم تعيينه بشكل رسمي فى التليفزيون، فانتهز الفرصة ليكمل تعليمه ضمن النظام المسائي، وبعد فترة من الزمن حصل على بعثة دراسية إلى لندن لدراسة الاعلام وليختار فيما بعد التخصص الذي يراه مناسبا، واختار إخراج الدراما التمثيلية وكانت مدة الدراسة عامين ونصف، وبعد عودته مباشرة عمل في الإخراج، وكان الدكتور عبدالله النويس مديرا للتلفزيون انذاك، وكان سعيد يخصص وقته كاملا للتلفزيون حيث يعتبره أهم من كل ما حوله، لدرجة انه لم يكن يهتم بالمنزل والأسرة ولا يهتم بالإجازات، وكان مستقرا في أبوظبي ويعود إلى أهله في فترات متقطعة من كل شهر·
لا يتذكر النعيمي اسم المسلسل الذي مثل فيه دورا مميزا وهو من إخراج احمد منقوش، ولكنه يذكر تماما مسلسل(طول عمر وأشبع طماشه) الذي قام بتأليفه وكتب السيناريو له محمود الصافي، ثم شارك بعد ذلك في إخراج العديد من المسلسلات، وفي عام 1979م تمت ترقيته إلى مراقب عام برامج التليفزيون، وكان مدير التليفزيون حينها خليفة أحمد، ويعتبر النعيمي تلك الفترة مميزة، ولكنه لاحظ أنها أثرت على عمله كمخرج، فعاد كمراقب عام الدراما، وفجأة أصبح يشعر بالآم مبرحة في قلبه، وأجرى عدة عمليات توسيع ولم يستفد، فأجرى جراحة القلب المفتوح، وأصبح يعمل ضمن لجنة لانتقاء واختيار البرامج المستوردة، لأن الدراما المحلية كانت قد توقفت فترة غير قصيرة في مرحلة ما·
عندما تقاعد كان قد وصل لمنصب نائب المدير العام في تليفزيون أبوظبي، وهو يتواصل مع بعض الزملاء (الذين كانوا بمثابة أخوة له) بالهاتف، لأن الزمن فرض على الناس التباعد لكثرة المشاغل والمسؤوليات سعيا وراء حياة معيشية مترفه، ورغم أنه كان في يوم ما بعيدا عن الأهل والبيت والأبناء الذي كانوا يتوقون لرؤيته، فإنه اليوم يكره القطيعة وقلة الصلة بين الأرحام·

اقرأ أيضا