الاتحاد

تقارير

هندوراس: دولة برئيسين... وأزمة سريالية!

انقلاب في  القصر وصيف ساخن في الشارع

انقلاب في القصر وصيف ساخن في الشارع

عندما هز «زلزال» مفاجئ دولة هندوراس الواقعة في أميركا الوسطى قبل بضعة أسابيع، انهارت أجزاء من جسر قيل إنه كان يتربع وسط البلاد ويدعى «الديمقراطية»؛ وقد مثَّل ذلك بالنسبة للكثيرين نذر عاصفة سياسية قادمة. ولا يبدو أن تداعيات ذلك ستتأخر كثيراً. فمنذ أُخذ الرئيس مانويل زيلايا من سريره تحت تهديد السلاح ونُفي يوم الأحد، باتت العاصمة هنا مسرحاً لأمور سريالية؛ حيث بدأت حكومة انتقالية عملها في القصر الرئاسي ذي اللون الوردي، وأعلن رجل جديد نفسه رئيساً للدولة، في حين يقول زيلايا، الذي يدعمه معظم دول العالم تقريباً، من منفاه في الخارج، إنه هو رئيس البلاد، وإنه عائد إلى أرض الوطن. كما يستعمل كلا الجانبين خطابة الدفاع عن نقاء الديمقراطية لتبرير ما يقومان به، على رغم أن كل واحد منهما يندد بالآخر، في الوقت ذاته، بسبب خرقه للقانون، في حين يجد مواطنو هذا البلد المصدِّر للموز والبن في أنفسهم موقع الطرف الذي عليه أن يشعر بأنه في مأزق، حيث يراد من بعضهم أن يحارب بعضاً آخر بسبب الخلاف حول من ينبغي أن يحكم، ولذا فهم يستعيدون هذه الأيام خطاباً بالياً، اعتقد كثيرون أنه ولّى إلى غير رجعة.

