الاتحاد

دنيا

قيسارية غزة.. ملاذ النساء لحل أزماتهن المالية

محلات الصاغة تزين قيسارية غزة

محلات الصاغة تزين قيسارية غزة

يحدثنا التاريخ أنَّ الأسواق المغطاة في المدن الإسلامية مثل أسواق الفسطاط والقيروان، بدأت في الظهور في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وابنه هشام بن عبد الملك (105-125هـ 724-743م) ومن ثم تم تحديد دكاكين لكل فئة من البائعين وفقاً لمبيعاتهم. وفق المنوال ذاته أقيمت سوق القيسارية في قلب مدينة غزة القديمة، وهي الوحيدة من نوعها الباقية حتى الآن، ليس داخل المدينة فحسب، بل وفي القطاع بكامله.

وحدة عمرانية

لقد أنشئت في القرن الرابع عشر الميلادي كجزء من وحدة عمرانية متكاملة تتألف من رواق الجامع العمري الكبير، رواق قلاوون الذي شيده وأتم فتح بابه الجنوبي المطل على وسط القيسارية في عام 730هـ الموافق لعام 1329م محمد بن قلاوون، كما هو مدون أعلى عتب الباب، وربما تم بناء القيسارية بعد ذلك بقليل، بحدود العام 1350م كسوق مواز للجدار الجنوبي للجامع، ممتداً من الشرق للغرب كفلسفة عمرانية تجارية اسلامية قديمة، تكون بموقعها للبائع أنفق وللمشتري أرفق حينما يخرج من الصلاة، وقبالتها مباشرة، ومواز لها من جهة الجنوب، كان يقع البيمارستان الناصري او خان الزيت في ما بعد، لكي يلبي حاجة النزلاء من المرضى. تمتد القيسارية على شكل قاطرة تمثل نمطاً عمرانياً وهندسياً يلائم ظروف البحر المتوسط المناخية، فهي ذات سقوف مقببة، تمتد من الشرق للغرب له فتحات للإضاءة والتهوية، وفي وسطها قبو مثمن الشكل يربط بينها وبين خان الزيت جنوباً، وبين الجامع العمري الكبير شمالاً.
وتتألف القيسارية من الداخل من دكاكين صغيرة متراصة بالقرب من بعضها البعض على كلا الجانبين يصل عددها إلى 18دكاناً وقبالتها 16دكاناً أخرى، وجميعها ذات سقف معقود بمصلبات يصل عمقها لنحو الثلاثة أمتار.

ولهذه القيسارية بوابة شرقية تعتبر نموذجاً لفن البناء المملوكي الجميل ذي القوس أو العقد الكبير المزين بحجارة رخامية بيضاء وحمراء مزدانة بزخارف على هيئة مسمار، تتوسطها فتحة. وقد طمست عوامل التعرية والإهمال معظم زخارفها.

وقف متحرك

عند كل جانب من القيسارية أي عند مدخلها ومخرجها، كانت توجد سلالم صغيرة للطابق العلوي الذي يتألف من دكاكين صغيرة تشبه بعضها، وقد أدخلت عليها بعض التعديلات الطفيفة. وكان للسوق باب كبير يغلق بعد غروب الشمس، وقد تمت إزالته مع بداية الخمسينيات من القرن الماضي. وقد جاء في العديد من الوقفيات سواء الحجرية منها أو الورقية ذكر القيسارية كسوق رئيسي في قلب مدينة غزة، وبالقرب من الجامع العمري الكبير، أو البيمارستان الناصري، كما أوردت بعض الوقفيات، جميع حوانيت القيسارية المعدة لسكن الصواغ والعطارين بمدينة غزة تقع في جوار البيمارستان الناصري المعروفة. كما تم العثور على حجر رخامي نُقشت عليه عبارات تدل على إعفاء سكان القيسارية من بعض الضرائب رحمة بهم لما وقع عليهم من مظالم أمر بها الملك قانصوة الغوري سنة 910هـ. وهكذا تفصح هذه الوقفية التاريخية عن أنَّ القيسارية كانت وقفاً للبيمارستان الناصرة (خان الزيت) كما كانت ضمن أوقاف آل رضوان في العصر العثماني الذي خضعت له غزة ابتداء من مستهل القرن السادس عشر الميلادي.

معاناة راهنة

يعاني سوق القيسارية الآن من نسبة الرطوبة الفائقة التي تنخر سقفه وجدرانه هذا بالإضافة لما تتعرض له دكاكينه الصغيرة من الحفر المتواصل للداخل في جدار الجامع العمري الكبير، مما يضعفها ويعرضها ودكاكين القيسارية للانهيار، وذلك بفعل غياب الاهتمام به، هذا بالإضافة للتعديات المستمرة على واجهاتها بالبناء العشوائي حتى كادت تختنق من الداخل، ولكن رغم ذلك فما زال السوق هو ملاذ نساء غزة اللواتي يتوجهن له باستمرار وعلى مدار اليوم لبيع مصوغاتهن وذكرياتهن الثمينة من قطع الذهب، وذلك لحل أزمات عائلاتهن الاقتصادية، بعد أن فقد العائلون مصادر دخولهم بسبب الحصار الضارب على القطاع منذ سنوات، حيث يقول احد أصحاب المحلات القائمة في القيسارية: «لم يعد الناس يملكون المال. ولا خيار لهم إلا بيع المجوهرات، لا سيما بالنسبة الى الموظفين والعمال الذين يعملون في إسرائيل والذين فقدوا عملهم هناك نتيجة للحصار». وفي متجر آخر، تطالعنا منى، وهي ربة منزل تحمل في يدها مبلغاً من المال مقابل مجوهرات باعتها. تقول: «آتي إلى هنا كل عشرة أيام او 15 يوما، لأبيع قسماً من مجوهراتي». وتضيف متحسرة:»بالكاد سيكفيني هذا المبلغ لشراء قليل من الطحين والغاز والطماطم والزيتون. فالأسعار ارتفعت كثيراً.

اقرأ أيضا