الاتحاد

الملحق الثقافي

التسامح.. الإتيكيتالمهذب!

مادلين بينتنج

مادلين بينتنج

التسامح هو تقدير التنوع والتحلي بالقدرة على تقبل الآخر، بمعنى آخر: أن تعيش وتدعْ غيرك يعيش هو أيضاً. وهو القدرة على ممارسة موقف عادل وموضوعي تجاه أولئك الذين تختلف معهم في الآراء والممارسات والدين والجنسية وغير ذلك، وبعبارة «ويليام يوري»: «التسامح ليس مجرد الاتفاق مع بعضنا البعض أو البقاء غير مبالين في وجه الظلم، ولكنه احترام الإنسانية الأساسية في كل شخص».

يجمع هذا المقال بين مقالين: الأول بعنوان: «المشكلة مع التسامح» كتبته الصحفية مادلين بنتنج (كاتبة عمود في الجارديان ومحررة مشاركة. تكتب في مجموعة واسعة من المواضيع بما في ذلك السياسة، العمل، والإسلام، العلم والأخلاق، التنمية، وقضايا المرأة والتغيير الاجتماعي). والثاني كتبته الدكتورة مارتينا فيشر تحت عنوان: «معالجة العلاقات بين الدولة والمجتمع في مجتمعات ما بعد الصراع»، ويأتي هذا الجمع لما بين المقالين لما بينهما من تكامل، ورغبة في تقديم تعريف وافٍ بالمصطلح (التسامح) وبنهجه المتبع عملياً، وفيما يلي ترجمة للمقالين:

المشكلة مع التسامح
بانجراف هويته نحو التسييس، أصبح التسامح شكلاً من أشكال «الإتيكيت المهذب»، وفق ما يقول فراك فوريدي في كتابه الجديد: «لقد دعا ديفيد كاميرون إلى (عدم التسامح) مع جرائم الشوارع، ولكنه دعا في الوقت نفسه إلى (مزيد من التسامح) من قبل المجتمعات الإسلامية تجاه القيم البريطانية».

