الاتحاد

الاقتصادي

المصارف الإسلامية تعود بقوة للسوق المصرية


القاهرة - محمود عبدالعظيم:
تشهد المصارف الإسلامية انتعاشة كبيرة في السوق المصرية استنادا لعوامل اقتصادية واستثمارا لحالة تسامح رقابي من جانب السلطات النقدية· وإذا كانت العوامل الاقتصادية تتمثل في وجود شرائح متنامية من عملاء البنوك ممن يبحثون عن هذا النوع من الخدمات المصرفية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية في سوق تكتظ بالمصارف التجارية - 68 مصرفا- فإن التسامح الرقابي الذي يمارسه البنك المركزي المصري مع المصارف الإسلامية في إطار رؤية مرنة لفتح السوق واندماجها مع اقتصاديات دول المنطقة لعب دورا في استرداد هذه المصارف لقوتها وبدء تنفيذ خطط توسع تحصل بمقتضاها على حصة متنامية من السوق·
وجعل التسامح الرقابي الحصول على تراخيص افتتاح فروع جديدة لا يواجه الصعوبات التي كانت تواجهها المصارف الإسلامية من قبل خاصة بعد ان تجاوزت هذه المصارف أزمة الثقة التي تعرضت لها في منتصف ثمانينات القرن الماضي جراء مشكلة شركات توظيف الأموال وتورط بعض المصارف الإسلامية المصرية في عمليات مضاربة على العملة في الأسواق الدولية·
وساهمت ظروف اقليمية ودولية في زيادة بريق الفكرة المصرفية الإسلامية·· وأدت إلى انتشار هذا النوع من المصارف خاصة في منطقة الخليج العربي وتتبنى مؤسسات مصرفية دولية كبرى مثل 'سيتي جروب' طرح منتجات مصرفية متوافقة مع الشريعة الإسلامية في أسواق أوروبا والولايات المتحدة خاصة في مجال التجزئة المصرفية مما أدى إلى تعزيز فرص المصارف الإسلامية في السوق المصرية·
وتسعى المصارف الإسلامية في السوق المصرية إلى تجاوز تاريخ كبير من التهميش داخل السوق أدى إلى تراجع دورها على مدى السنوات الماضية· فرغم وجود أربعة بنوك إسلامية هي 'فيصل والمصرف الإسلامي والتمويل السعودي وناصر الاجتماعي' وتعمل بالسوق منذ نحو ربع قرن فان نصيبها النسبي من حجم الجهاز المصرفي مازال محدودا من حيث الأصول أو الودائع أو الاقراض أو الاستثمارات حيث لا يتعدى 4 في المئة من اجمالي أصول الجهاز المصرفي المصري خلال السنوات العشر الماضية·
ولم تزد نسبة الودائع التي تلقتها تلك البنوك على 5 في المئة من اجمالي ودائع الجهاز المصرفي خلال نفس الفترة وقدمت البنوك الإسلامية الأربعة نحو 6 في المئة من القروض وتدنى نصيبها من استثمارات البنوك إلى أقل من 1,5 في المئة نظرا لعدم استثمار بعضها في اذون الخزانة -لأسباب شرعية- ولوجود تحفظات على الاستثمار في بعض الأوراق المالية إلى جانب قلة الكوادر المتخصصة في ادارة محافظ الأوراق المالية بها مما دفع بعضها إلى التركيز على المساهمات في الشركات للاحتفاظ أكثر بالاستثمارات المالية للمضاربة· ويرجع تدني نصيب البنوك الاسلامية من السوق المصرفية المصرية الى سيطرة عدد محدود من البنوك العامة على السوق لسنوات طويلة مما كرس استحواذ تلك البنوك العامة على النصيب الأكبر من التعامل بحكم سعة انتشار فروعها وتركز تعاملات الشركات الحكومية معها في ظل اقتصاد مازالت الحكومة تلعب فيه الدور الأكبر بالإضافة إلى تأثير الصورة الذهنية لدى جمهور المتعاملين بان البنوك العامة هي بنوك الحكومة بما يعني ان الحكومة ضامنة لها