الاتحاد

دنيا

جبالٌ تسكنها القردة ويقصدها السائح

«الشَّفة» طبيعة رائعة ومناظر خلابة

«الشَّفة» طبيعة رائعة ومناظر خلابة

حينما تسير بسيارتك من الجزائر العاصمة باتجاه أي منطقة في غرب الجزائر، لا يمكنك إلا أن تتوقف ولو لدقائق معدودة في منطقة «الشَّفَّة»، لمشاهدة «القردة المغاربية» التي لا توجد سوى في الجزائر والمغرب، وكذا «قردة الماغو» النادرة التي تنزل من الجبال لتتلقف ما جلبه لها المسافرون من مأكولات، فيقضي المسافرُ معها بعض الوقت وسط مناظر بديعة تريح من عناء السفر.

عذوبة الرعب

تقع «الشَّفَّة» على بعد حوالي 60 كلم غرب الجزائر العاصمة، تُقطع حوالي 50 كلم منها بسهولة عبر الطريق المزدوج، وبعدها تجد الطريق الوطني رقم 1، وهي طريق ضيِّقة تتوغل شيئاً فشيئاً في منطقة جبلية وغابية كثيفة وموحشة فتتذكر عشرية التسعينات وكيف كانت هذه المنطقة تحديداً تثير رعبَ المسافرين بسبب كثرة الحواجز المزيفة التي كان الإرهابيون يقيمونها، وبخاصة في الفترة الليلية، حيث وجدوا في غابات المنطقة وسلسلتها الجبلية التي تمتد عشرات الكيلومترات ملاذاً ومنطلقاً للقيام بأعمالهم الإجرامية وترهيب المسافرين. اليوم تحسَّن الوضعُ الأمني جذرياً، ولم يعد للإرهاب وجودٌ في هذه المنطقة، ومن باب الاحتياط تضرب قواتُ الأمن حراسة مشددة عليها بتكثيف الحواجز الأمنية وإقامة مناطق مراقبة في أعلى الجبال تفادياً لأي مفاجآت. أما المسافرون فقد اطمئنوا إلى استتباب الأمن في المنطقة وعادوا مجدداً ليستمتعوا بمناظرها الطبيعية الخلابة ويتنفسوا هواءها النقي ويقضوا فيها أوقاتاً ممتعة رفقة عائلاتهم، ويجلبوا مختلف المأكولات لقردتها التي طالما اشتهرت بها، فعادت معها الحياة إلى المنطقة التي كانت مسكونة بالموت والرعب والعزلة لأكثر من 10 سنوات. حينما وصلنا إلى المنطقة، لم نعثر على أثر للقردة ووجدنا أنفسنا نقطع بضعة كيلومترات من دون فائدة، ولكننا كنا نسير ببطء للتمتع بالمناظر الطبيعية الرائعة؛ إذ كنا نسير في طريق يشق جبلين متقابلين مكسوين بمختلف أصناف الأشجار والنباتات وأهمها الصنوبر البحري والصنوبر الحلبي، وفي أسفلهما وادٍ تعبره مياهٌ قليلة ولكنها صافية وتنساب بجمال، وكان عددٌ من الأطفال يستحمون بمياهه الباردة خصوصاً وأن البحر بعيد جداً عن المنطقة، وفي أعلى الوادي كانت العديدُ من السيارات مركونة بجانب الطريق الضيق، والعائلات جالسة في أماكن هادئة لتأمُّل الوادي وكذا ملء المياه من الينابيع العديدة الموجودة بالمكان.

«شلالات» صغيرة

هذه الينابيع هي إحدى أجمل خصائص هذه المنطقة؛ حيث تتدفق مياهُها من أعلى الجبال لتستقر في الأخير بالوادي، ما يعني أنها تتدفق من قمم هذه المرتفعات الجبلية والغابية وتشق طريقها فيها على امتداد عشرات الأمتار بشكل جميل يذكِّرنا بالشلالات، بل إن بعض المسافرين يسمِّيها كذلك بالرغم من أنها مجرد ينابيع صغيرة. سألنا أحد المسافرين عما إذا كان هذا هو «جبل القردة»؟ فرد بالإيجاب، ولكنه نبهنا مبتسماً إلى أن القردة لا تنزل عادة من قمم الجبال إذا لاحظت قلة عدد المسافرين في الأسفل و«تزهد» في ما يجلبونه من مأكولات، وتبقى تراقب حركتهم من علِ، فإذا رأت أن عددَهم بدأ يكثر واستشعرت «وفرة الحصاد» نزلت بسرعة لتتلقف ما يجود به الزوار عليها من موز وفول سوداني وغيرها من المأكولات التي تحبها.

غنائم

اصطففنا على جانب الطريق بعض الوقت نراقب حركة الينابيع أو «الشلالات» الصغيرة التي تنزل من قمم ترتفع عن سطح الأرض بحوالي مئة متر، كان المنظر بديعاً أخَّاذاً، وفجأة نزل عددٌ من القردة، فهرع إليهم الأطفال من كل حدب وصوب وبدأوا يرمون إليهم شتى المأكولات التي جلبوها ويتأملون حركتها بينما كان الآباء والأمهات يلتقطون الصور التذكارية ويراقبون حركة أبنائهم خوفاً عليهم، وأراد أحدُهم أن يداعب قرداً فبدأ يمد له يده موهماً إياه بأنه سيناوله الفول السوداني ثم يسحبها إلى الوراء، فغضب القرد وهجم على يده وسحب «الغنيمة» بسرعة فائقة ثم «انسحب» إلى مكانه. وحينما لاحظ المسافرون نزول القردة وتجمهُرَ الناس حولها، حاول بعضُهم ركن سيارته والنزول لمتابعة المنظر، لكن أحد عناصر الدرك الوطني رفض ذلك، وصرفهم بسبب ازدحام المكان، خصوصاً وأن ضيقه ووقوعه بين جبلين لم يترك أي فرصة لإيجاد المزيد من أماكن ركن السيارات، وهي في الواقع إحدى النقاط التي تؤثر سلباً في جلب السياح إلى المنطقة. قبل نحو أسبوعين زارت مجموعة من أطفال غزة الجزائرَ تلبية لدعوةٍ من وزارة التضامن. وبرمجت الوزارة جولة سياحية لتخفيف آثار الحرب الأخيرة عن هؤلاء الأطفال، وكانت «الشفة» من أوائل الأماكن التي أُخذوا لزيارتها، وهناك استمتعوا يوماً كاملاً بحركة قِردتها ومناظرها الطبيعية الخلابة.

اقرأ أيضا