الاتحاد

الأمانة الوظيفية


هو كادح كال له الزمان من قسوته، وتوالت عليه صفعات القدر، أفنى زهرة شبابه متنقلاً بين دهاليز المهجر وتضاريسه، أضناه السعي لبلوغ واحة أمان يركن اليها وأفراد أسرته التي تتقاذفها أمواج الضياع، طرق الكثير من الأبواب في مشوار بحثه عن حقه المهضوم من خلال عرض وتبيان مظلمته البائنة، فتاهت فصول معاناته وبين ساعات السمر الهاتفي المسترسل بين بعض الموظفين هنا وهناك وبُخل البعض الآخر بإفراد أدنى درجات الاهتمام لأطروحته الإنسانية لتحتضنها سلات مهملاتهم الأمنية أبداً على ما يورع بها وما أكثر ما يورع بها، لم تلن له قناة حيال كل ذلك فقد انعدمت أمامه الخيارات فأخذ في كل مرة يجتث الأمل من بين رفات سابقه الموؤود ويستلهم الصبر من عبث العابثين بمسألته المصيرية فكان يعد الرسالة الواحدة في تعددية تغطي كل الاحتمالات آملاً في وصول إحداها إلى ذلك المسؤول الذي يثق تماماً في عدالته وفي تلهفه لرؤية ومعالجة مثيلات حالته، ولكن كيف السبيل إلى بلوغ رسائله ذلك المسؤول ظل ذلك هاجسه الذي قاده إلى توظيف أفكاره في ذلك الاتجاه فقام بايداع احدى تلك الرسائل مظروفا أغلقه بإحكام وعنونه بالخصوصية ورجاء مباشرة وصوله إلى يد المسؤول المعني مؤملاً في اجتياز قنوات الركود والإعاقة بهذه الطريقة التي يعتقد في مشروعيتها وفي أهميتها كجسر للتواصل بين المسؤول وكل شرائح المجتمع سيما تلك التي تقلع أمامها الأبواب لسبب أو لآخر بينما تشكل دفوعاتها أهم أجندة وبرامج عمل هذا المسؤول وذاك الاداري، غير ان تلك القنوات كانت أقوى من أمله في عبور رسالته لها وبلوغها المسؤول فقد اخضعت الرسالة للاجراء التقليدي من قبل سكرتاريته في تجاهل ولا مبالاة برجاء تسليمها له حيث فتحت وتم الاطلاع على فحواها وليس ذلك فحسب بل حولت إلى جهة أخرى قامت بإدراجها في سجل الانتظار الذي لا تحتمله حالة كاتبها الذي ساقه سوء حظه إلى أعتاب هذه الفئة من الموظفين الذين لا يعرفون معنى الأمانة الوظيفية وكأنهم ليسوا معنيين بالتعميم في الخطاب 'كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته'، ولا بالقول ذي المدلول التحريري من أخذ الأجر حاسبه الله بالعمل، الى آخر المنبهات والمنشطات في الأقوال والأحاديث المعنية بمداواة النفوس التي أسقمها البطر فلفظت عنها قيم التكافل والتراحم والتوادد فأصبحت تجد في مشهد إنسان تصليه نيران 'نيرون' ويحاصر لهيبها بناءه الأسري مجالاً للتروع والتندر والسخرية، هذه ليست مجرد رواية أردت اقحامها على اهتمام القارئ بل هي صورة قائمة وقائمة ومتكررة كل يوم وفي أكثر من مكان·
حيدر محمد سليمان أحمد - دبي

اقرأ أيضا