في حالة حدوث عارض كما يرجع التدني الى عدم التوسع في تقديم خدمات ومنتجات مختلفة عن باقي البنوك حتى يكاد نشاط البنوك الاسلامية ينحصر في مجال المرابحة مع تدني أنشطة المشاركات والمضاربات إلى جانب قلة عدد فروعها وبطء توسع تلك الفروع· كما تعاملت البنوك الإسلامية الأربعة مع السوق بشكل فردي حيث لم يتم أي تنسيق بينها مما زاد حدة المنافسة في ظل ضخامة حجم وقدرات البنوك المنافسة كما لم تسع لتكوين صندوق مشترك لمواجهة المخاطر ولم تكن هناك خطة تحدد الأساليب التي ينبغي ان يقوم عليها العمل المصرفي الإسلامي شاملة الهيكل وادوات الاستثمار والتوظيف ولم تتعاون في مجال التدريب وابتكار الادوات المالية التي تتفق مع الشريعة· وعانت ضيق أسواق رأس المال امامها مما أضعف قدرتها على توظيف سيولتها الفائضة خاصة مع استبعاد التوظيف في السندات ولم يكن امامها سوى الأسهم· كما ان السلطات الرقابية تطبق عليها نفس المعايير الخاصة بالبنوك التقليدية دون انشاء إدارة خاصة للرقابة عليها من خلال معايير تتناسب مع طبيعتها والعقود التي تتم بموجبها عمليات الاستثمار خاصة انها لا تستطيع الاستفادة من دور البنك المركزي المصري كملاذ أخير عند مواجهتها أزمة سيولة مثلما تستفيد البنوك التقليدية لأن قروض البنك المركزي بفائدة إلى جانب عدم قدرة البنوك الإسلامية على الاستفادة من فرص التوظيف في الاصدارات الحكومية المختلفة والتي تتمتع بأعلى نسب الأمان بسبب وجود سعر فائدة ثابت عليها·
وكان مطلب افتتاح فروع جديدة مثار شكوى من جانب البنوك الإسلامية خاصة بنك فيصل صاحب العدد الكبير من المودعين الأفراد والذي يعد أكبر البنوك الإسلامية حجما -13,9 مليار جنيه حجم أصوله- إلا ان السلطات النقدية المصرية تعمدت تأجيل الطلب مع وجود مشاكل بتلك البنوك فقد واجه بنك فيصل مشكلة استثماراته ببنك الاعتماد والتجارة الذي تم تجميد نشاطه في يونيو 1991 وحصل على جانب منها على أربع دفعات خلال عدة سنوات مما أدى إلى توقفه عن صرف أرباح للمساهمين خلال الفترة من 1991 إلى 1998 حتى استوعب المشكلة من خلال المخصصات وعاد مرة أخرى للانتظام في صرف الأرباح·
كما واجه المصرف الإسلامي الدولي للاستثمار والتنمية -البالغ حجم اصوله 4,3 مليار جنيه- مشكلة في العام 1986 بسبب خسارته التي بلغت 55 مليون دولار نتيجة استخدام موارد دولارية في عمليات توظيف إلى جانب معاناته من ديون رديئة لعملاء توقفوا عن السداد مما أدى لتعيين مفوض على البنك ثم واجه مشكلة السحب الفجائي من جانب المودعين في ضوء مشكلة شركات توظيف الأموال عام 1988 وارتباط اسم صاحب إحدى كبرى تلك الشركات بالبنك كعضو مجلس إدارة وربط البعض بين ما حدث للشركات وما يمكن أن يحدث للبنوك الإسلامية مما دفعه إلى السحب الفجائي للودائع وتسبب سلوك البنك في تقسيط المبالغ المطلوب سحبها في إصابة المودعين بالذعر مما دفعهم لسحب كامل ودائعهم وتم حل مجلس الإدارة وتعيين مفوض عام ورغم إعلان البنك عن وجود ثلاثة فروع جاهزة للافتتاح منذ عام 1993 فإنها لم تفتح بعد في حين تمكن بنك فيصل من مواجهة ظاهرة السحب الفجائي في ذلك الوقت بما لديه من سيولة نقدية دولارية حتى انه كان مقرضا للبنك المركزي المصري وقتها ليساعده على استيراد السلع الأساسية إلى جانب المساندة الواضحة من المؤسسات المالية العربية للبنك·