وفي هذا السياق يقول روجر مارن، كاتب العمود بصحيفة «إيل هيرالدو» الهندوراسية: «إن الناس خائفون والأغلبية الساحقة منهم تريد السلام والاستقرار ولا تريد المشاكل؛ غير أن هناك خطراً كبيراً لاندلاع أعمال عنف إذا عاد (زيلايا) إلى البلاد»، مضيفاً: «إذا لم يأت اليوم، فإنه سيأتي غداً. إنه سيأتي بكل تأكيد... لأنه من ذاك النوع من الناس القابل لأن يسمى دون مبالغة: الرجل العنيد». والواقع أن زيلايا يحظى أيضاً بدعم العالم الخارجي. ففي يوم السبت الماضي، علقت منظمة الدول الأميركية عضوية هندوراس، وذلك بعد انقضاء المهلة التي كانت قد حددتها الأسبوع الماضي لإعادة زيلايا إلى منصبه بحلول يوم السبت، والتي قوبلت برفض الحكومة الانتقالية في هندوراس التي يرأسها روبيرتو ميتشيليتي. بيد أن زيلايا، الذي لا يحظى فقط بدعم منظمة الدول الأميركية، وإنما بدعم بقية زعماء العالم وممثليه، بمن فيهم سفير الولايات المتحدة في هندوراس الذي يقال إنه آوى عائلته عقب تنحيته، يعد بالمعايير الشخصية رجلا غير جذاب بشكل لم يكن أحد ليعتقد معه أنه سيحظى بكل هذا الدعم. فذلك المزارع الغني ذو الشارب الأسود فاز بالرئاسة في 2005 كمرشح عن الوسط السياسي قبل أن ينقلب إلى اليسار ويتحالف مع الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز، على رغم ارتياب العديد من مواطنيه في معظم توجهاته. والواقع أن شبح شافيز هو الذي أخاف الكثيرين هنا، أعني الخوف -الحقيقي أو المتصوَّر- من طائرات فنزويلية ملأى بالأسلحة تحط في البلاد، ومن مليشيات تأتي من السلفادور ونيكاراجوا. بل إن الأحاديث بين الأشخاص الذين يقولون إن تنحية زيلايا مبررة تتضمن أيضاً كلاماً عن قدوم الشيوعية إلى البلاد. وبينما يندد المجتمع الدولي بالانقلاب، فإن العديد من الهندوراسيين يقولون إن خلع زيلايا، وإن لم يكن ربما قانونياً بالكامل، إلا أنه يمثل أخف الضررين لأن الرجل، في النهاية، خرق القانون حين دفع في اتجاه تنظيم استفتاء غير ملزم لمعرفة رأي الناخبين بشأن تأييدهم لفكرة تشكيل هيئة لتعديل الدستور، وهو ما كان الكثيرون يرون فيه خطوة أولى في اتجاه رفع القيود عن عدد المرات التي يجوز فيها للرئيس الترشح للانتخابات الرئاسية. وفي هذا السياق يقول خيسوس سايمون، وهو مهندس شارك في مظاهرة احتجاجية مؤخراً ضد زيلايا: «لو لم يُطرد، لظل رئيساً للبلاد مدى الحياة». والواقع أن الكثيرين، مثل سايمون، عبروا عن إحباطهم من كون العالم يبدو غير واع بالتهديد الذي كان محدقاً بالديمقراطية قبل يوم 28 يونيو. وفي هذا الإطار تمت الإشارة إلى اسم ريتشارد نيكسون في أكثر من مرة كمثال على رئيسٍ خرق القانون وواجه العزل؛ غير أن مستوى النضج السياسي هنا، يقول الهندوراسيون، لا يسمح بسلوك مثل هذا المسلك. وفضلا عن ذلك، فإن ميتشيليتي، الجالس هنا في قصر رئاسي نصف فارغ يزعم أنه مكتبه على رغم رفض العالم، يقول إن تنحية زيلايا لم تكن انقلاباً بأي شكل، وإنها تمت في إطار القانون، وهو كلام لا يتفق معه زيلايا طبعاً الذي دعا أنصاره يوم السبت إلى استقباله في المطار حين عودته وقال لهم في خطاب مسجل: «إنني أطلب من كل المزارعين والسكان والهنود والشباب وكل المنظمات العمالية ورجال الأعمال والأصدقاء... مرافقتي لدى عودتي إلى هندوراس»، مضيفاً: «لا تأتوا بأسلحة، بل اتبعوا ما كنت أوصيكم به دائماً: نبذ العنف. ولندعهم هم الذين يستعملون العنف والأسلحة والقمع». وفي هذه الأثناء، ظهر الكاردينال أوسكار رودريجيز على التلفزيون الحكومي مناشداً زيلايا البقاء في الخارج. غير أن الاحتجاجات اليومية ازدادت حجماً في العاصمة، ومعها ازداد التوتر حيث حُطمت سلاسل مطاعم الوجبات السريعة في الطريق إلى القصر الرئاسي، ورُسمت على جدرانها رسومات جرافيتية تصف ميتشيليتي بالفاشي وزعيم الانقلاب. وكان الكاردينال رودريجيز قال: «إننا نعتقد أن العودة إلى البلاد في الوقت الراهن يمكن أن تؤدي إلى حمام دم». ويرى مراقبون أن هذه الأزمة كانت ستحدث في كل الأحوال، عاجلا أم آجلا، بعد سنوات من التوتر نتيجة الفقر المدقع -فأزيد من 70 في المئة من الهندوراسيين يعيشون تحت خط الفقر- وانعدام الإرادة السياسية لتنفيذ إصلاحات حقيقية. وإذا كان الانفجار يمكن أن يحدث في أي لحظة، فإن الحل يبدو بعيداً جداً، هذا إن لم يكن قد ازداد صعوبة لأن العالم اتخذ موقفه بدون أن يستمع إلى الجانبين.ففنزويليا تريد التحالفات السياسية؛ ونيكارجوا تريد جاراً أيديولوجياً؛ والولايات المتحدة تحاول أن تقول إنها لم تعد تتصرف بشكل أحادي في المنطقة. لذا فإن هندوراس قد تُترك لتواجه مصيرها وحظها لوحدها.

سارة ميلر لانا - هندوراس
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا