موضوع كبير الذي نستحضر فيه الإبداع الأدبي بصفة عامة، ذلك أننا نختزل في أتون هذه الكلمة عدة ألوان من الإبداع البشري أثرت وتؤثر في مسيرة الناس والمجتمعات، فالأدب له أجناسه وأصنافه وأنواعه المتعددة وكل نوع أو جنس يعتبر علماً قائماً له جوانبه وأركانه وعلومه وتقنياته وطرقة وأساليبه، لذا تعتبر هذه العمومية عندما نطلقها - الإبداع الأدبي - واسعة وشاسعة، وتحتاج للتفكيك ثم التعاطي مع كل جزئية أو على الأقل استحضار البعض من نماذجها وإن بشكل مختصر، الرواية، القصة القصيرة، الشعر، المسرح، قصة الطفل...إلخ. هذه بعض من فروع وأجناس الأدب، ولكم أن تتخيلوا أن كل واحد من هذه الأجناس لها أيضاً فروع وألوان، فالرواية يندرج تحتها جملة من الأنواع، هناك الرواية: السياسية، التاريخية، العاطفية، الوطنية، الواقعية، الاجتماعية، العلمية...إلخ.

ولا يوجد اتفاق في مثل هذه الأنواع، فالبعض يضيف ويحذف، ولكن في المجمل الرواية لها أنواع وإن اختلف النقاد في تفصيل هذه الأنواع. أما القصة القصيرة، فلها هي أيضاً أقسامها، حيث تجد القصة ذات البعد الخيالي أو تلك التي تستمد أحداثها من الواقع، وهناك من يعتبر القصة عنواناً أشمل يدخل في إطارها العمل الروائي والمسرحي، فضلاً عما نعرفها بالقصة القصيرة. أما الشعر، فحدث ولا حرج عن أنواعه وأقسامه وألوانه، فهو فن ضارب العمق في تاريخنا المعرفي، وحظي بعناية الإنسان منذ القدم وحتى عصرنا الحاضر، لذا ستجد أن هناك أنواعاً متعددة: المسرحي، الملحمي، الغنائي، القصصي... إلخ. وفي مجال آخر يتعلق بالشكل تم تصنيف عدة أنواع: الحر، العمودي، المنثور، المرسل، الرباعيات. وبطبيعة الحال هناك الشعر الفصيح والشعر العامي، وكما هو معروف تتعدد الأغراض من الرثاء إلى الغزل والوصف والمدح والحكمة والفخر والهجاء وغيرها. أما المسرح، فله عدة أنواع منها: التراجيدي- الجاد - والمسرح الكوميدي، ومسرح العرائس، والمسرح التجريبي، فضلاً عن المسرح الصوتي - الأوبرا - وغيرها.

عصر التحولات
هذا مرور سريع ومختصر لبعض الأجناس الأدبية، وأتمنى أن لا يكون مثل هذا الاختصار مخلاً أو لم يقدم الصورة الوافية عن عمق هذا الجنس أو ذاك. لكنها كانت إشارات سريعة الهدف منها توضيح عمق الإبداع الأدبي ورسوخه في القلب البشري والذاكرة الإنسانية منذ أقدم العصور وحتى تاريخنا المعاصر، فضلاً عما يختزله من تنوع إبداعي كبير كان ميداناً للكثير من المبدعين على مر التاريخ للتغني به والتعبير في إطاره، فظهر لنا منجز يستحق التوقف عنده وتذوقه، منجز ألهم الكثير وكان تأثيره متواصلاً ودائماً.
ويوصلنا هذا لنقطة جوهرية أريد مناقشتها، تتعلق بهذا الأدب على مختلف أجناسه وأنواعه، وكيفية تأقلمه واندماجه، مع هذا العصر الذي نعيش فيه ثورة معلوماتية لا تخفى على أحد، وكما يقال: عصر تقنيات الاتصالات الحديثة، ومن أهم ملامحها سطوتها الواضحة على مجمل تفاصيل الحياة البشرية، فالهاتف الجوال الذي نحمله بين أيدينا يمكننا بواسطته الحصول على أي معلومة، فضلاً عن التواصل مع من نريد سواء بالصوت أو الصورة أو الصورة المتحركة - الفيديو - فنحن متصلين بالشبكة العالمية - الإنترنت - بشكل مستمر ومتواصل، ومعها دخلت تفاصيل كثيرة في الحياة البشرية، وتغيرت كثير من العادات وتبدلت الكثير من الاهتمامات، فهل الأدب بصفة عامة كان محظوظاً بمثل هذه القفزات أم أنه يعاني كما تعاني مفاصل أخرى من حياتنا الاجتماعية من مثل هذه الثورة المعلوماتية؟
مواضيع مثل اضمحلال عصر الورق، أو تضاؤل مساحة الكتاب، أو تبدل الطرق التقليدية في مجالات مثل التأليف والنشر تحديداً، فضلاً عن تغير رغبات الناس واهتماماتهم... إلخ. جميعها مواضيع وقضايا من إفرازات هذه الحقبة المعلوماتية، فهل كان هناك أثر فعلي على مجمل الحركة الإبداعية الأدبية؟ هل سببت هذه القفزات العظيمة في مجال الاتصالات إلغاء أحد الأجناس الأدبية، أو على الأقل أضعفته؟ هل حدث، تبعاً لتوجه الناس نحو استخدام الهواتف الذكية، عزوف عام عن القراءة، وبالتالي تأثرت صناعة النشر والتأليف؟
بطبيعة الحال لا يمكن تقديم إجابة، تختزل كل هذه التساؤلات الكبيرة، وحصرها في: نعم، لا. ذلك أن الأدب مجال واسع وكبير، ولا يمكن أن نضع مختلف أجناسه في قالب واحد ونقوم بوضع القياس ثم نصدر الحكم، فالرواية على سبيل المثال شهدت رواجاً كبيراً، وكأن هذه التقنيات ساعدتها على الانتشار، ويمكن القياس على المجموعات القصصية والشعر، لكننا إن أردنا أن نستحضر المسرح كفن قديم وقائم منذ أقدم العصور، فإن ملامح تعرضه لهزة قوية لا يمكن أن تخطئها العين، المسرح اليوم يقوم بجهود رسمية ويؤدي دوره وفق الدعم الذي يتلقاه، ولو قدر وتوقف هذا الدعم، فمن غير المتوقع أن يستمر ويعتمد على نفسه.

