كغزواتٍ متلاحقة، اجتاحت الأوبئة عالم الإنسانية، منتهكةً سلامة البشر وخصوصيتهم داخل مجتمعاتهم الصغيرة والكبيرة على حد سواء.. فتكَت بالأجساد وحصدت ملايين الأرواح، ولم تقف عند عرق أو جنس أو دين، كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً، هم ضحاياها على مر العصور.
وفي حين انشغلت الدراسات العلمية والطبية في تفسير أسباب وأصول كل وباءٍ، انغمس الأدب في تحليل وتشريح الحياة في مثل تلك الظروف الاستثنائية، فمنذ عهد سوفكليس في اليونان القديمة، شكّلالوباء القاتل ثيمةً أساسية قامت عليها الحبكات الدرامية، وبنيت الشخصيات في ظلها، واستطاع العديد من الأعمال لاحقاً أن يكشف حقيقة الإنسان تحت سطوة الوباء، ورصد مراحل تحوّل السلوك الإنساني في حالات الخطر الشديد.

لعل من يقرأ النتاجات الأدبية التي تناولت الأوبئة في حكاياتها، سيلاحظ أن معظمها إن لم تكن جميعاً، تتبعت سيطرة اللاوعي الجمعي على تصرفات الإنسان الفرد مدفوعاً بغريزة البقاء، ووقفت عند أفعال السلطات الحاكمة في سيطرتها على الموقف، كما أبرزت شبكات العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية المترابطة، والتي طالما حددت مصير البشرية في مواجهة مخاطر الأوبئة.
وقد سلّط الأدباء الضوء على ما يمكننا تسميته بمنطق الأوبئة الذي يفرض الوباء نداً لا يستهان به أمام الحضارة البشرية، مخلّفاً وراءه المآسي والكوارث في أفظع صورها. فكتبوا عن قلق الإنسان وعجزه التام إزاء ما يمكن أن يحدث، مروراً بخوفه الحقيقي من عدو مجهول غير مرئي، وصولاً إلى التدني الأخلاقي الذي تسود خلاله الغرائز الحيوانية عند كائنٍ، يُقال بأنه كان عاقلاً في حالات السلم.
وكانت النتيجة بعض أروع وأعظم الأعمال الأدبية التي ما زالت خالدة حتى اليوم لتذكّرنا حواراتها بظرفنا الصعب في الوقت الراهن، ونذكر من بين تلك الأعمال: رواية «الحب في زمن الكوليرا» لغابرييل غارسيا ماركيز، و«الطاعون» لألبير كامو، و«العمى» لجوزيه ساراماغو. وفيما يلي شذريات من بعض تلك الروائع الأدبية:

«المدينة تموت مع هؤلاء الموتى الذين لا حصر لهم، ولا رحمة لأبنائها الراقدين على الأرض: إنهم بدورهم يحملون الموت، ولا أحد ينوح عليهم، والزوجات والأمهات ذوات الشعر الأبيض، كلهن يتدافعن من كل مكان أمام المذابح، متوسلات، باكيات من آلامهن الرهيبة».
مسرحية «أوديب ملكاً» لـ سوفوكليس
الواقع أنهم جعلوا ينتظرون في الربيع انتهاء المرض بين لحظة وأخرى، ولم يتجه لأحدهم أن يسأل الآخرين تفاصيل عن مدة الوباء، لأن جميع الناس كانوا واثقين من أنه ليس للوباء مدة معينة، ولكن على مر الأيام، نشأت الخشية من ألا يكون لهذا الشر حقاً أي حدّ، وأضحى انتهاء الطاعون، في الوقت نفسه، موضوع جميع الآمال.
رواية «الطاعون» لـ ألبير كامو

السبيل الوحيد الذي يتيح القفز فوق كل شيء، هو وجود مصاب بالوباء على متن السفينة، لأن السفينة ستعتبر حينئذ محجورة صحياً، وسترفع الراية الصفراء، وتبحر في حالة طوارئ.

ثم إن الراية الصفراء رفعت كثيراً عبر تاريخ النهر للتهرب من الضرائب، أو للتخلص من مسافر غير مرغوب فيه، أو للحيلولة دون عمليات التفتيش غير الملائمة.
رواية «الحب في زمن الكوليرا» لـ غابرييل غارسيا ماركيز

تبدي الحكومة أسفها لاضطرارها إلى القيام بالسرعة القصوى بما تعدّه واجبها الحق، لحماية الشعب بكل الوسائل الممكنة في هذه الأزمة الحالية، التي تبيّـن لها أنها تحمل مظاهر تفشّي وباء عمى أبيض، يُعرف مؤقتاً بالمرض الأبيض، هذا، وإننا نعوّل على الروح الشعبية وتعاون كل المواطنين لاستئصال أي عدوى أخرى، مفترضين أننا في مواجهة مرض معدٍ، لا مجرّد سلسلة مصادفات عصية على الفهم.
رواية «العمى» لـ جوزيه ساراماغو

خيبة أمل المحاصرين بإيبولا، سوى في الحدود الكونغولية السودانية، أو في داخل أنزارا المقرصنة كلياً بضياع المصير، هي أيضاً خيبة أمل مدهشة، ذلك أن الأمل كان كبيراً، والهمهمات التي ردّدت في الساحة الموبوءة، لم تذكر أي شيء خلاف أن نجدة قادمة بطائرات الهلكوبتر.
حقيقةً لم يكن أحد يعرف ما ستحتويه تلك الطائرات، ولم يجهد أحد نفسه في التساؤل إن كانت تحمل دواءً أو طواقم طبية، أو أقنعة متطورة، أو هواء نقياً، يُضخّ في الأجواء، كانت كلمة نجدة في مثل تلك الظروف تكفي كثيراً.

لا شيء يقاوم الرعب مثل الرعب نفسه، أو الأكثر منه، ولا سيادة لفن أو جمال في زمن إيبولا.
رواية «إيبولا 76» لـ أمير تاج السر.

في تلك اللحظة فقط، أيقن القوم أنهم ماثلون أمام «الموت الأحمر»، لقد جاءهم كما يجيء اللص في عتمة الليل، وصار يصرع أفراد الحاشية اللاهية الواحد بعد الآخر.. وتوقفت الساعة الآبنوسية عن الحركة عند مصرع آخر فرد منهم.. وكفّت المواقد عن إرسال أشعتها عبر النوافذ.. وسادت المكان ظلمة حالكة وفناء دائم هو «الموت الأحمر».
قصة «قناع الموت الأحمر» لـ إدغار ألن بو

في كهف الرعب مع الأشلاء
في صمت الأبد القاسي حيث الموت دواء
استيقظ داء الكوليرا
حقداً يتدفّق موتوراً
هبط الوادي المرِح الوضاء
يصرخ مضطرباً مجنوناً
لا يسمع صوت الباكينا.
قصيدة «الكوليرا» لـ نازك الملائكة