وفي عصر ملحد علماني، هناك فضيلة واحدة نعلنها عن أنفسنا في كل مناسبة تقريباً: التسامح. بحيث باتت إحدى القيم البريطانية التي يحتفي بها الساسة اليوم هي قدرتنا على التسامح؛ فالمدارس ملزمة بغرس قيم التسامح في الملايين من الأطفال؛ وما يقوله ديفيد كاميرون للمسلمين هو أن يكونوا متسامحين.
لقد أصبح التسامح شيئاً من الأساطير المؤسسة للدول الغربية المتقدمة، وهو يعتبر لدينا بمثابة علامة فارقة على تفوقنا على العديدين من الأقل تسامحا، ومن الدول الأقل تطوراً في أنحاء العالم.
كما أن التسامح لدينا - على النقيض من التعصب عند الكثير من أسلافنا - هو دليل على مفهوم التقدم التاريخي. ربما قام أجدادنا بتمزيق بعضهم البعض بسبب خلافات لاهوتية صغيرة، وربما قاموا باضطهاد المثليين أو ذوي الهوية العرقية المختلفة، ولكننا، في هذا العصر المستنير، متسامحون مع التنوع والاختلاف، إنها إحدى الفضائل التي تحثنا الدولة على إثباتها دائما ولكن، وبعيدا عن كونها فضيلة لا اختلاف عليها كما يعلنها الساسة، إن ألقينا عليها نظرة فاحصة ستنهار الكلمة تحت وطأة التوقعات والأماني المتناقضة. وهذه النظرة الفاحصة هي ما يقدمه فراك فوريدي، عالم الاجتماع، في كتابه الجديد عن التسامح - والذي سيثير الغضب والبهجة في آن معاً - وربما ترك الكثير من التشويش في أعقاب ذلك.
والمشكلة، كما يقول فوريدي، أنه عندما فهم التسامح بمعناه الليبرالي الكلاسيكي على أنه فضيلة أساسية للحرية، فقد تم اختطافه وإفلاسه. والأمر عينه حدث عندما جرى دفع هويته نحو التسييس، إذ أصبح التسامح مجرد شكل من أشكال «الإتيكيت المهذب».
وبينما كان التسامح ذات مرة يركز على تسامح الأفراد وآرائهم، انتقل الآن نحو «الصراعات الجماعية». كان حول انفتاح العقل نحو العقائد المتنافسة، وهو الآن في التأكيد على ضرورة الاعتراف بالمجموعات المختلفة. ومع صعوبة هذا الطريق الطويل الزلق، نجد أيضاً أن القيمة الأصلية المهمة للتسامح قد اعتراها التشويه أو الضياع.
تحول معنى التسامح إلى مفهوم يعني عدم القيام بالحكم على القضايا، وإلى الاعتراف بالآخر، او القبول به، وحتى ضمناً، إلى التأكيد والاحترام. تراجعت ماهيته وتحول إلى لامبالاة غامضة؛ (أنت تفعل ما تريد)، ولكن من المعروف والمؤكد أن نوعية الموقف الذي يتخذه المرء يرجع إلى الناس الذين يعيش بينهم. ما ضاع منا هو فهم جون ستيوارت ميل للتسامح على أنه أمر حاسم ضروري بالنسبة للحرية. فأن يكون التسامح هو تحمل وجهات النظر الأخرى والآراء التي قد نختلف معها بشدة، لا يستدعي التوقف عن محاكمة القضايا، إنه فقط يستدعي إيماناً راسخاً بأن التسامح هو في النقاش الحي في سبيل فرصة أفضل لانتعاش الحقيقة.
إن فوريدي يسخر مما يصفه بترددنا الكسول تجاه العمل على المحاكمة العقلية للأمور، بل واستخدامنا لأفضل قدراتنا العقلية: التعاطف، التمييز والإدراك. إن عدم الاكتراث بحد ذاته ليس شكلا من أشكال السلوك المعادي للمجتمع، ولا الانسحاب من المسؤوليات والالتزام تجاه الآخرين.
ينظر طارق رمضان، المفكر الإسلامي، إلى القيمة المتدنية لخطاب التسامح المعاصر الذي يصدر باسم «إحسان الأقوياء الفكري»، وهو جزء من مفردات «الهيمنة الثقافية». ويقول إنه نوع من الوصاية المثيرة للغضب. ويقول هذا الناقد اليساري أن على التسامح في الحقيقة أن يكون خطاب «عدم التسييس».
لكن من الناحية الأخرى، يثير فريق اليمين جدلاً بأن فكرة التسامح تضعف الهوية الأوروبية بشكل خطير؛ حتى ديفيد كاميرون ينحى باللوم على التسامح في أعمال الشغب اليوم. ويقوم اليمين بإقران معنى التسامح مع توأمه الشرير، «النسبية».
فوريدي وهو مناهض معروف – يقلب الحكمة المسلم بها رأسا على عقب - والتسامح هو موضوع مثالي بالنسبة له. ان التسامح يهدم كل الأوهام في عصرنا بطريقة في غاية الأناقة، ولكنه يحملك إلى فضاءات متعبة للغاية. حجته هي أننا في غمرة حماسنا للتسامح، تحولنا في الواقع وبعمق إلى ثقافة متعصبة غير متسامحة.
إننا نصدر التشريعات ضد خطاب الكراهية الصادر عن الشرطة ضد نشطاء البيئة، ولكننا في نفس الوقت نصدر التشريعات أيضاً ضد من يقفون في وجه عملية التغير المناخي.
يرى فوريدي أمثلة على التعصب الجديد على جميع الجبهات، – وتشير الشعبية العالية لاستخدام عبارة (عدم التسامح) إلى هذه المشكلة.

هذا التعصب ليس لمحاكمات السحر والساحرات، وليس لمحاكم التفتيش، ولكنه تعصب لما يرضينا وتعصب لاعتدادنا بأنفسنا، ونحن في نفس الوقت غافلون عن مظاهر سيادة الانسجام وإدارة السلوك.

ويقدم فوريدي أدلة على أن النخب الثقافية الأنجلو - أميركية لا تحترم الطاقات المعنوية للناس العاديين ولا تحترم استقلالهم الذاتي.
تحاول النخبة من جديد السيطرة على حياة الآخرين: قامت بذلك في الماضي بحجة الأسباب الدينية، والآن تتم شرعنة سلوكها بوساطة أبحاث علم الاقتصاد السلوكي وعلم الأعصاب وعلم النفس التطوري. والنتيجة هي أن فكرة الليبرالية في «حماية الحياة الخاصة» باتت تحت هذا الضغط الثقافي والسياسي الحاد.
ما يحتاجه التسامح هو أبطال جدد يعيدون تعريف وتنشيط هذه القيمة المثالية التي استخدمت بكثرة وأسيء استخدامها.
ولكنها أيضاً مثل أي قيمة مثالية، لا يمكن أن تنتصر فوق كل المثل العليا الأخرى كل الوقت، لذلك رسم فوريدي كيفية إدارة الصراع بين المساواة والتسامح والتضامن والحرية. ربما لا يزال خطاب الكراهية بحاجة إلى الحظر القوي في حالات معينة، ومع ذلك، التسامح ليس نوعا من اللامبالاة من دون تحكيم. قد يكون التسامح صعبا بالفعل، ولكنه فرصة للسماح بمساحة راحة للمتعبين ولأولئك الذين يختلفون معنا بشكل جذري.

