الاتحاد

تقارير

حسناً... يا سارة بالين!

على رغم كوني أقيم في ركن مغمور في إحدى دول أوروبا الشرقية، إلا أنني أدرك جيداً استحالة التهرب من حقيقة كوني جزءاً من منابر الصحافة الرئيسية الأميركية، بحكم كتابتي المنتظمة من خلالها. ولعل هذا الشعور هو الذي يدفعني إلى الرد على ما جاء في مضمون الرسالة التي بثتها سارة بالين عبر موقع «فيس بوك» في يوم 4 يوليو الجاري. ففيها شنت المرشحة السابقة لمنصب نائب الرئيس، هجوماً عنيفاً على أجهزة الإعلام الرئيسية في البلاد، بسبب استجابة هذه الأجهزة وردود أفعالها إزاء إعلان سارة بالين المفاجئ عن استقالتها من منصب حاكم ولاية ألاسكا الذي كانت تشغله حتى ذلك التاريخ. واستطردت سارة بالين إلى وصف استجابة وسائل الإعلام لقرار استقالتها بأنها كانت استجابة متوقعة وباعثة للسخرية، إلى جانب عزلتها -في العادة- عن حياة عامة المواطنين الأميركيين العاديين، الذين سئموا سياسات حرق الشخصيات وتدميرها من قبل وسائل الإعلام.

حسناً، دعونا نقف على هذه المزاعم الواحد بعد الآخر لنفندها ونختبر مدى صحتها، أو بكلمة أدق عدم صحتها. ولنبدأ بالسؤال: هل كانت استجابة وسائل الإعلام الأميركية لاستقالة سارة بالين متوقعة، أم لا؟ والإجابة: من الصعب جداً تأكيد صحة هذا الزعم، طالما أنه ليس في وسع أحد أن يتنبأ سلفاً باستجابته المحتملة لحدث مفاجئ تماماً مثل استقالة بالين. فماذا إذاً عن زعمها بأن تلك الاستجابة جاءت باعثة للسخرية؟ كما سبق القول فقد تضمنت معظم الاستجابات الصحفية تكهنات واسعة بالدوافع التي أدت للاستقالة. فهناك من ظن أنها تعني إعلان «بالين» عن مغادرتها للساحة السياسية كلها، بينما توقع آخرون أن تكون الاستقالة بدافع اعتزام صاحبتها الاستعداد لإطلاق حملتها الانتخابية الرئاسية لعام 2012. إلى ذلك تساءل آخرون عما إذا كان ذلك القرار استباقاً لفضيحة مجلجلة تلوح في الأفق؟ فلا أحد يدري بالتحديد دوافع ومسببات تلك الاستقالة، وخاصة أن «بالين» نفسها تعمدت استخدام لغة غامضة مبهمة ومفككة وعجيبة لتبريرها مثل: إنها قرار صائب.. وإن تركي لمنصبي سوف يكون من صالح ولاية ألاسكا لأن هناك «نداءً أعلى لي». ولكن ما هو هذا «النداء الأعلى» العجيب الذي أشارت إليه «بالين»؟ إن لم تحدثنا عنه هي، فلا خيار أمامنا سوى أن نتكهن بما يكون، أو أن نختلق النكات عنه! على أن الاتهام الثالث الذي وجهته بالين إلى وسائل الإعلام الرئيسية ووصفها إياها بالعزلة عن حياة عامة أفراد الشعب الأميركي العاديين، هو الأكثر جدية بين كل الاتهامات الأخرى، طالما أنه يشير ضمناً إلى كون سارة بالين نفسها تعتبر أحد أفراد عامة الشعب. وبينما تعتقد هي انتماءها لعامة الشعب، لا أحسب أنا أن أفراد العامة الذين يشكلون الآراء والانطباعات عنها، يشاطرونها الاعتقاد نفسه. ثم إنه من الصعوبة بمكان الافتراض من الجانب الآخر، بكون عشرات الآلاف الذين يعملون في أجهزة الصحافة والإعلام الأميركيين، لا علاقة لهم بعامة الشعب الأميركي أيضاً. وتكتمل هذه النتيجة- الحقيقة بتأكيد الهوة الواسعة التي تفصل بين «بالين» وعامة الشعب الأميركي التي تتحدث عنها وتتهم باسمها الصحافة. والدليل على هذه الحقيقة هو نمط حياتها الشخصية والأسرية، قياساً إلى نمط حياة غالبية أفراد الشعب الأميركي. وعلى رغم اختلافي مع «بالين» في كل ما ورد على لسانها من مزاعم واتهامات غير مؤسسة للصحافة القومية، إلا أنني أتفق معها تماماً فيما يتعلق بحديثها عن سأم الجمهور الأميركي من سياسة حرق الشخصيات وتدميرها. ولكن يجب القول هنا، إن المعلقين والمدونين الإلكترونيين والكتاب العاملين خارج المؤسسات الصحفية الرئيسية، كانوا أشد انغماساً في سياسة حرق الشخصيات وتدميرها -على النحو الذي انتقدته بالين- بالمقارنة مع ضآلة انعكاس هذه السياسات والممارسات على أداء المؤسسات الصحفية الكبيرة في استجابتها لقرار الاستقالة بما يستحق من اهتمام.


آن أبلباوم كاتبة ومحللة سياسية أميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست ولوس أنجلوس تايمز»

اقرأ أيضا