الموجة المعلوماتية
نرى اليوم دور نشر ما زالت تظهر للنور، وتقوم بعمليات الطباعة والنشر لمختلف الأجناس الأدبية، وفي اللحظة نفسها نشاهد معارض للكتب، ومناسبات مختلفة تكون فرصة للترويج للمنتج الإبداعي، فضلاً عن التوزيع عبر حسابات مخصصة للبيع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهناك كتب تباع بشكل إلكتروني، وكأن أجناس من الأدب تمكنت من التأقلم مع الموجة المعلوماتية الهائلة واندمجت معها وحافظت على حضورها، لكنني لا أعلم إن كنتم تتفقون معي أن المسرح كصناعة ومحتوى وطريقة عمل يختلف تماماً، فهو وقع منذ زمن ليس قليل تحت ضغوط متتالية منذ أن ظهر التلفزيون ثم انتشار دور السينما، واليوم يشتد هذا الضغط لأننا بتنا نشاهد الأفلام ومختلف الفنون على هواتفنا الذكية، وبقي المسرح وفق احتياجاته الكلاسيكية المعتادة، والتي هي أيضاً مكلفة مادياً، في زمن ألغت ثورة الاتصالات الكثير من التكاليف المادية، على سبيل المثال يمكنك الاشتراك في تطبيق وتدفع شهرياً مبلغاً لا يتجاوز 25 درهماً، لتشاهد آلاف من الأفلام والمسلسلات لأربع وعشرين ساعة من اليوم ودون توقف. وهذه ميزة تهدد على المدى البعيد حتى دور السينما نفسها، فكيف هو الحال بالمسرح؟! لنقدم السؤال بطريقة مغايرة لنوضح الجانب الذي يهدد بقاء هذا الجنس الأدبي العريق، وهو مدى الربح وتحقيق المكاسب والعوائد المالية من وراء العمل المسرحي، نحن أمام جملة من الاحتياجات التي يعرفها المسرحيون تماماً، فنحن نحتاج لمسرح تتوفر فيه إمكانات متعددة من الإضاءة والصوت والفرش والمساحة الكافية للجمهور، فضلاً عن هذا نحتاج للنص المسرحي المبدع المعبر، والسيناريو القوي، وإلى ممثلين متعددين، وعدد من المشغلين... إلخ بمعنى يتطلب إخراج عمل مسرحي واحد جهداً كبيراً وعملاً مستمراً لعدة أيام حتى يكون جاهزاً للعرض، فهل المقابل المادي يكفي؟ بل هل هناك ضمان للحضور الجماهيري وشراء تذاكر العرض؟ بالإجابة عن مثل هذه التساؤلات ندرك أن الأدب بصفة عامة يقع تحت ضغط هذه الثورة المعلوماتية، إلا أن المسرح هو من يتلقى أعظم الضربات والصدمات المتوالية. أعتقد أن مثل هذا الموضوع يحتاج للمزيد من البحث خاصة من المهتمين والدارسين في هذا المجال، حتى لا يتم مباغتتنا أو على الأقل نوجد حلولاً ونبتكر في هذا المجال بما يتوافق مع التقنيات الحديثة وثورة المعلومات.