علاقات ما بعد الصراع
تؤكد المناقشات الدولية الأخيرة على أهمية بناء العلاقات الفعالة بين الدولة والمجتمع في الأوضاع الضعيفة الهشة وأوضاع ما بعد الصراع باعتباره أحد العوامل الأساسية لبناء السلام المستدام وبناء الدولة.

كما تؤكد هذه المناقشات على أن العنف والحرب هما تقويض أو تدمير للعلاقات الاجتماعية وتدمير للثقة بين المواطنين، فضلاً عن أنه تمزيق للعقد الاجتماعي القائم بين مؤسسات الدولة وبين المجتمع، ومن ثم فإن استعادة هذه العلاقات على كل المستويات في البلدان الخارجة من الصراع هو أمر ضروري لا مفر منه، ولكنه في الوقت عينه يفرض تحديات كبرى، لأسباب منها: الاستبعاد السياسي والاقتصادي لفئات معينة، والحكم الضعيف، والانقسامات الاجتماعية التي غالبا ما تكون موجودة أصلاً قبل اندلاع أعمال العنف.
ولأن العلاقات بين الدولة والمجتمع في البلدان المتأثرة بالنزاعات تتشكل وفق قيم، وهويات، وولاءات وديناميكيات مختلفة. فإن هذه العوامل المتنوعة والداخلية تقوم بتحديد الكيفية التي يمكن أن يتطور وفقها الأمر إلى بناء عقد اجتماعي، ووضع حجر الأساس لنظام دولة شامل استجابة لخدمة جميع الناس في البلاد.
وبناء على الافتراض بأن شكلاً معيناً من الحكم هو بمثابة هيكل أساسي للسلام والتنمية المستدامة وأن (إعادة) بناء العلاقات بين الدولة والمجتمع هي عملية محلية، فإن بحث الدكتورة مارتينا فيشر سيسهل عملية تبادل الخبرات بشأن تمكين العلاقات البنيوية بين الدولة والمجتمع في زمن ما بعد الصراع.

ويهدف البحث إلى التعريف بالفرص والمخاطر في هذا النقاش الدائر حاليا حول العلاقات البناءة بين الدولة والمجتمع، وإلى إيجاد رسائل مشتركة في المجتمعات السياسية الأخرى.
تحكي الدكتورة مارتينا عن الطريقة العملية لكيفية تحويل النزاع وبناء السلام. وترى أنه إلى الآن لم يتم إنجاز ما يكفي من الأبحاث حول تأثير آليات العدالة الانتقالية، وبالتالي فإنه ينبغي تطبيق الموجود منها بحذر. وان الحاجة ما تزال قائمة لإجراء تحليل مقارن أكثر استدامة، وقبل هذا وذاك، هناك حاجة إلى أساليب في البحث متعددة التخصصات حول هذه المسألة، وتقول:

يتفق العلماء والباحثون على أن المجتمعات التي عانت من الصراع العنيف في حاجة إلى التسامح وإلى القدرة على التعامل مع إرث الماضي لمنع الانتكاس والعودة إلى العنف مرة أخرى.
ولكن، في الوقت نفسه، من الواضح أن الآليات الموجودة والتي تهدف إلى تعزيز المساءلة، لا تؤدي تلقائيا إلى المصالحة وإلى السلام والاستقرار.

فمجتمعات ما بعد الحرب تحتاج إلى مزيج من أساليب مختلفة، بما فيها ما يتعلق بتحقيق العدالة القانونية، وبالمساءلة، وبانعاش الحقيقة ثم استردادها بعد أن تضيع في الأحداث.