ويؤكد أشرف الغمراوي -العضو المنتدب لبنك التمويل المصري السعودي- إن انتهاج البنك للنهج الإسلامي في التعامل بعد دخول الشيخ صالح كامل كمساهم رئيسي في بنك 'الأهرام' بعد تعثره وقيام اصحاب المساهمات الجديدة بتغيير اسم البنك وأسلوب عمله ليتحول للعمل وفق الشريعة بداية من يونيو 1988 جعله لا يواجه خلال فترة توجهه الجديد مشاكل حادة مثل البنوك الاسلامية الأخرى· لذلك كانت السلطات النقدية المصرية أكثر تسامحا مع البنك في السماح له بافتتاح فروع جديدة وهو البنك الإسلامي الوحيد الذي له تواجد بالمدن الصناعية الجديدة في مصر·
واكد ان المصارف الإسلامية نجحت في القيام بدور كبير لجذب المدخرات وتمكنت من استقطاب فئات وشرائح جديدة من المجتمع للتعامل مع الجهاز المصرفي الأمر الذي أدى إلى رفع قدرته وكفاءته في تنمية قاعدة المدخرين وحشد المزيد من مدخرات القطاعات المختلفة خاصة القطاع العائلي·
وقال ان غالبية المصارف الإسلامية تعاني قصر مدة مواردها المتمثلة في ودائع العملاء واثر ذلك سلبا على عمليات الاستثمار وأهم الصعوبات التي تواجهها هذه البنوك ضعف الوعي المصرفي الإسلامي لدى شريحة كبيرة من المجتمع وصدور فتاوى رسمية بشرعية معاملات البنوك التقليدية مما يعد اتجاها مضادا للميزة التنافسية لدى البنوك الإسلامية وكذلك تقديم البنوك التجارية لأوعية ادخارية متوسطة وطويلة الأجل وبعائد ثابت مما يجذب شريحة كبيرة من المدخرين إلى جانب وجود أدوات ادخار حكومية تتمثل في شهادات استثمار تصدرها الدولة بعائد مميز وتحظى بثقة كبيرة من المدخرين·
وقال عبدالرحمن بركة رئيس بنك مصر رومانيا ان توسع المصارف الإسلامية في السوق المصرية في هذه المرحلة يعود الى النشاط الذي تمر به السوق المصرفية وجاذبيتها الاستثمارية مما أسفر عن تدفق مؤسسات مالية عالمية كبرى للعمل بها· كما ان السياسة النقدية الجيدة التي يطبقها البنك المركزي المصري حاليا تتسم بالانفتاح الفكري على المستجدات في السوق المصرفية العالمية لذلك وجدت المصارف الإسلامية فرصة جيدة للتوسع·· في السوق وتحقيق الربحية العالية التي بدأت تحققها البنوك من انشطة التجزئة المصرفية في ظل تزايد اعداد المتعاملين بهذه المنتجات وفي ظل التحول للمجتمع اللانقدي وتنامي حجم السوق بفعل تزايد الوعي لدى المستهلكين والاعتماد المتزايد على التكنولوجيا المصرفية·
ويرى كمال محجوب مدير بنك مصر إيران إن فكرة المصارف الإسلامية تتمتع منذ ظهورها ببريق وجاذبية خاصة في السوق المصرية نظرا للروح الدينية التي يتمتع بها غالبية الشعب المصري والدليل على ذلك قيام المصارف المصرية التقليدية بابتكار فكرة 'فروع المعاملات الاسلامية' لتلبية احتياجات عملائها من الخدمات المصرفية ذات الطابع الإسلامي وهي فروع شبه منفصلة في ميزانياتها عن أداء بقية فروع البنك لذلك تجد البنوك الإسلامية في السوق المصرية تربة خصبة للتوسع وتحقيق أهدافها· يضاف إلى ذلك أن هذه البنوك خاصة الجديدة التي يمكن أن تدخل السوق سوف تستفيد من تجارب البنوك الأخرى الإسلامية التي سبقتها وتتجنب أخطاء التجربة الأولى·

اقرأ أيضا

كيف تطورت تقنيات الاتصال إلى الجيل الخامس؟