الاتحاد

ثقافة

«الفرن» .. انحياز إلى الشقاء العادي للبشر

عرضت مسرحية «الفرن» لفرقة مسرح بني ياس، مساء امس الأول على خشبة مسرح قصر الثقافة بالشارقة ضمن الموسم المسرحي الخامس الذي تقيمه جمعية المسرحيين ويستمر حتى الخمس والعشرين من الشهر الجاري.

والمسرحية من إخراج علاء النعيمي وتأليف عبدالله مسعود الذي شارك في التمثيل بدور الخباز إلى جوار فدوى سليمان في دور المرأة وعبدالله شامس في دور خالد أما عبدالله بن حيدر ففي دور يوسف. يحاول هذا العمل، على مستوى التأليف والإخراج والتمثيل، الوصول إلى أعماق النفس البشرية عبر حكاية بسيطة، إنما ليس عن رجل يعمل في فرن بل عن تلك الرغبات التي تخالطها التطلعات والأمنيات لدى أي إنسان عادي بصرف النظر عن الزمان والمكان، بمعنى أن العمل يأخذ خصوصيته من هذا الانفتاح على آلام البشر بوصفهم أفرادا فيسرد شقاءهم العادي ويبوح بأشواقهم المشروعة إلى حياة أخرى تكون أكثر احتمالا مما هي عليه حياتهم الآن. أيضا هو عمل مسرحي صميمي عن الإحساس بالخذلان، هذا الذي لا ينجو منه أحد في «الفرن». إن عمل «الفرن» لا «ينبش» في أغوار مجتمع بحد ذاته بل يعنيه الإنسان بالدرجة الأولى. وهذه هي الدلالة الواسعة والكبرى لعمل من هذا الطراز بالمعنى الثقافي والأخلاقي معا. وعلى المستوى الدلالي ذاته، فإن المكان بوضوحه وطبيعة علاقة الشخصيات معه يؤكد هذا النزوع من جهة القائمين على العمل، إذ إن الفرن هو محور العالم الذي تدور فيه جملة من الأحداث التي تحدد وجهة نظر في العلاقات البشرية ودور الموقع الاجتماعي، طبقيا، في التأثير فيها، وما يفرزه هذا الدور من تحولات هي ذاتها التي تصعِّد من التوتر الدرامي في العمل وتأخذه إلى نهاياته القصوى حيث لا نجد، نحن المتفرجين، سوى الإحباط والإحساس الباهظ باللاجدوى، لكن بقَدْر من الحزن الذي يحفز التعاطف مع الشخصيات وخصوصا المرأة العاشقة التي تغني أوجاعها بصوت فيروز، «أنا لحبيبي وحبيبي إلي»، وشخصية خالد، صديق الخباز، الذي ظلّ عدميا إنما ينتهب السعادة كلما لاح له ذلك. وعززت السينوغرافيا، وتحديدا الإضاءة التي بدت شاعرية أحيانا، من وطأة هذا الإحساس الذي بدا أنه رسالة سعى فريق «الفرن» بأكمله إلى أن يصل بدلالاته الإنسانية الشفيفة إلى كل المتلقين بمختلف مستوياتهم الثقافية والاجتماعية. لقد ارتقى العمل بما هو معاناة عادية لبشر عاديين إلى ما هو معرفي يمكن تلمسه واستقراءه عبر المفردات السينوغرافية وعبر علاقة ملفوظ الممثل بأدائه وعبر ما يمكن فهمه، بالتالي، من أفكار كبرى بالتأكيد، غالبا ما عدنا نمارس صمتا تجاهها. لقد استمر العرض لقرابة الساعة، لكن المرء إذ يخرج إلى الشارع لن ينسى بسهولة تلك الأسئلة التي خرجت معه بعد نهاية المسرحية وما تزال تطرق جدران وعيه.

اقرأ أيضا

بورحيمة: "ملتقى الأوائل" يجسد الاهتمام بدعم المسرح