وتحتاج تلك النشاطات لتنفيذها على مستويات مختلفة إلى معالجة الجوانب الهيكلية والسلوكية والمواقفية فضلا عن معالجة السياق، والذاكرة والعلاقات. وتحتاج أيضا إلى معالجة عدم التوازن في هيكل السلطة، وفي العلاقات بين الجنسين، كما ينبغي أن تؤخذ التجارب التي تتعلق بتجربة الإنسان نفسه (ذكر أو أنثى) مع العنف بعين الاعتبار.
ومع ذلك، من الصعب التكهن بتأثير آليات العدالة الانتقالية نظرا لعدم وجود بيانات تجريبية، ولا تزال هناك العديد من الثغرات والأسئلة التي تدور حول الجانب النظري والجانب العملي فيها، سواء أكان في مدى تأثيرها في الناس، أو في عدم وجود معايير أو معرفة بشأن الشروط المسبقة لفشل أو نجاح آليات المساءلة.
ويبقى السؤال ما إذا كان بإمكان منظمات المجتمع المدني أن تدفع على نحو فعال بأشكال مؤسسية للعدالة الانتقالية الناجحة في حين أن صناع القرار في البرلمانات والحكومات والإدارات لا يرغبون في تطبيق المساءلة ولا يرغبون في حماية الثقافات الأخرى من قضية عدم الاعتراف بها.
فكيفية تعلق انتعاش واسترداد الحقائق بالآليات القانونية والملاحقة القضائية والتعويض، والإصلاحات والمبادرات المؤسسية للمصالحة لا تزال غير واضحة، والأمر نفسه يسري على كيفية نقل العملية من الطرق الجزائية إلى الطرق التصالحية.
فضلاً عن أن هناك عدم وضوح فيما يمكن أن تبدو عليه عمليات المصالحة في المجتمعات التي عانت من عدائية شديدة إلى درجة حدوث خلل قوي مزلزل فيها، وكيف تؤثر مفاهيم الضحية على المجتمع بأكمله، وهناك عدم وضوح في الديناميات الكامنة، وفي كيفية معالجة الأذى الواقع بطريقة بناءة.
ونظرا لهذه الفجوات والأسئلة البحثية الخطيرة المستمرة، يحتاج تحليل عملية العدالة الانتقالية إلى التركيز المستمر على الأسباب الكامنة وراء الصراع في المقام الأول، لتصبح المحاكمات المعقودة ولجان تقصي الحقائق دعوة لمواصلة التركيز على معالجة الانقسامات المجتمعية.
وفوق هذا كله، من المهم القيام بتحليل آليات العدالة الانتقالية نفسها مراراً، فيما يتعلق بالنتائج وبالسياق والشرعية، من أجل خلق توقعات أكثر واقعية لإمكاناتها وحدودها.
وينبغي كذلك أن تقوم نظم السياسات العملية على المعرفة السليمة والترابط بين مختلف الآليات والمستويات والجهات الفاعلة. وهذا يتطلب من هذه المعرفة أن تشمل التفاعل بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني، كما يتطلب الارتباط بين السياسات والمبادرات ببعضها البعض على كل المستويات، وينبغي أن يكون العمل بمنحى عملي، وأن يتولد عنه التوصيات المتعلقة بالسياسة العامة.
وهنا، لا بد من القول أن بإمكان دراسات الحالة المبنية على أساس المناهج النوعية والمتعددة التخصصات أن توفر المعلومات الهامة، وتمنع بناة السلام من الاندفاع بتهور إلى العمل على أساس توقعات غير واقعية.
وأخيراً، يحتاج العمل إلى مشاركة، قدر الإمكان، الجهات الفاعلة من الأطراف المعنية كلها. ففي نهاية المطاف، هم من سيقرر كيف يمكن أن تتم مصالحتهم مع الماضي وكيف تقام علاقات المستقبل بطريقة بناءة.


شيء عن الباحثة
الدكتورة «مارتينا فيشر»، نائبة المدير في قسم أبحاث النزاعات في مؤسسة بيرغوف، برلين (ألمانيا)، وعضو المجلس الاستشاري. شاركت في تحرير دليل بيرغوف لتحويل الصراعات. نشرت وحررت وشاركت في تحرير أكثر من عشرة كتب وأكثر من 200 مقال في موضوع بناء السلام في مجتمعات ما بعد الحرب، وأجرت أبحاثا عملية موجهة في دور المجتمع المدني في تحويل النزاعات. وتركز حالياً على التعامل مع الماضي في الشفاء ما بعد الحرب.
وهي عضو في مجلس إدارة الكريتشنتيج البروتستانتية الألمانية، المجلس الاستشاري لمركز عمليات السلام الدولية (زيف)، والمجلس العلمي للمؤسسة الألمانية لأبحاث السلام (DSF)، والفريق العامل من أجل السلام وأبحاث النزاعات في وزارة الخارجية الاتحادية الألمانية.


الطريق إلى السلام
يقول البند الأول من وثيقة إعلان المبادئ حول التسامح الصادرة عن اليونسكو 1995 أن التسامح يتضمن:
* الاحترام والقبول بتنوع واختلاف ثقافات عالمنا، وهو ليس مجرد واجب أخلاقي، ولكنه أيضا ضرورة سياسية وقانونية، وهو فضيلة تجعل السلام ممكناً عالمياً، وتساعد بالتالي على استتباب ثقافة السلام.
* اعتبار التسامح ليس تنازلاً أو مجاملة للآخر، بل هو قبل كل شيء موقف يقوم على الاعتراف بالحقوق العالمية للشخص الإنساني، والحريات الأساسية للآخر، ولذا فإن التسامح ينبغي أن يطبق من طرف الأفراد كما من طرف الجماعات والدول.
* التسامح هو مفتاح حقوق الإنسان والتعددية (بما فيها التعددية الثقافية) والديمقراطية ودولة الحق.

اقرأ أيضا