لسلوكيات البشر سمات متأصلة فهي أولاً غير حيادية وتبدو قسرية ولا تخضع لاختيارنا الذاتي بل غالباً ما تبدو منافية لخيارنا الواعي، فنحن لسنا عنصريين مثلاً، ولكننا نقع بالعنصرية أو بنوع من أنواع العنصرية، ونحن لسنا طبقيين ومع ذلك نقع بالطبقية دون خيار واعٍ منا، وهذه حال لا يسلم منها متحضر ولا متعلم ولا مستنير، ويغلب أن نراها من سمات الجهل والتخلف، وهنا يأتي التساؤل: لماذا نقع فيها رغم شجبنا لها، ولماذا تستمر رغم مكافحتنا العلنية لها، ولقد شغلني هذا الأمر مذ كتبت كتابي «القبيلة والقبائلية وهويات ما بعد الحداثة» وفيه طرحت«قانون التعاقب والتواتر»، وهو استخلاص أراه يصف حال التصورات الذهنية القارة في أعماق السلوك البشري، وهذه تصورات من الواضح أنها تتحدر من جيل إلى جيل كما تترحل من ثقافة إلى ثقافة، ويتساوى في تمثلها العالم والجاهل بمثل ما يتشربها الصغير منذ بدايات وعيه فتستقر فيه مهما حاول الفرار منها، وإن تخفت من خطابنا العام فستظهر عبر النكتة أو في حالة رد الفعل، ويكفي أن ننظر لحال ثقافة التشجيع في كرة القدم، وهي اللعبة التي أصبحت شعاراً قومياً لكل الأمم مع منتخباتها، حيث تفرح بفوز منتخبها وهذا حق، لكن حالات الخسارة تكشف عن ردود فعل يظهر معها كل ما في مخازن الذاكرة من سلبيات تعبر عن نفسها بأمثلة بعضها مخز فيما بين الشعوب وأنواع الجماهير وتصل للإعلام، والطريف أن الكل يستنكرها ويمارسها في الوقت ذاته، وكأنها حلت محل الحروب وإن استعاضت بالكلمات بدل السيوف.
هناك من الباحثين من غالى وأحالها لوازع بيولوجي تبعاً لظهورها بين البشر في كل بيئاتهم وكل صفاتهم، ولكونها تتوسل بأي وسيلة لتعبر عن نفسها حين وقوع أي نوع من المنافسة، ولكني أراها تعود لقانون وصفته بـ«تاء/‏ تاء» وهو قانون التتابع والتواتر، وكلما تتابع سلوك ما عبر القرون والأزمنة وتواتر عبر الألسنة اكتسب قوة تغرسه في نظام السلوك مما يحوله لتصور ذهني عميق مما يجعله شبيهاً بالغريزة، ولكنها غريزة سلوكية تشبه الغرائز الجسدية، ولذا فإنك مهما هذبتها فإنها لن تعدم حيلة تحتالها عليك فتظهر من تحت وعيك ومرادك، ولن تتداركها قبل وقوعها مما يضطرك للندم أو الاعتذار أو المواجهة، وهذا هو ما يحدث في ثقافات البشر حيث نرى كبار الناس يزلون فيها، وبعضهم يجبر على الاستقالة وبعضهم يلتصق به الخطأ ويلازمه كوشم على جبينه. وعلة ديمومتها تعود لعدم نقدها وكأنها محصنة ضد النقد، وهذه هي الخاصية الأخطر حين تمر صيغ ثقافية دون نقد يمتد لزمن مماثل لعمر الصيغ ومماثل لدرجة تواترها، ولن يواجه ما يستقر في الذهنية الثقافية إلا نقد قوي يماثل قوة المستقر. وهذه مهمة النقد الثقافي حيث يتصدى لتعرية الأنساق المضمرة.